الإخوان والإعلام الجديد: من القنوات الفضائية إلى البودكاست ووسائل التواصل

الإخوان والإعلام الجديد: من القنوات الفضائية إلى البودكاست ووسائل التواصل

الإخوان والإعلام الجديد: من القنوات الفضائية إلى البودكاست ووسائل التواصل


10/11/2025

 

لطالما كان الإعلام أداة محورية في مشروع جماعة الإخوان المسلمين، سواء على الصعيد الدعوي أو السياسي، فهو الوسيلة التي استخدمتها الجماعة لبناء حضورها في العالم العربي وإرساء تواصلها مع الجاليات الإسلامية في الخارج لحشد المتابعين وتشويه صورة الدول العربية التي تعتبرها الجماعة خصماً. 

منذ تأسيسها في مصر، ومع مرور العقود، تطوّرت أدوات الجماعة الإعلامية بشكل متزامن مع تطور المشهد الإعلامي. في البداية كانت الصحف والمنشورات الدعوية وسيلة رئيسية لنقل أفكارها، ثم جاءت القنوات الفضائية لتوسيع دائرة التأثير، وصولاً إلى العصر الرقمي حيث باتت المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي و"البودكاست" تشكل العمود الفقري لاستراتيجيتها الإعلامية العدائية.

القنوات الفضائية والمنصات التقليدية

في العقود الأخيرة، كانت القنوات الفضائية من أبرز الوسائل التي وظفتها الجماعة في تعزيز حضورها وتأصيل خطابها الدعوي والسياسي. مثلًا، قناة الحوار التي تبث من لندن قدمت برامج حوارية وتحليلية استهدفت العرب في المهجر والداخل، وكانت تحرص على مناقشة القضايا الإقليمية بأسلوب ينسجم مع الإيديولوجيا الإخوانية، ويهاجم بشكل مكثف الدول العربية. 

في الأردن، أطلقت قناة (اليرموك عام 2012 لتكون فضائية للإخوان، بينما في مصر شكلت قناة (مصر 25) في العام ذاته، منصة مهمة خلال فترة حكم الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي، حين نقلت بيانات ومواقف الجماعة الرسمية وحرصت على التأثير في الرأي العام باستغلال مشاعر الثورة.

وفي أعقاب 2013 كثفت الجماعة من حضورها الإعلامي، بإطلاق عدة منصات من الخارج هاجمت من خلالها الدولة المصرية والدول العربية التي وضعت التنظيم على قوائم الإرهاب وفرضت قيوداً أمنية عليه، لعل أبرزها (الشرق، ومكملين، و وطن) وغيرها. 

هذه القنوات، رغم توقف بعضها أو حظرها لاحقاً، لعبت دوراً مهماً في خلق صورة إعلامية للجماعة، وبناء قاعدة جماهيرية تعتمد على المتابعة المنتظمة للبرامج والأخبار التي استهدفت تشويه الدول وحشد الرأي العام ضد مؤسسات الدولة وافتعال الأزمات بهدف صناعة الفوضى.

التحول إلى الإعلام الرقمي

مع التراجع الميداني للجماعة بعد 2013، والحظر الذي واجهته في مصر وعدة دول عربية، وفشل الإعلام المرئي في تحقيق أجندة التنظيم، بدأ التركيز على الإعلام الرقمي الذي يوفر سرعة الانتشار ومرونة أكبر في الوصول إلى الجمهور. 

الجماعة أنشأت، وفقاً لمراقبين، شبكة من الحسابات الرقمية والصفحات المنسقة عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل (فيسبوك وتويتر ويوتيوب)، حيث باتت تستخدم هذه الوسائل في نشر الأخبار والمقاطع الدعائية، وإدارة الحملات الإعلامية الخاصة بها. وتوسعت الجماعة في استخدام البودكاست، وأطلقت برامج حوارية عبر الإنترنت لتقديم رؤيتها ونقل خطابها إلى جمهور جديد، بما في ذلك الجاليات العربية والإسلامية في الغرب.

هذه المنصات الجديدة أصبحت النافذة الرسمية للجماعة باللغة العربية والإنجليزية، وهو ما ساعدها على نشر البيانات والتصريحات ومحاولة التلاعب لكسب تعاطف الرأي العام الدولي، وبالرغم من القيود التي تواجهها بعض الحسابات، إلا أنّ هذه الوسائل مكنت الجماعة من التفاعل المباشر مع الشباب، واستهداف الفئات الأكثر تأثراً بالوسائط الرقمية، مع توفير محتوى متنوع يشمل مقاطع فيديو قصيرة وبث مباشر وحوارات متعمقة.

تأثير الإعلام التقليدي مقابل الرقمي

الإعلام التقليدي، من فضائيات وصحف، ما زال يمتلك تأثيراً في العالم العربي، خصوصاً لدى الفئات غير المرتبطة بالإنترنت أو الذين يفضلون المتابعة عبر التلفزيون، وإن كانت نسبة محدودة في الوقت الراهن. توفر هذه الوسائل حضوراً ملموساً وشرعية إعلامية نسبية، لكنّها تواجه تحديات تتعلق بالتكلفة والرقابة الحكومية وتباطؤ التفاعل مع الجمهور، فضلاً عن محدودية الوصول إلى الجاليات العربية في الخارج.

أمّا الإعلام الرقمي، فيتيح للجماعة سرعة الانتشار والتفاعل المباشر مع الجماهير، وهو قادر على استهداف الفئات الشابة، سواء في الداخل العربي أو في المهجر الغربي. هذا النوع من الإعلام يسمح باستخدام محتوى بصري جذاب، وتوظيف الحسابات المزيفة والصفحات المنسقة لتوجيه الرسائل بطريقة دقيقة ومدروسة، بما يسهل التأثير على الرأي العام وتحريك الجماهير عبر حملات رقمية منظمة.

في العالم العربي، تستهدف الجماعة من خلال الإعلام الرقمي الشباب أكثر من أيّ فئة أخرى، مستغلة ارتباطهم بالهواتف الذكية ووسائل التواصل. بينما في الجمهور الغربي والمهجر، يمثل الإعلام الرقمي الوسيلة الأساسية للوصول إلى الجاليات، وبث خطاب الجماعة الذي يركز على قضايا مثل فلسطين والظلم الاجتماعي والسياسي، ممّا يسهم في تعزيز الحضور الدولي للجماعة.

"البودكاست" ملاذ أخير

أكد الباحث المتخصص في الجماعات المتطرفة، عبد الله الجديع، أنّ الملاحقات القضائية التي يتعرض لها المنتمون إلى جماعة الإخوان دفعتهم إلى البحث عن وسائل بديلة لبث أفكارهم، مستغلين منصات التواصل غير الخاضعة للرقابة، وعلى رأسها "البودكاست"، الذي أصبح ملاذاً لهم لنشر محتواهم المتطرف. وفي حديثه لبرنامج "سؤال مباشر" على قناة (العربية)، وصف الجديع تأثير هذه المنصات بأنّه "كبير ومقلق"، مشيراً إلى أنّ بعض برامج "البودكاست" التي يديرها الإخوان تروّج لفكرة التضحية بالنفس من أجل المشروع الإخواني، وأنّ هذه المنصات تحولت في بعض الحالات إلى ما يشبه "أكاديميات تعليمية" مغلقة تهدف إلى تعزيز التطرف.

وأوضح الجديع أنّ الجماعة تستغل هذه الوسائل الرقمية أيضاً لبث ما يسمّيه بـ "التزهيد" في التعليم الجامعي، في محاولة للتأثير على وعي الطلاب ومستقبلهم، مؤكداً أنّ "البودكاست" العابر للحدود أصبح أداة فعالة لتوسيع قاعدة الأتباع، حيث يُستخدم لبث آراء الجماعة حول القضايا السياسية والاجتماعية المختلفة، إضافة إلى المواقع الإخوانية الناطقة بالإنجليزية التي تستهدف الشباب العربي المغترب.

ولم يقتصر استخدام الجماعة على "البودكاست"، بل وظفت منصات التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية للتأثير على الرأي العام داخل مصر وخارجها، خاصة بين الشباب الأكثر تفاعلاً واستجابة للرسائل الرقمية. 

وتعمد العناصر الإخوانية إلى خلق "تريندات" وهمية على مواقع التواصل، مثل (هاشتاغات) معارضة لقرارات أو تصريحات الرئيس، بهدف الإيحاء للمواطنين بوجود حالة غضب شعبي واسعة تحفزهم على الانخراط في تحركات احتجاجية، وهو ما يعطي الانطباع بكتلة شعبية كبيرة.

استراتيجيات الدعاية الإعلامية

تسعى الجماعة من خلال الإعلام إلى تصوير نفسها كمظلومة أو مضطهدة لتعزيز التعاطف الشعبي والدولي، ولتبرير فشلها السياسي في بعض الفترات. وتهدف إلى مهاجمة الأنظمة التي تعتبرها خصماً، من خلال تسليط الضوء على الفساد والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وربط هذه القضايا بالمسؤوليات الحكومية.

علاوة على ذلك، يُستخدم الإعلام الإخواني في تجنيد الشباب، ليس فقط فكرياً بل في بعض الأحيان عبر الحشد الرقمي أو التحشيد ضد مؤسسات الدولة، مع التركيز على الجمهور الدولي والمهجر لكسب الدعم السياسي أو المعنوي. الجماعة تعتمد على التنوع الوسائلي، من الفضائيات إلى البودكاست، ومن الحسابات الرسمية إلى الصفحات المزيفة، وهو ما يمنحها القدرة على التكيف مع أيّ بيئة إعلامية وتجاوز القيود المفروضة على وسائل الإعلام التقليدية.

الإعلام يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية جماعة الإخوان المسلمين، والتحول من الوسائل التقليدية إلى الرقمية لم يكن خياراً، بل ضرورة بعد التراجع الميداني والحظر. الإعلام الرقمي أصبح أداة قوية للوصول العالمي والتفاعل المباشر، واستهداف جمهور متنوع من الداخل العربي إلى المهجر، مع إمكانيات أكبر في إدارة الحملات الدعائية والرقمية.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية