
من المؤكد أنّ جماعات الإسلام السياسي في القرن العشرين ارتكبت جملة من الخطايا في حق المجتمعات التي وجدت فيها، وقد يكون أشهرها وأكثرها تداولًا الإرهاب والاغتيالات وسفك دماء الأبرياء، إلا أنّ أخطر خطاياها صناعة " التدين الاستعراضي"، هذه الجريمة للأسف هي الأقلّ تناولًا عند الحديث عن مخلفات الإسلام السياسي.
منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين في نهاية عشرينيات القرن الماضي، والمؤسس حسن البنا يحاول خلق دور لها في المجتمع، كان بناء المساجد من بين المجالات التي سعى إلى مزاحمة الإخوان فيها للمجتمع، باعتبار المساجد رمزًا للعبادة والحضور الديني، لكنّ المشكلة لم تكن في بناء المساجد، وإنّما في تحويل الدين من مضمون يُعاش إلى صورة تُعرض، ومن قيمة تهذب الإنسان إلى علامة تميز الجماعة عن المجتمع، وكان أقصر الطرق وأسهلها إشعال المعارك حول فرعيات العبادة، وتحويل بعض المظاهر الدينية من وسيلة للارتقاء بالإنسان إلى أدوات لإثبات التفوق التنظيمي والسيطرة على المجال العام.
صخب التدين صناعة إخوانية
صنع الإخوان ما يمكن تسميته "صناعة التدين الشكلي"، أو ما وصفه الكاتب والمفكر المصري ثروت الخرباوي بـ "التدين الاستعراضي" ومضمونه البحث عن شكل التدين أكثر من التمسك بمضمونه، والإصرار على استعراض التدين أمام الناس، حتى لو أدى ذلك أحيانًا إلى الصدام معهم، فلم يكن جوهر المشروع الإخواني، إقرار المعاني النهائية للعبادة وآثارها في النفس والمجتمع؛ وتهذيب الإنسان، وتحقيق السلام النفسي، وتعميق قيم الرحمة والعدل والأمانة، بقدر ما كان خلق هوية دينية لعناصر جماعة الإخوان.
أوّل مظاهر شكلانية التدين واستعراضه أمام الناس، البحث عن الصخب حول أمور فرعية في العبادة، أو إحياء ظواهر دينية اختفت بفعل تغير الزمن وتطور الوعي الاجتماعي، ثم تقديمها باعتبارها معيارًا للإيمان والالتزام، فعلها حسن البنا عندما أسس جماعة الإخوان وبدأ نشاطها في الإسماعيلية، وبعد عام من انتشار الجماعة قرر حسن البنا، بحسب روايته في مذكراته، إثارة قضية صلاة العيد في الخلاء بدلًا من المساجد، باعتبارها سنّة مهجورة ينبغي إحياؤها، والقضية هنا ليست في الحكم الفقهي ذاته، ولا في تفضيل الصلاة في الخلاء أو المسجد؛ فالمسألة مختلف فيها بين الفقهاء، وإنّما تكمن القضية في تحويل مسألة فرعية إلى معركة اجتماعية كبرى، بحيث يصبح الاختلاف في وسيلة أداء العبادة كأنّه اختبار لإيمان المجتمع نفسه، يصف حسن البنا في مذكراته، ص 138، حالة الانقسام التي شهدها مجتمع الإسماعيلية حول هذه المسألة، حتى تساءل بعضهم كيف تكون الصلاة في الطرقات أفضل من المساجد المعدة للصلاة والمهيأة لها؟ العجيب أنّ البنا عندما انتصر لفكرته وأشعل جدلًا واسعًا في الإسماعيلية، لم يصلِّ مع الناس في الخلاء!، بل تسلل عائدًا إلى القاهرة وصلّى العيد في مسجد القماري بالدرب الأحمر، حيث تسكن أسرته في عطفة عبد الله بيك.
عام المعارك الشكلية
ومن البنا في الإسماعيلية إلى طلبة الاخوان في الجامعة المصرية عام 1938 حيث يؤرخ عبد الحليم محمود في كتابه الشهير "الإخوان: أحداث صنعت التاريخ" أنّ طلبة الإخوان عند دخولهم الجامعة المصرية كان عليهم أن يقوموا بعمل ما، على أن يكون هذا العمل مدويًا، وله صدى، وأن يكون ملفتًا للأنظار، ثم ماذا كانت معاركهم؟ يقول عبد الحليم محمود، في الجزء الأول، ص 80: "إنّ المساجد هي معركتنا، فهو رمز الإسلام في دار المسلمين"، ورغم اعترافه بأنّ كثيرًا من الكليّات كان بها مصليات يصلي فيها من يريد الصلاة، فإنّ الجماعة، لم تكن تبحث فقط عن مكان للصلاة، وإنّما كانت تبحث عن معركة حول الصلاة، وإذا لم تتمكن الجماعة من بناء مسجد بكليّات الجامعة المصرية، فسيتم تقديم أفرادها باعتبارهم ضحية لأعداء الإسلام؛ وإذا تمكنت الجماعة من بناء مسجد أو مصلى، ظهرت باعتبارها حاملة راية التوحيد.
وهكذا يصبح الانتصار التنظيمي في معركة صغيرة بمثابة انتصار للدين كله، ويصبح الاعتراض على الجماعة اعتراضًا على الإسلام، وهي واحدة من أخطر الحيل النفسية التي تمارسها جماعات الإسلام السياسي بألوانها المختلفة، فقد نجحوا في تحويل أيّ قضية أو مسألة دينية إلى معركة لإثبات الحضور، فهم يعرفون أنّ الصخب حول العبادة أهم من العبادة ذاتها.
العبادة أداة للتمييز بين الإخوان والناس
عمدت الجماعة إلى نشر فكرة التدين الاستعراضي، فاختفى سؤال "ما الآثار التي تركتها العبادة في الإنسان؟"، ليحل محله سؤال "كيف ظهرت الجماعة وهي تدافع عن العبادة؟"، لتتحول العبادة (أيّ عبادة) من علاقة بين الإنسان وربّه إلى هوية تنظيمية، ويتحول التدين من قيمة مشتركة بين الناس إلى أداة للتمييز بينهم، لم تسعَ الجماعة لمجرد ممارسة العبادة، وإنّما سعت لممارسة فعل يصاحب العبادة يكون له صدى اجتماعي، بحيث تظهر الجماعة باعتبارها حامية للدين والمدافعة عنه.
واستمرت معارك الإخوان، أو ما يمكن وصفه بالاحتكاك المتعمد بالمجال الديني، فمع إعادة تأسيسها في سبعينيات القرن العشرين، بحثت الجماعة عن أشكال جديدة للتدين الاستعراضي، فكان منها اللحية والنقاب والكتاب الإسلامي والمخيمات والمعسكرات الإسلامية في المدن الجامعية، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يمنع أيّ معسكر إسلامي يقام في المدن الجامعية حيث الطلبة يحتاجون إلى الهدوء للمذاكرة، ثم تطور الأمر واستقرت الأحوال للإخوان، ولكنّ شبقهم نحو التدين الاستعراضي لا ينتهي، فسيطروا على المساجد وعلى الاتحادات والمعارض، ثم كانت معاركهم الاستعراضية حول الإمامة في المدن الجامعية ومساجد الجامعة، فلم يكتفوا، وعندما خرجوا إلى المجتمع تعددت الأماكن التي يمارس فيها الإخوان استعراضهم الديني، من المساجد إلى الأسواق إلى بعض المصالح الحكومية، إلى الأرصفة في الطرقات.
استراتيجيتهم للاستعراض
تمثلت استراتيجيتهم في اختيار مكان ظاهر للناس لإقامة الصلاة، ويفضل طريق الناس حتى يشاهدهم أكبر عدد ممكن ووضع ملصقات دينية تحيط بالمكان وتمنحه طابعًا دينيًا مقدّسًا، ثم سيطرة العنصر الإخواني على الإمامة ، ثم إلقاء كلمة وعظية بعد الصلاة، ومؤخرًا الملصقات الدينية على السيارات وعلى لافتات الطريق وغيرها من الممارسات المغلفة بالدين.
قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد حرص على العبادة، لكنّ الحقيقة غير ذلك، فاختيار الأماكن والحرص على الظهور أمام الناس والاقتتال على الإمامة، ووضع الملصقات الدينية عنوة على الأبواب وعلى زجاج السيارات؛ يكشف لنا حقيقة تدينهم المزيف، فالتدين الحقيقي لا يحتاج بالضرورة إلى جمهور، أمّا التدين الاستعراضي فيحتاج إلى عين تراه، وجمهور يصفق له، وخصم يختلف معه حتى يكتمل المشهد.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_44_2_0.jpg.webp?itok=gkA-K9oJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9_3_1.jpg.webp?itok=59DuTMBo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7_0_0_1.jpg.webp?itok=XbwHE57x)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5.jpg.webp?itok=8ZoqX5jS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85_1.jpg.webp?itok=A7e0fNc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B2%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%8A%D8%A9_0_2_1.jpg.webp?itok=2DiQ-AI9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_5.jpg.webp?itok=IqZO5ftr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-200622-syria.qsd__0_0.jpg.webp?itok=OIyFmjhb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0.jpg.webp?itok=LmxjiWVy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%AB%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D9%82%D8%A7%D8%A6%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A7%D8%AD%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A...%20%D9%85%D9%86%20%D9%87%D9%88%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D9%85%D9%86%D8%AA%D8%B5%D8%B1.jpg.webp?itok=ar7ZDz7I)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D8%B1%D8%A9%20%D8%A3%D8%B7%D8%A8%D8%A7%D8%A1%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9%20%D8%AA%D8%B6%D8%B9%D9%81%20%D8%B9%D9%85%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=pBN5B1q3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF_1.jpg.webp?itok=nHsJwoOe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1.jpg.webp?itok=Xcwsm5O4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=2MhAvatp)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_16_0.jpg.webp?itok=Q1fjvEsj)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_5.jpg.webp?itok=I2pS18mO)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%AA.png.webp?itok=VbHyzx0h)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/TJyYoaIPWCb1i5d30Gjrpw7fLXt0iCSz_exnQwWgbxq2nakNU1YgtKTMSrnLWGV6oejqsbylYy6kBo9aS7uXz6CvVnoHqfbzqkKbxmBNv48pdva8BItkBRhoHzHFsEo5ZxvOtzRo1hiYjMV05u-j7a9mdc0d_lyaHWz4cAvTjyne5JUgmZKNBw6oKSbXUweF.jpg.webp?itok=lutg-h0E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_9_0_0.jpg.webp?itok=wQUJCmfX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%B7.jpg.webp?itok=Q8py6cl-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZAe5ym0zeJaXSVkLxPR3jhB84LDE2UKg_36JsUj1W8M5w3iFviyx6GfyWe4yTHE9jDkz6fPXcMC652NKjzg5depVMNU2vqIp4_bNZlDw3r60sMynm9zDqwWpRIBLttdDlX1NQk0gu9oUs4Cy9-otrb0B8Ppr9U1pTezbpl3aKpEefd3SG4JwdoqLb3n0OD1f%20%281%29.jpg.webp?itok=1ofDeuzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

