متاهة الدم: شهادات المنشقين تزيح الستار عن "عقيدة العنف "لدى الإخوان

متاهة الدم: شهادات المنشقين تزيح الستار عن "عقيدة العنف "لدى الإخوان

متاهة الدم: شهادات المنشقين تزيح الستار عن "عقيدة العنف "لدى الإخوان


11/03/2026

بينما تحاول جماعة الإخوان المسلمين، منذ نشأتها، تسويق صورتها كحركة دعوية "وسطية" تؤمن بالتغيير السلمي، تظل الحقيقة القابعة في دهاليز التنظيم السرّي وشهادات الذين خرجوا من "المعبد "تحكي قصة مغايرة تماماً. إنّها قصة العنف الذي لم يكن يوماً مجرد ردّ فعل أو انحراف عابر، بل هو "مكوّن جيني" في بنية الجماعة وفلسفتها التأسيسية.

"النظام الخاص": الخطيئة الأولى

لا يمكن فهم تاريخ العنف عند الإخوان دون العودة إلى" النظام الخاص"، الجهاز السرّي الذي أسسه حسن البنا في الأربعينيات. ورغم محاولات الجماعة التنصل من جرائم هذا الجهاز، إلا أنّ كتابات أحد قادته التاريخيين، محمود الصباغ، في كتابه "حقيقة التنظيم الخاص"، جاءت لتؤكد أنّ العنف كان "وظيفة تنظيمية" مقدّسة.

اعترف الصباغ بأنّ الجهاز لم يكن معنياً فقط بمقاومة الاحتلال، بل كان أداة لتصفية الخصوم السياسيين في الداخل. شهادته تعزز حقيقة أنّ اغتيال القاضي أحمد الخازندار ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي لم تكن قرارات فردية من شباب متحمس، بل كانت نتاج "تربية عسكرية" صارمة تقوم على السمع والطاعة العمياء للمرشد. المنشقون يؤكدون أنّ البنا، رغم قوله الشهير" ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين" بعد مقتل النقراشي، هو من وضع اللبنات الأولى لهذا الجهاز ومنحه الشرعية الدينية تحت مسمّى "فقه الضرورة".  

من" التنظيم الخاص" إلى" قطبية الصدام": شهادة علي عشماوي

شكّل عام 1965 نقطة تحول حاسمة في تاريخ العنف الإخواني، إذ انتقل التنظيم من مرحلة "الاغتيالات السياسية "إلى مرحلة" التكفير الشامل "وتدمير البنى التحتية للدولة. في كتابه" التاريخ السرّي لجماعة الإخوان المسلمين"، يقدّم علي عشماوي، آخر رئيس للتنظيم السرّي في تلك الفترة، شهادة مزلزلة.  

يروي عشماوي كيف تحول فكر سيد قطب إلى" إنجيل" للعنف داخل السجون، وكيف بدأ أعضاء التنظيم في التخطيط لتفجير القناطر الخيرية ومحطات الكهرباء واغتيال الفنانين والمثقفين. يقول عشماوي: إنّ الجماعة في تلك الفترة كانت ترى المجتمع كله "جاهلياً "يجب هدمه لإعادة بنائه. هذه الشهادة تكمن أهميتها في أنّها تكشف أنّ العنف الإخواني لم يكن موجهاً ضد السلطة فحسب، بل ضد" المجتمع" ككل، وهي البذرة التي نبتت منها لاحقاً تنظيمات" القاعدة وداعش".

"سرّ المعبد": كيف يُصنع" القاتل "داخل المحضن التربوي؟

في واحدة من أكثر الشهادات إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، كشف المحامي ثروت الخرباوي في كتابه "سرّ المعبد" عن الآليات النفسية والتربوية التي تستخدمها الجماعة لتدجين أعضائها وتحضيرهم للعنف.

يؤكد الخرباوي أنّ "المحضن التربوي" للإخوان ليس مكاناً لتعلم الدين، بل هو مختبر لصناعة" الجندي" الذي لا يناقش. ويوضح أنّ نظام "الأسر"، و"الكتائب"  يهدف إلى عزل العضو شعورياً وفكرياً عن مجتمعه، ليكون مستعداً لتنفيذ أيّ أمر يصدر من "مكتب الإرشاد".  العنف هنا يبدأ من عنف الفكرة وإقصاء الآخر، قبل أن يتحول إلى رصاصة أو عبوة ناسفة.

شهادة الخرباوي تثبت أنّ" السلمية" التي يتحدث عنها الإخوان هي "تكتيك" وليست "استراتيجية"، تُستخدم حين تكون الجماعة في حالة ضعف، وتُهمل حين تشعر بالتمكين.

"اللجان النوعية" وما بعد :2013 السقوط الأخير للقناع

بعد سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013 ظهر جيل جديد من المنشقين الذين كشفوا عن وجه أكثر دموية للجماعة، وهو ما عُرف بـ  "اللجان النوعية". شهادات شباب منشقين، مثل سامح عيد وغيره، أشارت إلى أنّ قيادات مثل محمد كمال أسست جناحاً مسلحاً كاملاً "حسم، لواء الثورة "لتنفيذ عمليات إرهابية ضد رجال الشرطة والقضاء.

هذه المرحلة كشفت زيف مقولة  "سلميتنا أقوى من الرصاص" التي أطلقها المرشد محمد بديع. المنشقون الجدد أكدوا أنّ الجماعة انقسمت إلى" جبهتين"، لكنّهما اتفقتا على مبدأ العنف؛ جبهة تمارسه علانية تحت مسمّى" المقاومة الشعبية"، وجبهة تدعمه بالغطاء الشرعي والتمويل. لقد كانت شهادات هؤلاء الشباب بمثابة إدانة متأخرة لقيادة دفعت بهم إلى المحرقة باسم "الدين"، بينما كانت هي تدير العمليات من عواصم إقليمية.

ثقافة "التبرير الفقهي": كيف يشرعن الإخوان القتل؟

يتناول المنشق عن الجماعة، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، كمال الهلباوي، قبل وفاته، جانباً خطيراً يتعلق بـ" التبرير الفقهي". يشير الهلباوي في مراجعاته إلى أنّ الجماعة تعاني من" انفصام"؛ فهي تخاطب الغرب بلغة الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تدرّس لأعضائها كتباً مثل  "فقه الجهاد "وتراث ابن تيمية بـ " تفسير قطبي" متطرف.

هذا التبرير الفقهي هو ما سمح للجماعة بتبرير محاصرة المحكمة الدستورية، والاعتداء على المتظاهرين أمام قصر الاتحادية، ومن ثم الانخراط في موجة الإرهاب بعد 2013. العنف عند الإخوان ليس" خروجاً عن المنهج"، بل هو "تطبيق للمنهج" في لحظات الصدام الحتمي.

العنف قدر تنظيمي

إنّ قراءة شهادات المنشقين عن جماعة الإخوان المسلمين، من الأربعينيات حتى اليوم، تقودنا إلى استنتاج واحد: العنف هو" العمود الفقري" الذي يحفظ تماسك التنظيم في مواجهة الدولة والمجتمع. لم يكن الانشقاق في أغلب حالاته مجرد اختلاف سياسي، بل كان "صحوة ضمير" لمواجهة بنية سرّية تؤمن بأنّ الوصول إلى السلطة يمرّ حتماً عبر جثث الخصوم.

وتظل شهادات "الخارجين من المعبد" الوثيقة الأكثر مصداقية لتعرية هذا التاريخ، وهي تؤكد أنّ الجماعة التي تدّعي المظلومية هي في جوهرها "آلة إنتاج للعنف"، وأنّ أيّ حديث عن "إخوان ديمقراطيين" ليس سوى وهم يصطدم بحقائق التاريخ واعترافات الصدور التي انشقت عن الجماعة ولم تنشق عن الحق.

 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية