
لطالما كان شهر رمضان المبارك في الوجدان الإسلامي رمزاً للسكينة، ومحطة للتزكية الروحية، ومناسبة لتعزيز قيم السلم والتراحم. غير أنّ التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم" داعش"، دأبت على محاولة اختطاف هذه القداسة وتحويلها إلى "موسم للدم"، عبر عملية تزييف ممنهجة للمفاهيم الدينية. فبالنسبة إلى "خوارج العصر" لا يُعدّ الهلال إيذاناً ببدء الصيام والقيام، بل هو إشارة انطلاق لعمليات القتل والتفجير تحت مسمّيات" الغزوات "و"الفتوحات".
إنّ استراتيجية تنظيم "داعش" في استثمار المناسبات الدينية لا تنبع من فراغ، بل هي جزء أصيل من عقيدته القائمة على "الاستثمار الإيديولوجي" للمشاعر الدينية الجياشة، وتحويل الطاقة الروحية لدى الشباب إلى طاقة تدميرية، عبر إيهامهم بأنّ "الجهاد" في هذا الشهر يضاعف الأجور، متجاهلين أنّ صيانة النفس البشرية هي المقصد الأسمى للشريعة.
تفكيك" المانيفستو" الداعشي
في تقرير تحليلي معمق، سلّط "مرصد الأزهر لمكافحة التطرف" الضوء على آليات تنظيم "داعش" في تحويل شهر رمضان إلى أداة للتعبئة الإيديولوجية. التقرير الذي حمل عنوان :"بين رمضانيين: كيف يحوّل داعش شهر الصيام إلى أداة تعبئة إيديولوجية"، رصد التباين والتشابه في خطاب التنظيم بين عامي 2023 و2024، كاشفاً عن محاولات مستميتة من قِبل ما تبقى من فلول التنظيم لإثبات الحضور وترميم الروح المعنوية المنهارة لعناصره.
ويشير المرصد في قراءته إلى أنّ التنظيم يعتمد" الذاكرة التاريخية المشوهة"، حيث يستدعي الانتصارات الإسلامية الكبرى التي وقعت في رمضان، مثل غزوة بدر وفتح مكة، ليُسقطها قسراً على جرائمه المعاصرة، في محاولة لمنح شرعية دينية زائفة لعملياته الإرهابية، وإضفاء طابع" المقدّس" على أفعال تتنافى مع أبسط مبادئ الإنسانية.
"فقه الدم"... رمضان موسم للعمليات التصعيدية
اعتاد تنظيم" داعش" منذ إعلان خلافته المزعومة على رفع وتيرة عملياته الإرهابية خلال شهر رمضان، وهذه الاستراتيجية ليست عشوائية، بل تستند إلى ما يسميه التنظيم مضاعفة الأجر في شهر القتال .ففي أدبيات "داعش" يُصنف رمضان كـ "شهر الغزو والفتوحات"، وهو امتداد للخطاب الذي أرساه الناطق السابق باسم التنظيم "أبو محمد العدناني"، حين كان يحرّض" الذئاب المنفردة" على جعل رمضان شهراً وبالاً على الكافرين -بزعمهم-.
في السنتين الأخيرتين لاحظ مرصد الأزهر أنّ التنظيم يحاول تعويض انحساره الميداني في العراق وسوريا عبر تكثيف العمليات في" ولاياته" البعيدة، خاصة في أفريقيا الساحل، وغرب أفريقيا،) وخرسان (أفغانستان. رمضان هنا يعمل كـ" محفز تكتيكي"؛ إذ يسعى التنظيم لتحقيق انتصار معنوي يكسر به حالة الركود، ويؤكد من خلاله لمناصريه أنّه ما زال" باقياً ويتمدد "رقمياً وعملياتياً، حتى وإن فقد السيطرة الجغرافية.
الآلة الإعلامية... صناعة" البطولة الزائفة"
يُعدّ رمضان ذروة الموسم الإعلامي لتنظيم "داعش"، فالتنظيم يستغل الحالة الوجدانية للمسلمين في هذا الشهر ليبث إصداراته المرئية والمسموعة عبر مؤسساته مثل "الفرقان" و"الاعتصام" و"أعماق". وتتركز الرسائل الإعلامية في هذا التوقيت على محاور عدة:
ـ الاستقطاب العاطفي: استخدام لقطات للصلاة والإفطار الجماعي لعناصره لإظهار "الحياة المثالية" داخل التنظيم.
ـ شحن "الذئاب المنفردة": توجيه رسائل مباشرة للمتعاطفين في الغرب لتنفيذ عمليات طعن أو دهس، مستغلين الانشغال الأمني بالاحتفالات الرمضانية.
ـ إعادة تدوير الفتاوى المتطرفة: نشر مطويات إلكترونية تُشرعن القتل في رمضان وتعد المنفذين بـ "الجنة والحور العين"، في عملية غسيل أدمغة ممنهجة تستهدف المراهقين والشباب المهمش.
من "التمكين "إلى" الاستنزاف"... تحولات الخطاب
يشير تقرير مرصد الأزهر إلى تحول جوهري في طبيعة الرسائل الداعشية. في سنوات" "التمكين" (2017-2014) كان شهر رمضان يُقدّم كشهر لبناء الدولة وتطبيق الحدود وجباية الزكاة، أمّا في الرمضانات الأخيرة، فقد تحول الخطاب إلى "فقه الاستنزاف" و"الصبر على البلاء".
لقد أصبح رمضان أداة لتعزيز "الصمود" بين العناصر الفارّة في الكهوف والصحارى، ويتم التركيز الآن على ملاحم الابتلاء وتشبيه حال التنظيم بحال المسلمين في بدايات الدعوة. هذا التحول يعكس مأزقاً حقيقياً؛ فالتنظيم الذي فشل في الحفاظ على" أرضه"، يحاول الآن الحفاظ على "فكرته" عبر استغلال الرمزية الدينية لرمضان لإبقاء جذوة التطرف متقدة في نفوس أتباعه.
استهداف الهوية وتشويه صورة الإسلام
من أخطر ما رصده المرصد هو أثر هذا السلوك الداعشي على "صورة الإسلام" عالمياً، فإصرار التنظيم على ربط أفظع الجرائم بالشهر الأقدس لدى المسلمين يسهم في تغذية ظاهرة" الإسلاموفوبيا "في الغرب. اليمين المتطرف يجد في "رمضانات داعش" مادة دسمة للادعاء بأنّ العنف متأصل في الطقوس الإسلامية.
إنّ تنظيم "داعش" لا يقتل الأبرياء فحسب، بل يغتال المعنى السامي للصيام، فبينما يمسك المسلم عن الطعام والشراب تهذيباً للنفس، يرى الداعشي في الصيام وسيلة لتقوية جسده على القتل. هذا التناقض الصارخ هو ما يسعى مرصد الأزهر لكشفه، مؤكداً أنّ معركة الوعي لا تقلّ أهمية عن المعركة العسكرية، وأنّ استرداد "رمضان" من براثن التطرف هو واجب ديني ووطني.
دور المؤسسات الدينية في المواجهة
يخلص التقرير إلى ضرورة وجود استراتيجية مضادة تتجاوز الردود التقليدية، والمواجهة يجب أن تتم عبر:
ـ تفكيك المرويات التاريخية: توضيح السياقات الحقيقية للغزوات الإسلامية، وبيان أنّ الأصل في الإسلام هو السلم، وأنّ القتال كان استثناءً للدفاع لا للعدوان.
ـ ملء الفراغ الرقمي: إنتاج محتوى دعوي وعلمي يواكب اللغة الشبابية، ويفضح زيف التأويلات الداعشية للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالجهاد وفضائل رمضان.
ـ تعزيز المناعة الفكرية: من خلال تسليط الضوء على "مقاصد الشريعة" التي تجعل حفظ النفس مقدّماً على أيّ اعتبار آخر.
رمضان... شهر الحياة لا شهر الموت
في الختام، يظل تقرير مرصد الأزهر صرخة تحذير من استمرار الجماعات المتطرفة في استغلال العواطف الدينية لتحقيق مآرب سياسية وعسكرية. إنّ تنظيم "داعش"، وإن ضعف هيكلياً، ما يزال يراهن على "المواسم" لإعادة إنتاج نفسه.
إنّ الردّ الحقيقي على "رمضانات داعش" يتجلى في إظهار الوجه الحضاري لهذا الشهر؛ شهر القراءة، والبناء، والتضامن الإنساني. فالمعركة مع التطرف هي معركة بين رؤيتين: رؤية ترى في رمضان فرصة للموت والدمار، ورؤية هي "جوهر الإسلام "تراه فرصة للحياة والتجدد الروحي. سيبقى رمضان شهراً للسكينة، وستظل محاولات تنظيم "داعش" لتدنيسه مجرد انحراف تاريخي مصيره الزوال أمام وعي الشعوب ويقظة المؤسسات الفكرية والأمنية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)