"الدعاية السوداء".. كيف تتحول أموال الإخوان إلى ماكينة إعلامية لإعادة تدوير الشائعات؟

"الدعاية السوداء".. كيف تتحول أموال الإخوان إلى ماكينة إعلامية لإعادة تدوير الشائعات؟

"الدعاية السوداء".. كيف تتحول أموال الإخوان إلى ماكينة إعلامية لإعادة تدوير الشائعات؟


17/08/2026

لم تعد أدوات جماعة الإخوان في التأثير على الرأي العام تقتصر على القنوات الفضائية أو الخطاب السياسي المباشر، بعدما تشكلت حولها منظومة إعلامية أكثر تعقيدًا تجمع بين التمويل والإدارة والإنتاج والمنصات الرقمية والوجوه الإعلامية. وتقوم هذه المنظومة على تحويل الموارد المتاحة إلى محتوى، ثم دفعه عبر مسارات متعددة تضمن إعادة إنتاج الرسالة وتكرارها أمام الجمهور بصيغ مختلفة.

وتكشف خريطة ما وصفته «صوت الأمة» بـ«الدعاية السوداء» عن شبكة متعددة المستويات تبدأ من مصادر التمويل والدعم، ثم تمر عبر حلقات تتولى التخطيط والإدارة والإنتاج، وصولًا إلى القنوات والمنصات الرقمية والمذيعين وصناع المحتوى. 

وبهذا الشكل لا يظهر المنتج النهائي منفصلًا عن شبكة واسعة من الشركات والكوادر والتجهيزات والمنصات التي تتيح استمرار عملية الإنتاج والنشر وإعادة التدوير.

ولا تتوقف آليات التأثير عند إنتاج المحتوى، إذ تمتد إلى طريقة توزيعه وتضخيمه على المنصات الرقمية، عبر الحسابات المنسقة والتفاعل المصطنع وانتقاء المعلومات وإعادة نشرها بصورة متكررة. 

إحدى أخطر حلقات هذه الآلية هي صناعة الانطباع بوجود مصادر متعددة ومستقلة للرسالة ذاتها

ويؤدي هذا المسار إلى منح بعض القضايا حضورًا يفوق حجمها الطبيعي، بينما تتحول الرسالة ذاتها إلى مواد قصيرة ومنشورات وعناوين قابلة للتداول السريع.

وتبرز شركات الإنتاج والتشغيل كإحدى الحلقات الرئيسية داخل هذه البنية، باعتبارها المسؤولة عن توفير الاستوديوهات والتجهيزات الفنية والكوادر وعمليات المونتاج والبث والتوزيع.

 وتشير تقارير منشورة إلى صلات تشغيلية وإنتاجية بين شركات مثل «سكون ميديا» و«فضاءات ميديا» وعدد من المنصات والقنوات، من بينها «الشرق»، إلى جانب انتقال كوادر إعلامية وفنية بين مؤسسات مختلفة.

وتكشف هذه التفاصيل أن القناة التي تظهر على الشاشة ليست سوى الواجهة الأخيرة لسلسلة أوسع، تبدأ بالموارد المالية والإمكانات التشغيلية، ثم تنتقل إلى إعداد البرامج والمحتوى، قبل أن تصل إلى الجمهور عبر القنوات والمنصات. 

وتسمح هذه البنية بإنتاج رسائل متعددة من قاعدة تشغيلية واحدة، مع إعادة استخدامها وتوزيعها وفق طبيعة كل منصة وجمهورها.

وتضم خريطة الإعلام الإخواني في الخارج، وفق ما أورده المصدر، قنوات ومنصات من بينها «الشرق» و«مكملين» و«وطن»، إلى جانب المواقع الإلكترونية والحسابات المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي. وتعمل هذه المنصات خارج الحدود، لكنها تستهدف الجمهور المصري والعربي، ما يمنحها قدرة على إعادة توزيع المادة نفسها عبر أكثر من واجهة، وتحويل المحتوى التلفزيوني إلى مقاطع قصيرة ومنشورات وعناوين تستهدف سرعة الانتشار.

في السياق ذاته، أشار المصدر إلى وجود مؤسسات بحثية وحقوقية تعمل في المجال العام خارج المنطقة، من بينها مؤسسة قرطبة لحوار الثقافات في لندن، التي أسسها أنس التكريتي عام 2005 وفق المواد المنشورة للمؤسسة. ويعكس إدراج هذه المؤسسات في خريطة المشهد الذي يتناوله التقرير اتساع المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها الرسائل المرتبطة بالخطاب السياسي والإعلامي خارج الإطار التلفزيوني المباشر.

ومع انتقال المعركة إلى الفضاء الرقمي، لم تعد المادة الإعلامية تنتهي بانتهاء البرنامج أو البث الفضائي، بل تبدأ دورة جديدة فور نشرها على المنصات. فالمقطع الذي يظهر في برنامج يمكن اقتطاعه خلال دقائق ونشره عبر «يوتيوب» أو «إكس» أو «تيك توك»، ثم تعاد مشاركته عبر صفحات وحسابات مختلفة، بما يضاعف فرص وصوله إلى مستخدمين لم يشاهدوا المادة الأصلية.

يعكس إدراج هذه المؤسسات في خريطة المشهد الذي يتناوله التقرير اتساع المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها الرسائل

وهنا تظهر إحدى أخطر حلقات هذه الآلية، وهي صناعة الانطباع بوجود مصادر متعددة ومستقلة للرسالة ذاتها. فعندما تنتقل المعلومة من حساب إلى آخر، ثم يعاد تناولها إعلاميًا وتتحول إلى مقاطع ومنشورات، قبل أن تعود مرة أخرى إلى شبكات التواصل، قد يبدو للمستخدم أن القضية تحظى بزخم واسع ومستقل، بينما يمكن أن يقود تتبع مسارها إلى عدد محدود من نقاط الانطلاق.

هذا ويأتي المذيعون وصناع المحتوى باعتبارهم الحلقة الأقرب إلى الجمهور، إذ تتحول الرسائل التي جرى إعدادها داخل المنظومة إلى برامج وتعليقات ومقاطع ومحتوى يومي. ومع اتساع دور المؤثرين والمنصات القصيرة، أصبح بإمكان الرسالة الواحدة أن تتخذ عشرات الأشكال خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يصعّب أحيانًا اكتشاف مصدرها الأول أو معرفة عدد المرات التي أعيد فيها تدويرها.

وتقوم إحدى الآليات التي يرصدها التقرير على مسار يبدأ بمعلومة غير موثقة، ثم تنتقل إلى حساب أو صفحة على مواقع التواصل، قبل أن تعاد مشاركتها من حسابات أخرى، ثم تصل إلى تناول إعلامي، لتتحول بعد ذلك إلى مقاطع ومنشورات، وتعود مجددًا إلى المنصات الرقمية. ومع تكرار الدورة، لا تعود القضية مرتبطة بالمصدر الأول بقدر ارتباطها بحجم التداول الذي حققته.

وبذلك، لا تبدو «الدعاية السوداء» مجرد مجموعة من القنوات أو الحسابات المتفرقة، وإنما منظومة تقوم على تحويل التمويل إلى إنتاج إعلامي، ثم تحويل الإنتاج إلى انتشار، والانتشار إلى تكرار مستمر للرسائل. وفي هذه المعادلة يصبح التحكم في دورة المحتوى جزءًا أساسيًا من معركة التأثير، بينما تتحول المنصات الرقمية إلى المساحة الأوسع لإعادة تدوير الرسائل والشائعات وتقديمها للجمهور في صور متعددة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية