
مالك العثامنة
في الأسطورة اليونانية، لم تسقط طروادة بمواجهة مباشرة هدمت أسوارها المنيعة، بل بحصان خشبي عملاق ظنه أهل المدينة هدية، وفي داخله جنود خرجوا ليلا وفتحوا الأبواب، كانت الفكرة بسيطة، مفادها أن القوة لا تأتي دائما من المواجهة المباشرة والتي قد تكون غبية، بل من التغلغل الصامت بدهاء، ومن بناء وجود حقيقي وتفاعلي داخل الجدران نفسها حتى تصبح المدينة مفتوحة من الداخل، وهذه الفكرة تشبه كثيرا طريقة عمل تنظيمات أيديولوجية حديثة، فهي لا تهاجم الدولة مباشرة بل تدخلها عبر المجتمع، عبر المؤسسات، عبر السياسة، حتى تصبح جزءا من بنيتها.
حين أسس حسن البنا جماعته في الإسماعيلية عام 1928 لم يكن يفكر بشبكة عالمية، كان يبحث عن معنى في زمن مهزوم، مصر تحت الاحتلال البريطاني، طبقة وسطى قلقة تبحث عن سند أخلاقي، والبنا يرى أن الإسلام ليس مجرد عبادة بل نظام حياة كامل، هذه الجملة البسيطة فتحت بابا كبيرا، لأن الدين حين يتحول إلى برنامج سياسي يصبح التنظيم ضرورة، لا خيارا.
في الثلاثينات والأربعينات تمددت الجماعة داخل مصر بسرعة مذهلة، مدارس وجمعيات ونقابات ووحدات شبابية وحتى جهاز خاص للأمن، ومن هناك اكتشف الإخوان أن المجتمع أهم من الدولة، وأن الشبكة الاجتماعية تعيش أطول من أي حكومة، الوزير يذهب لكن الجمعية تبقى، الحزب يسقط لكن المعلم في المدرسة يبقى، وهكذا فهم التنظيم أن النفوذ الحقيقي لا يبنى في البرلمان بل في الحي والحارة وفي توظيف حاجات الناس اليومية.
بعد اغتيال البنا ثم صدام الجماعة مع نظام جمال عبد الناصر دخل الإخوان السجون والمنافي، وهناك كتب سيد قطب نصوصا صنعت جدلا لا يزال مستمرا، في «معالم في الطريق» أعاد تعريف المجتمع نفسه، صار هناك مجتمع مسلم وآخر جاهلي، لم يكن هذا خطاب الجماعة كله لكنه صار مرجعا نظريا لحركات جهادية لاحقة، وهنا ولدت العلاقة المعقدة بين الإخوان والتيار الجهادي، تأثير فكري لا ينكر وإنكار تنظيمي لا ينتهي.
في السبعينات عاد الإخوان عبر البراغماتية السياسية، تحالفوا مع أنظمة ودخلوا الانتخابات والنقابات، وفي الأردن كانوا جزءا من المشهد العام لعقود، سواء في البلديات او الجامعات والنقابات المهنية، وقد بنوا حضورا اجتماعيا عميقا عبر العمل الخيري والتعليم والدعوة، ومع أن العلاقة مع الدولة مرت بمراحل شد وجذب لكن الشبكة بقيت بكامل عافيتها، لأنها كانت أعمق من السياسة اليومية.
أما في المغرب فقد ظهر نموذج آخر عبر حزب العدالة والتنمية الذي وصل إلى رئاسة الحكومة، وهي تجربة حاولت التكيف مع الدولة الوطنية وقواعدها، و قبلت اللعبة السياسية ثم اكتشفت حدودها حين تغير المزاج الشعبي والمؤسساتي، فتراجعت في الانتخابات لكنها لم تختف اجتماعيا، لأن التنظيم الذي يعيش في المجتمع لا يسقط بسقوط حكومة.
وفي تركيا كانت التجربة أكثر تعقيدا، حزب خرج من مدرسة الإسلام السياسي لكنه أعاد تعريف نفسه داخل دولة قومية قوية، تحالف مع مؤسسات الدولة ثم أعاد تشكيلها، هنا نرى كيف يمكن للتنظيم أن يتحول دون أن يذوب، وأن يتبدل دون أن يفقد ذاكرته.
في النموذج التونسي حاولت حركة النهضة تقديم نموذج التكيف مع الدولة المدنية، فصل الدعوي عن السياسي، والقبول بالتعددية، لكنها وجدت نفسها أمام مجتمع متعب واقتصاد منهك ومؤسسات قلقة، فتراجعت سياسيا دون أن تختفي شبكتها الاجتماعية.
لكن المثال الأوضح لفكرة التغلغل الطويل ظهر في السودان، حين تحالف الإسلاميون مع الجيش في انقلاب 1989، وخلال ثلاثة عقود أعيد تشكيل الدولة عبر سياسة التمكين، زرع كوادر في الجيش والأمن والقضاء والاقتصاد، حتى صارت الشبكة جزءا من بنية الدولة نفسها، وحين سقط البشير لم يسقط النظام كاملا، بقيت الشبكات داخل المؤسسات، وهذا ما جعل الانتقال السياسي هشّا ومليئا بالصراعات داخل السلطة نفسها، لأن التنظيم الذي يدخل الدولة عبر التحالف لا يخرج منها بسهولة.
هذه التجربة تكشف منطق حصان طروادة، التنظيم لا يهاجم الدولة بانقلاب مباشر، بل يدخلها، يصبح جزءا من مؤسساتها، وعند اللحظة الحرجة لا يعود من الممكن فصله بسهولة، لأن الدولة نفسها تصبح مشتبكة معه، لتتشكل الفرصة الانقلابية!
مع نهاية الحرب الباردة دخل التنظيم مرحلة عالمية جديدة، الشتات الواسع بعد السجون والانقلابات أنتج شبكات تعليمية وخيرية وإعلامية في أوروبا وأميركا وآسيا، لم يعد هناك مركز واحد يحكم الجميع، بل عائلات تنظيمية متصلة تتفق في المرجعية وتختلف في التكتيك، في بلد هنالك حزب، وفي بلد آخر جمعية، وجماعة دعوية في مكان آخر، التنظيم تعلم كيف يعيش بلا مركز واضح لكنه لم يفقد ذاكرته، كان حصان طروادة ذاته بتصاميم "خشبية" متنوعة حسب الظرف والمكان والدولة.
في ربيع 2011 كان لحظة الذروة، حين وصل الإخوان إلى الحكم في مصر وتونس، لكن التجربة كشفت أزمة بنيوية، تنظيم يجيد المعارضة لكنه لا يجيد إدارة الدولة، ففي مصر سقط حكمهم سريعا، وفي تونس تراجعوا، وفي سوريا واليمن ذابت الحركات في الحروب، وظهر انقسام داخلي بين جيل يريد التكيف مع الدولة الوطنية وآخر يرى التنظيم فوق الدولة، وهذه الأزمة لا تزال مفتوحة، لكن الحصان الخشبي موجود داخل الأسوار.
في الوقت نفسه تطور بعد آخر لا يقل أهمية، التمويل والشبكات الاقتصادية والاجتماعية، مثل كل تيار عالمي احتاج الإخوان إلى موارد، وكانت تأتيهم بوفرة هائلة عبر تبرعات واستثمارات وشبكات خيرية، معظمها قانوني، لكنها تبقي فكرة التنظيم العالمي حية، لم يعودوا حزبا في بلد بل شبكة في مجتمعات، وهذه هي قوتهم الحقيقية.
لهذا فإن اختزال الإخوان في فكرة مؤامرة هي تصور يريح العقل لكنه لا يفسر الواقع، فالجماعة ليست كتلة واحدة، فيها إصلاحيون ومحافظون، فيها من يريد الدولة المدنية ومن يرفضها، لكنها احتفظت بميزة ثابتة وخطيرة وهي حشوة الحصان الخشبي الكامنة في أحشائه: التنظيم فوق الفرد، والشبكة فوق الدولة.
في الأردن نرى الدرس بوضوح، فالفراغ الإعلامي والسياسي عموما يملأه من ينظم نفسه، لا من يملك الحق فقط، والدولة حين تتأخر في بناء أحزاب مدنية حقيقية أو خطاب اجتماعي حديث، سيأتي من يملأ الفراغ، ليس لأنه أقوى فكريا بل لأنه أكثر انضباطا وتنظيما، وهذه قاعدة تتكرر في المغرب وتونس وتركيا ومصر والسودان.
الإخوان اليوم ليسوا في السلطة في كثير من الدول، لكنهم لم يغادروا المجتمع، تنظيم بلا مركز واضح لكنه حاضر في النقابات والجمعيات والتعليم والمنابر، يعرف كيف يتحرك داخل القانون حين يفيده وكيف ينسحب إلى الظل حين تضيق المساحة، قوة لا تعتمد على السلاح بل على الزمن، وعلى تراكم النفوذ البطيء.
الدول التي لا تبني أحزابا مدنية قوية ستجد نفسها أمام جماعات منظمة لا تهزمها في الانتخابات بل تستهلكها من الداخل عبر المجتمع قبل الدولة وعبر التنظيم قبل السياسة، وهنا لا يعود السؤال من يفوز في صندوق الاقتراع بل من يملك الشبكة التي تصنع المزاج العام جيلا بعد جيل.
في المحصلة، فإن المشكلة ليست في الإخوان وحدهم، بل في الفراغ الذي يسمح لأي تنظيم محكم أن يتحول إلى وطن بديل، الدولة التي لا تبني مجتمعها المدني ستجد أن خصمها لم يكن حزبا ينافسها في البرلمان، بل تنظيما ينافسها على المجتمع نفسه.
ما كان لطروادة أن تنتهي بهذا البؤس وتتلاشى لو أن عقلاؤهم انتبهوا إلى الحصان الخشبي وأحرقوه.
نقطة وأول السطر

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

