بسبب الإبادة... أجداد وجدات في غزة يعودون إلى أدوار الوالدين

بسبب الإبادة... أجداد وجدات في غزة يعودون إلى أدوار الوالدين

بسبب الإبادة... أجداد وجدات في غزة يعودون إلى أدوار الوالدين


17/02/2026

في غرفة ضيقة تتكدس فيها فرشات النوم وذكريات بيت لم يعد قائماً، تجلس ريهام مقداد (47 عاماً) تسرّح شعر حفيدتها الصغيرة على ضوء مصباح يعمل على بطارية شبه فارغة، فمنذ أشهر لم تعد ست الحبايب، كما كانت تلقب بين أحفادها، بل صارت أمهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إيقاظ للمدرسة المؤقتة في خيمة، وإعداد ما تيسر من طعام، ومواساة لقلوب صغيرة أنهكها الفقد.

في غزة، حيث تفتك الإبادة بالعائلات وتسقط أجيالاً دفعة واحدة، يعود أجداد وجدات إلى الصفوف الأمامية من الحياة الأسرية، لا كدعم احتياطي، بل كبديل كامل عن آباء وأمهات غيبتهم الحرب. 

وبحسب بيانات وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع فإنّ نحو 57 ألف طفل في غزة باتوا أيتاماً، وبسبب هذا الرحيل تحمل الأجداد عبء إعالتهم في ظروف صحية ومعيشية وإنسانية مأسوية.

وفي السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 شنت إسرائيل حرباً على غزة أسفرت عن مقتل أكثر من 71 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 171 ألفاً آخرين.

جيل يربّي جيلاً وسط الركام

تقول مقداد: "كنت أستعد لسنوات راحة بسيطة بعد عمر من التعب، أبنائي كبروا، وتزوجوا، وصار لكل واحد بيته، فجأة، خلال لحظات قصف، فقدت ابني وزوجته، وبقي ثلاثة أطفال ينظرون إليّ وكأنهم يسألون: ماذا الآن؟".

تسكت قليلاً لتمسح دمعة سريعة، وتتابع: "في اليوم التالي لم يكن عندي وقت للانهيار، كان عليّ أن أبحث عن حليب للصغير، وأن أهدئ الكبيرة التي كانت تصرخ كلما سمعت طائرة، صحوت فجأة لأجد نفسي أمّاً من جديد، لكن بقلب مثقوب." 

تعيش مقداد مع أحفادها الثلاثة في مركز إيواء بعد أن دمّر منزل العائلة، أكبرهم، ليان (11 عاماً)، صارت تساعد جدتها في ترتيب المكان والعناية بشقيقيها، وتقول الجدة: "أخاف عليها أن تكبر قبل أوانها، وأريدها طفلة، لكنّ الظروف لا ترحم." 

وتشرح مقداد: "تربية الأطفال اليوم أصعب بكثير ممّا كانت عليه قبل ثلاثين سنة، فهم يحملون صدمات لا أفهمها أحياناً، وحفيدي الصغير يتبول ليلاً من الخوف، ليان لا تنام إلا إذا أمسكت يدها، وأنا بالكاد أنام." 

بين الحنين والواجب

وعن التحديات المادية تقول: "ليس لدينا دخل ثابت، ونعتمد على مساعدات قد تأتي وقد لا تأتي، وأحياناً أقتسم رغيفاً واحداً بيننا، وأفكر دائماً كيف أؤمن لهم مستقبلاً وأنا لا أملك ثمن دواء ضغط الدم؟".

وحين تُسأل إن كانت تشعر بثقل المسؤولية، تجيب بحزم ممزوج بالحنين: "هؤلاء أمانة ابني في رقبتي، حين أنظر في وجوههم أرى ملامحه، هذا وحده يكفي لأستمر، صحيح أنني تعبت، وأنّ ظهري لم يعد كما كان، لكنّ قلبي يدفعني." 

وتحاول الجدة أن تبقي على بعض الطقوس القديمة لتمنح أحفادها شعوراً بالاستقرار، كل مساء أحكي لهم قصة، وأختار حكايات فيها أمل، وأريدهم أن يعرفوا أنّ الحياة ليست فقط طائرات وقصفاً".

وتضيف: "أحياناً يسألني الصغير: وين ماما؟ لا أعرف كيف أشرح الموت لطفل في الرابعة، فأقول له إنّ ماما في الجنة وتحبه، ثم أذهب بعيداً لأبكي وحدي." 

وتقول مقداد في ختام حديثها: "لم أختر أن أعود أمّاً في هذا العمر، لكننا في غزة لا نختار أقدارنا، نحن فقط نحاول أن نحمي ما تبقى من عائلاتنا، إذا انهرت أنا، فمن سيبقى لهم؟".

تفاصيل يوم مثقل بالخوف

في زاوية خيمة مهترئة على أطراف مخيم إيواء في حي الزيتون شرق مدينة غزة، تجلس المسنة صفية النجار (63 عاماً) تحيط بها أربعة وجوه صغيرة تناديها "تيتا" حيناً و"ماما" حيناً آخر، ولم تكن تتخيل، وهي التي أنهت قبل سنوات مهمتها الطويلة في تربية سبعة أبناء، أنّها ستبدأ من جديد، في عمر يفترض أن يكون للراحة، رحلة أمومة ثانية، لكن هذه المرة على وقع الفقد والركام.

تقول النجار: "في ليلة واحدة تغير كل شيء، القصف كان قريباً جداً، وابني وزوجته استشهدا تحت أنقاض البيت، وبقي الأطفال وحدهم يصرخون، وعندما أخرجناهم، كانوا يرتجفون، ومن تلك اللحظة، عرفت أنّ حياتي لن تعود كما كانت." 

وتسرد تفاصيل الأيام الأولى بعد الفاجعة: "لم يكن عندي وقت للحزن، الأطفال كانوا بحاجة إلى من يحتضنهم، يحمّمهم، ويبدل لهم ملابسهم، ويطمئنهم، وحفيدتي الكبرى، عمرها 12 سنة، كانت تحاول أن تبدو قوية، لكنّها في الليل كانت تختبئ في حضني وتبكي بصمت." 

وتتوقف النجار قليلاً، ثم تضيف: "صرنا عائلة بلا جيل وسط، نحن الكبار والصغار فقط، الآباء والأمهات غابوا، وكأنّ عمود البيت انكسر فجأة." 

وتصف كيف تغيرت علاقتها بأحفادها: "قبل استشهاد والديهم كنت أزورهم يوم الجمعة، أُحضر لهم الحلوى وأدللهم، اليوم أنا من يوقظهم، أبحث عن ماء لأغسل وجوههم، وأقف ساعات في طابور الخبز، فالفرق كبير بين أن تكون جدة مدللة، وأن تكون أمّاً مسؤولة عن كل تفصيل." 

تبدأ النجار يومها قبل شروق الشمس، وتقول: "أستيقظ على أيّ صوت، وأخاف أن يكون قصفاً جديداً، وأتحسس الأطفال حولي، أعدّهم واحداً واحداً، هذا صار أول طقس في يومي التأكد أنّهم ما زالوا أحياء، بعدها تبدأ رحلة البحث عن احتياجاتهم الأساسية." 

وتوضح: "أحياناً أمشي مسافة طويلة لأجد قليلاً من الطعام، فالصغير عندي يعاني من حساسية في الصدر، ويحتاج إلى دواء وبخاخ، لكنّ الدواء غير متوفر، وأشعر بالعجز حين أراه يختنق وأنا لا أملك إلا الدعاء." 

أنا أحزن مرتين

وعن التعليم تقول: "قبل الحرب كانوا متفوقين، اليوم لا مدرسة حقيقية، فقط مبادرات بسيطة في الخيام، وأحاول أن أدرّسهم ما أتذكره، وأكتب لهم على أوراق قديمة، وأقول لهم العلم هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن يقصفه." 

وتقول بصوت متماسك: "أنا أحزن مرتين، أحزن على ابنتي، وأحزن لأنّ أولادها حرموا منها، وحين يمرض أحدهم أتذكر كيف كانت أمهم تسهر عليهم، وأشعر أنني مهما فعلت فلن أكون مثلها." 

وتشرح كيف تحاول تعويض الفراغ العاطفي: "أحضنهم كثيراً، وأكرر لهم أنّ أمهم كانت تحبهم جداً، وأحكي لهم قصصاً عنها، عن طفولتها، عن ضحكتها، ولا أريد أن تتحول إلى صورة بعيدة في ذاكرتهم." 

لكنّ التحدي الأكبر، بحسب النجار، هو التعامل مع الصدمات النفسية؛ "حفيدتي الصغيرة تصرخ كلما سمعت صوتاً مرتفعاً، وحفيدي الأكبر أصبح صامتاً جداً، لا يتكلم إلا قليلاً، وأخاف أن يكبر الألم معهم، ونحن جيل تربى على الصبر، لكنّهم جيل يرى الموت أمام عينيه." 

وتتابع: "لم أتخيل أنني سأعود لأتابع واجبات مدرسية وأقلق على مراهقة في هذا العمر، لكنني أتعلم كيف أكون قريبة منهم، وكيف أستمع لهم، وأريدهم أن يشعروا بالأمان، حتى لو كان العالم حولهم ينهار." 

في ختام الحديث تجلس النجار صامتة للحظة، ثم تقول: "كلنا تعبنا، لكننا نعيش لنحفظ ما تبقى من عائلاتنا، هؤلاء الأطفال هم امتدادنا وامتداد من رحلوا، وحين أراهم يضحكون للحظة، أشعر أنّ ابني ما زال حيّاً بينهم."     

صدمة مُركّبة

يقول استشاري الطب النفسي بمستشفى النصر للأمراض العقلية في غزة الدكتور رياض القرعان: إنّ "الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما في سياق عنيف ومفاجئ لا يمرون بحزن طبيعي فقط، بل بصدمة نفسية مُركّبة، فنلاحظ أعراضاً مثل الكوابيس المتكررة، والتبول اللّاإرادي، ونوبات الهلع، والصمت المفرط، أو على العكس سلوكاً عدوانيّاً حادّاً، وبعض الأطفال يعيشون في حالة تأهب دائم، وكأنّ الخطر سيقع في أيّ لحظة." 

ويضيف القرعان: "الفقد في ظروف الحرب يختلف جذريّاً عن الفقد الطبيعي، فالطفل لا يخسر والديه فقط، بل يخسر شعوره الأساسي بالأمان، وحين يكون الموت مصحوباً بصوت انفجار أو مشهد دمار، فإنّ الذاكرة ترتبط بالخوف، وهذا يعقد عملية الحداد." 

ويوضح: "ما يعيشه أطفال غزة يمكن وصفه بالصدمة المُركّبة، فهم لا يتعرضون لحدث واحد ثم يبدأ التعافي، بل يعيشون سلسلة متواصلة من الصدمات، قصف، نزوح، فقدان، حرمان، فالدماغ في هذه الحالة يبقى في وضعية النجاة بدل النمو الطبيعي، وهو ما يؤثر على التركيز، والتعلم، وتنظيم المشاعر." 

ويتابع: "بعض الأطفال يبدون كأنّهم أقوى من أعمارهم، لكنّ هذا النضج المبكر غالباً ما يكون آلية دفاع، وفي الداخل هم ما زالوا أطفالاً يحتاجون إلى احتواء مستمر." 

صدمة مضاعفة

ويؤكد القرعان أنّ "وجود الجد أو الجدة قد يشكل عامل حماية مهم جداً، فالطفل يحتاج إلى وجه مألوف وصوت دافئ يمنحه شعوراً بالاستمرارية، فالعلاقة العاطفية السابقة بين الجد والحفيد تساعد في تخفيف أثر الفقد. ولكن في المقابل، الأجداد أنفسهم يعيشون صدمة مضاعفة، فهم فقدوا أبناءهم، وفي الوقت نفسه يتحملون مسؤولية تربية أحفاد مفجوعين، وهذا الضغط قد يؤدي إلى إنهاك نفسي وجسدي، خاصة مع وجود أمراض مزمنة ونقص في الموارد." 

ويوضح: "نلاحظ لدى بعض الأجداد أعراض اكتئاب حاد، والشعور بالذنب لأنّهم بقوا على قيد الحياة، ونلاحظ قلقاً مفرطاً بشأن المستقبل، وإذا لم يحصلوا على دعم نفسي، فإنّ قدرتهم على احتواء الأطفال قد تتراجع، ليس بسبب تقصير منهم، بل بسبب استنزافهم العاطفي." 

ويؤكّد: "من المهم ألّا نطلب من الطفل أن يكون قوياً طوال الوقت، والسماح له بالبكاء، وبالسؤال، وحتى بالغضب، لأنّه جزء من التعافي." 

ويختتم حديثه قائلاً: "إذا لم يحصل هؤلاء الأطفال على دعم نفسي كافٍ، فقد نرى آثاراً طويلة الأمد مثل اضطرابات القلق المزمنة، والاكتئاب، والصعوبات في بناء العلاقات، أو مشاكل تعليمية، لكن في المقابل إذا توفر الاحتواء والدعم، فالمرونة النفسية لدى الأطفال قد تكون مدهشة." 

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية