داعش بلا أرض.. شبكة سرية تعيد إنتاج الخطر من تحت الرادار

داعش بلا أرض.. شبكة سرية تعيد إنتاج الخطر من تحت الرادار

داعش بلا أرض.. شبكة سرية تعيد إنتاج الخطر من تحت الرادار


05/10/2026

لم يعد تنظيم داعش يشبه الصورة التي ارتبطت به في سنوات صعوده الأولى؛ فلا مدن يسيطر عليها، ولا مؤسسات يديرها، ولا أرتال عسكرية تتقدم أمام الكاميرات. لكن انهيار مشروع «الدولة» لم ينهِ التنظيم، بل دفعه إلى تغيير طريقة بقائه، من قوة تسعى إلى الظهور وفرض السيطرة إلى شبكة أصغر وأكثر اعتمادًا على الخلايا والاختفاء وانتظار الفرص.

وتوضح قراءة حديثة لوضع التنظيم، نشرتها وكالة "فرات"، أن الهزيمة الميدانية أجبرته على التخلي عن النموذج الذي قام على احتلال المدن وإدارتها والتوسع منها، ليصبح الحفاظ على الروابط والخلايا والموارد والقدرة على إعادة التجمع أكثر أهمية من الاحتفاظ بالأرض.

 ووفق التقرير، بات داعش قادرًا على العمل من خلال مجموعات صغيرة، واستغلال البيئات الهشة، واختبار نقاط الضعف الأمنية دون الحاجة إلى إعلان وجوده بالصورة التي اعتمدها بين عامي 2014 و2017.

وتقدم سوريا إحدى أبرز صور هذا التحول، فبحسب البيانات التي أوردتها المادة، يملك التنظيم هناك بين 2500 و3000 مقاتل يعملون ضمن خلايا صغيرة موزعة، فيما تراجع متوسط عملياته خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 إلى نحو 14 حادثة شهريًا، مقابل قرابة 29 حادثة شهريًا خلال 2025. ورغم هذا الانخفاض، تشير تقديرات أممية إلى استمرار وجود شبكات وخلايا نائمة في محافظات سورية مختلفة، بينها مراكز حضرية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في وضع التنظيم الحالي: انخفاض الهجمات لا يعني بالضرورة اختفاء البنية التنظيمية. بل إن داعش، وفق التقرير، تعمد في بعض الحالات إلى عدم تبني هجمات، بما يجعل البيانات العلنية عن عملياته أقل من الصورة الفعلية المحتملة لنشاطه. ولا يعني ذلك أن كل حادث غير معلن يرتبط بالتنظيم، لكنّه يجعل قياس حضوره من خلال بياناته الإعلامية وحدها أمرًا غير كافٍ.

وتتحول هذه الاستراتيجية إلى أكثر تعقيدًا داخل المدن، حيث لا تقتصر مهمة التنظيم على تنفيذ الهجمات، وإنما الحفاظ على الروابط والوصول إلى مصادر التمويل والتجنيد والاستفادة من الفوضى الأمنية.

 كما أشار تقرير أممي إلى محاولات للاستفادة من جماعات أو واجهات محلية توفر للتنظيم مساحة من الإنكار، إلى جانب مؤشرات على محاولات اختراق بعض البنى الأمنية الجديدة، مع التأكيد أن هذه المعطيات لا تعني سيطرة داعش على مؤسسات الدولة أو اختراقها على نطاق واسع.

وفي العراق تبدو الصورة أكثر تراجعًا بالنسبة إلى التنظيم. فقد انحصر نشاطه في مناطق محدودة من الأنبار ونينوى وصلاح الدين وجبال حمرين، ولم ينفذ هجمات خلال الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2025، فيما يرتبط هذا الانخفاض باستمرار عمليات مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني وتراجع البيئة الاجتماعية التي كان التنظيم يستفيد منها في التجنيد والدعم. 

ويزداد هذا الاختبار تعقيدًا مع انتقال جزء من المعركة إلى فضاء لا يمكن رصده على الخريطة التقليدية. فالمقاتل قد يتحرك في منطقة نائية، بينما يوجد عنصر دعم في مدينة، وقد يتم التجنيد عبر الإنترنت، أو تتحرك الأموال من خلال قنوات لا تكشف ارتباطها المباشر بالتنظيم. 

 ويشير تقرير أممي صادر في فبراير/شباط 2026 إلى قدرة داعش على التكيف مع الضغط الأمني والاستفادة من تقنيات ناشئة، بينها الذكاء الاصطناعي والأصول الافتراضية والطائرات المسيّرة.

ويبقى ملف المعتقلين أحد أثقل مخلفات مرحلة «الدولة». فقد بدأت الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني 2026 نقل معتقلي داعش من شمال شرقي سوريا إلى منشآت خاضعة للسيطرة العراقية، وبلغ العدد الذي أورده التقرير نحو 7000 معتقل. 

كما بقي في المخيمات ومواقع الاحتجاز بشمال شرقي سوريا أكثر من 30 ألف شخص من أكثر من 60 دولة، وفق معطيات مؤتمر أممي عقد في 2026. ولا تعني هذه الأرقام عودة تلقائية إلى صفوف التنظيم، لكنها تكشف حجم البيئة البشرية والأمنية المعقدة التي خلفتها حرب داعش.

وبينما كان داعش في ذروة قوته يحاول صناعة الأحداث عبر السيطرة والهجوم والتوسع، تبدو استراتيجيته الحالية أقرب إلى انتظار الأحداث واستغلال اللحظة التي تتراجع فيها كلفة التحرك. إنه تحول جوهري: التنظيم الذي كان يحتاج إلى الأرض كي يثبت وجوده، يحاول اليوم أن يثبت قدرته على البقاء من دونها. ولا توجد المعطيات الحالية ما يبرر الحديث عن عودة وشيكة إلى نموذج 2014، لكنها تكفي لإظهار أن هزيمة التنظيم عسكريًا لم تكن مساوية لاختفاء شبكاته.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية