إخوان السودان ودلالات الانحياز الكامل لإيران

إخوان السودان ودلالات الانحياز الكامل لإيران

إخوان السودان ودلالات الانحياز الكامل لإيران


30/03/2026

تعكس مواقف عدد من تيارات جماعة الإخوان إزاء الحرب على إيران نمطاً متكرراً من التلاقي السياسي الذي يتجاوز الاعتبارات المذهبية عندما تفرضه حسابات المصالح. فالجماعة التي أبدت في بداية التصعيد انحيازاً واضحاً لطهران، عادت لاحقاً إلى تبنّي موقف أكثر براغماتية، أدانت فيه الضربات الأمريكية،  وانتقدت في الوقت نفسه الهجمات الإيرانية التي طالت دول الخليج. ويعكس هذا التحول محاولة للمواءمة بين مقتضيات الخطاب العقائدي ومتطلبات النفوذ الإقليمي، ممّا يرجح استمرار هذا النمط من العلاقة طالما بقي النظام الإيراني قائماً، مع احتمالات بروز أبعاد جديدة في إطار علاقة طالما تحركت في المنطقة الرمادية بين الإيديولوجيا والبراغماتية. وفي ما يبدو أنّ موقف الجماعة في مرحلته الراهنة يتسم بتركيبة مزدوجة، تجمع بين خطاب إيديولوجي معلن وسلوك سياسي عملي. فعلى مستوى الخطاب، حرصت الجماعة على إدانة الضربات العسكرية التي تستهدف إيران، ووصفتها بأنّها اعتداء خارجي على دولة إسلامية، معتبرة أنّ ما يجري يندرج ضمن سياق صراع أوسع في المنطقة، يتقدمه الصراع مع إسرائيل. 

تمايز محسوب

من ثمّ أعادت التأكيد على مفاهيم مثل "وحدة الأمّة" ورفض الانزلاق إلى صراعات داخلية تُضعف الموقف الإسلامي العام. ويبرز في هذا الطرح حضور القضية الفلسطينية بوصفها محوراً مفسراً للموقف، إذ تُقدّم المواجهة مع إيران باعتبارها امتداداً لصراع أوسع وأشمل مع إسرائيل. ومن هذا المنطلق لا يسوق التقارب مع طهران بوصفه تبنياً لمشروعها السياسي أو المذهبي، بل باعتباره اصطفافاً ظرفياً ربما كان مؤقتاً أو مرحلياً ضمن معادلة تعتبر إسرائيل الخصم المركزي، وهو ما يعكس استمرار نهج قديم لدى الجماعة يقوم على تغليب الاعتبارات الوحدوية على الانقسامات المذهبية.

وثمة حضور واضح لحسابات براغماتية خفية غير معلنة. فالجماعة، رغم مواقفها السياسية الداعمة لإيران في هذا الظرف، لا تتبنّى نموذجها ولا تتجاهل التباينات الجوهرية معها، سواء على الصعيد المذهبي أو في ما يتعلق بسياساتها الإقليمية. ويعكس هذا التمايز محاولة للفصل بين الخلافات الاستراتيجية طويلة الأمد والمواقف التكتيكية التي تفرضها تطورات الصراع. ولا يبدو هذا الموقف متجانساً بشكل كامل داخل مختلف فروع الجماعة، إذ تتباين مقارباتها تبعاً للسياقات المحلية. ففي البيئات التي تشهد توتراً مع النفوذ الإيراني، يميل الخطاب إلى قدر أكبر من الحذر والتحفظ، بينما تتجه أطراف أخرى إلى تبنّي مواقف أكثر صراحة في رفض الضربات الخارجية، انطلاقاً من أولوية مواجهة ما تعتبره تهديداً أشمل لمصالح المنطقة، وفق ما ألمح المركز الدولي للدراسات السياسية والاستراتيجية.

الحالة السودانية

ولهذا يبدو من أكثر المواقف وضوحاً ومباشرة موقف إخوان السودان واصطفافهم التام وبالكليّة مع إيران، حيث لا يتوقف الأمر عند حدود المؤازرة والإسناد بل التحريض الفج على مواصلة استهداف الخليج في ظل العدوان الإيراني على المنشآت المدنية بها، وقد برز ذلك في مقطع فيديو متداول لضابط سوداني برتبة عميد تضمن دعوات صريحة لإيران لتكثيف استهدافها لمنشآت حيوية في دول الخليج العربي، الأمر الذي يحمل دلالات ومؤشرات خطيرة على مستوى الخطاب العسكري والإقليمي.

يظهر في المقطع الضابط طارق الهادي كيجاب، المعروف بانتمائه إلى جماعة الإخوان المصنفة على قوائم الإرهاب، الذي سبق أن عمل طبيباً خاصاً للرئيس السوداني المعزول عمر البشير بعد التحاقه بالمؤسسة العسكرية ضمن ارتباطه التنظيمي بالحركة الإسلامية، وهو يتحدث عن إمكانية إلحاق أضرار واسعة عبر ضرب بنى تحتية حساسة، من بينها محطات تحلية المياه ومنشآت الكهرباء.

وبرز كيجاب منذ اندلاع الحرب في السودان في نيسان/أبريل 2023 كأحد الوجوه الإعلامية الداعمة للجيش، عبر حضور مكثف على منصات التواصل الاجتماعي، حيث دأب على التعليق على تطورات العمليات العسكرية وتقديم قراءات ميدانية وسياسية. ويأتي تداول هذا المقطع في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يتزامن مع تصاعد التوترات في المنطقة، إلى جانب ضغوط دولية متزايدة على السودان، خصوصاً في ما يتعلق بملفات داخلية، من بينها النقاش حول تصنيف بعض الكيانات المرتبطة بجماعة الإخوان ضمن قوائم الإرهاب. وتندرج تصريحات كيجاب ضمن سياق أوسع من التهديدات التي صدرت خلال العامين الماضيين عن قيادات عسكرية سودانية. ففي آذار/مارس 2025 أثار مساعد قائد الجيش، ياسر العطا، جدلاً مماثلاً بعد تلويحه باستهداف مواقع داخل تشاد، معتبراً مطاري أم جرس ونجامينا "أهدافاً عسكرية مشروعة"، وهو ما دفع نجامينا إلى إدانة التصريحات واعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها.

وقد صعّد قادة ميدانيون في تشكيلات مسلحة متحالفة مع الجيش من خطابهم خلال الفترة الأخيرة؛ إذ لوّح المصباح طلحة، قائد "كتيبة البراء بن مالك" المصنفة إرهابية، بإمكانية نقل العمليات إلى خارج الحدود، مشيراً إلى امتلاك قدرات تشمل طائرات مسيّرة وأنظمة تسليح أخرى. وأعيد تداول مقاطع سابقة تعود لأكثر من عام، يظهر فيها أحد العناصر المرتبطة بالإخوان، ويُدعى هيثم الخلا، متحدثاً عن وجود كوادر للتنظيم في الخارج، مع الإشارة إلى خطط لتدريبها حتى عن بُعد لتنفيذ مهام خارجية.

تلك العلاقة بين إخوان السودان وإيران، بما فيها من جوانب خفية وأخرى معلنة، تكشف حدودها ما جاء في بيان الخارجية الأمريكية الذي صنف الجماعة الإسلاموية بالسودان على قوائم المنظمات الإرهابية، وقال: إنّ "تنظيم الإخوان المسلمين في السودان يستخدم العنف غير المقيّد ضد المدنيين بهدف تقويض الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في السودان وتعزيز إيديولوجيته العنيفة".

وأضاف أنّ "مقاتلي التنظيم الذين تلقى العديد منهم تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، نفذوا عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين". وبحسب البيان الصادر عن الخارجية الأمريكية، فإنّ لواء البراء بن مالك التابع لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان قد أُدرج في أيلول/سبتمبر 2025 بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 لدوره في الحرب الوحشية الدائرة في السودان. وتابع: "وبصفتها أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، قام النظام الإيراني بتمويل وتوجيه أنشطة خبيثة حول العالم عبر الحرس الثوري الإيراني. وستستخدم الولايات المتحدة جميع الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع جماعة الإخوان المسلمين من الموارد التي تمكّنها من الانخراط في الإرهاب أو دعمه".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية