الدبيبة والإخوان في ليبيا... من براغماتية التحالف إلى التوتر السياسي المفتوح

الدبيبة والإخوان في ليبيا... من براغماتية التحالف إلى التوتر السياسي المفتوح

الدبيبة والإخوان في ليبيا... من براغماتية التحالف إلى التوتر السياسي المفتوح


19/05/2026

شهدت العلاقة بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة وجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا خلال الفترة الأخيرة تحوّلًا لافتًا، بعد تصريحات أدلى بها الدبيبة خلال الشهر الجاري أعلن فيها أنّ الجماعة "لم يعد لها وجود" في المشهد السياسي الليبي، متهمًا أطرافًا محسوبة عليها بمحاولة استغلال وعكة صحية مرّ بها لترتيب بدائل سياسية لخلافته.

بدأ مسار التصعيد من خلال تصريحات للدبيبة في منطقة "قصر الخيار" شرق طرابلس، حيث هاجم جماعة "الإخوان" بلهجة ساخرة، وربما حادة، مؤكدًا بالقول: "لم يعد لهم وجود في ليبيا، ولن تكون لهم فرصة للعودة إلى المشهد السياسي". فضلًا عن اتهامه شخصية إخوانية معروفة بأنّها "سارعت، خلال وعكته الصحية، إلى التواصل مع جهات خارجية، والقول إنّ الدبيبة لم يعد قادرًا على الاستمرار، في محاولة للتموضع مكانه وخلافته في منصبه".

ولا ينبغي قراءة هذا التصعيد بعيدًا عن السياق السياسي في ليبيا، وانخراط الولايات المتحدة في محاولة لفض حالة الانسداد السياسي عبر مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، التي تهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية، وتغيير مواقع أساسية في بنية السلطة الجديدة، من بينها رئاسة الحكومة، إلى جانب توحيد الحكومتين المتنافستين في الشرق والغرب.

جاءت تصريحات الدبيبة وسط تصاعد التوتر بينه وبين بعض دوائر الإسلام السياسي في غرب ليبيا، فيما سارع مفتي ليبيا السابق الصادق الغرياني إلى مهاجمة تلك التصريحات، مطالبًا الدبيبة بالاعتذار ومحذرًا إيّاه من خسارة حلفائه داخل طرابلس.

الدبيبة والإخوان: جذور العلاقة من "ليبيا الغد" إلى ما بعد 2011

في هذا السياق، قال الكاتب الليبي عبد الله الغرياني: إنّ علاقة آل الدبيبة بجماعة الإخوان المسلمين تعود إلى مرحلة مشروع "ليبيا الغد" الذي ارتبط بسيف الإسلام القذافي خلال السنوات الأخيرة من حكم والده.

وأوضح الغرياني في حديثه لـ (حفريات) أنّ جماعة الإخوان لعبت دورًا محوريًا داخل المشروع، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر المنصات الإعلامية التي تأسست آنذاك، مثل "ليبيا بريس" و"مؤسسة الغد الإعلامية"، التي انبثقت عنها لاحقًا قنوات تلفزيونية عدة.

وأشار إلى أنّ شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي، من بينها علي الصلابي وشقيقه أسامة الصلابي، لعبت أدوارًا مؤثرة داخل هذا الفضاء الإعلامي والدعوي، بينما مثّل الصادق الغرياني مرجعية دينية غير رسمية لهذا التيار، رغم وجود مؤسسات دينية رسمية في الدولة الليبية آنذاك.

ولفت الغرياني إلى أنّ أحداث 2011 دفعت آل الدبيبة إلى إعادة التموضع سياسيًا، خصوصًا مع انتقال جزء من شبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي الليبي إلى تركيا، التي كانت شريكًا رئيسيًا في مشاريع البناء والتنمية المرتبطة بمشروع "ليبيا الغد".

وأضاف أنّ أنقرة تحولت لاحقًا إلى مركز لإدارة شبكة معقدة من العلاقات السياسية والاقتصادية، قبل أن يبرز اسم عبد الحميد الدبيبة تدريجيًا داخل الترتيبات السياسية التي أعقبت سقوط نظام القذافي، بدعم من شخصيات نافذة داخل تيار الإسلام السياسي.

وأكد أنّ علي الصلابي لعب دورًا بارزًا في إدماج الدبيبة داخل المبادرات السياسية التي تشكلت بعد 2011، بما في ذلك اجتماعات إقليمية ضمت أطرافًا من الجماعة الليبية المقاتلة والإخوان المسلمين وشخصيات محسوبة على النظام السابق.

وأشار إلى أنّ جماعة الإخوان استفادت من الدعم المالي والإعلامي الذي وفرته شبكات قريبة من آل الدبيبة، سواء عبر دعم منصات إعلامية أو عبر بناء تحالفات سياسية داخل غرب ليبيا.

ومع انطلاق مسار ملتقى الحوار السياسي الليبي بعد عام 2020، برز اسم عبد الحميد الدبيبة بوصفه شخصية قادرة على إدارة التوازنات بين القوى المحلية والإقليمية.

وقال الكاتب الليبي: إنّ جماعة الإخوان، إلى جانب شخصيات محسوبة على الجماعة الليبية المقاتلة، دعمت صعود الدبيبة داخل ملتقى الحوار السياسي، عبر كتل سياسية مرتبطة بحزب العدالة والبناء وتيارات أخرى محسوبة على الإسلام السياسي.

وأوضح أنّ تلك المرحلة شهدت أيضًا انقسامات متزايدة داخل التيار الإسلامي، خصوصًا بعد الخلافات التي ضربت حزب العدالة والبناء، وخروج شخصيات مثل محمد صوان لتأسيس مسارات سياسية جديدة أكثر براغماتية.

ولفت إلى أنّ الصراع داخل هذا المعسكر لم يكن إيديولوجيًا بالكامل، بل ارتبط أيضًا بالتنافس على النفوذ داخل مؤسسات الدولة والتحالفات الإقليمية وشبكات المصالح الاقتصادية.

وأضاف أنّ بعض الأجنحة ظلت تدور في فلك دار الإفتاء بقيادة الصادق الغرياني، بينما فضّلت أطراف أخرى الانفتاح على تسويات سياسية جديدة، بما في ذلك التقارب مع شخصيات مثل فتحي باشاغا.

الإخوان والدبيبة... تحالف المصالح وحدود القطيعة 

من جانبه، قال الباحث الليبي عبد الله الديباني: إنّ العلاقة بين الدبيبة والإخوان المسلمين لم تكن يومًا علاقة تنظيمية صلبة، بل قامت أساسًا على تبادل المصالح والتفاهمات المرحلية.

وأوضح أنّ الدبيبة لم يُعرف تاريخيًا كأحد قيادات الجماعة أو ضمن رموزها العقائدية، لكنّه حافظ منذ صعوده السياسي على شبكة علاقات واسعة مع قوى محسوبة على الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والإعلام.

وأضاف أنّ مرحلة ما بعد 2011 خلقت صيغة تبادل مصالح واضحة؛ إذ احتاجت القوى الإسلامية إلى رجال أعمال وشبكات تمويل، بينما احتاج الدبيبة إلى غطاء سياسي واجتماعي داخل مراكز النفوذ الجديدة في غرب ليبيا.

وأشار الديباني في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ ما يجري حاليًا لا يمكن وصفه بقطيعة كاملة بين الطرفين، بل بمحاولة من الدبيبة لتوسيع هامش استقلاله وتقليل اعتماده على تيار واحد، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى.

وشدد على أنّ الإخوان المسلمين في ليبيا لا يمثلون تنظيمًا موحدًا بالمعنى التقليدي، بل شبكة من التيارات والتحالفات المتداخلة، تشمل أجنحة سياسية ودعوية ومحلية تختلف في أولوياتها وتحالفاتها.

الدبيبة والإسلام السياسي: إعادة تموضع أم قطيعة نهائية؟

وأكد الديباني أنّ فهم المشهد الليبي يتطلب النظر إلى البنية الاجتماعية والقبلية، موضحًا أنّ القبيلة والمدينة ما تزالان تلعبان دورًا حاسمًا في تشكيل التحالفات السياسية، حتى داخل التيارات الإيديولوجية.

وأشار إلى أنّ جماعة الإخوان في ليبيا تختلف عن نظيراتها في دول عربية أخرى، بسبب اعتمادها الكبير على التفاهمات المحلية وتحالفات المدن أكثر من الانضباط التنظيمي الصارم.

وأضاف أنّ مدنًا مثل مصراتة وطرابلس والزاوية تمثل مراكز نفوذ اجتماعي وسياسي معقدة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والعائلية والأمنية، وهو ما يجعل التحالفات السياسية داخلها شديدة المرونة وقابلة للتبدل.

وأوضح أنّ القوى الإسلامية نجحت خلال السنوات الماضية في توظيف خطاب "الثورة" والمظلومية داخل غرب ليبيا، خصوصًا بعد الدور الكبير الذي لعبته مصراتة في أحداث 2011، ممّا ساعدها على بناء نفوذ سياسي واجتماعي واسع.

وبحسب مراقبين، فإنّ التوتر الحالي بين الدبيبة وبعض دوائر الإسلام السياسي لا يعني بالضرورة انهيار التحالف بالكامل، بقدر ما يعكس إعادة تموضع داخل شبكة معقدة من التوازنات السياسية والأمنية.

ويؤكد هؤلاء أنّ بقاء الدبيبة في السلطة يتطلب الحفاظ على شبكة واسعة من التحالفات، في حين تدرك القوى الإسلامية أنّ خسارته بالكامل قد تعني فقدان شريك مهم داخل معادلة غرب ليبيا.

وفي ظل استمرار الانقسام السياسي وتعثر التسوية الشاملة، تبدو العلاقة بين الطرفين مرشحة لمزيد من التوتر الحذر، دون الوصول حتى اللحظة إلى قطيعة تامة أو مواجهة مفتوحة.


 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية