قراءة نقدية في مفردة الحنين

قراءة نقدية في مفردة الحنين

قراءة نقدية في مفردة الحنين


26/01/2026

ترجمة: عبود الجابري

يَثور الحنينُ دائِماً في النفوس، فالرومانسيون يَتوقون إلى الماضي بحماس، والفيكتوريّون أيضاً يَجِدونَ ملاذَهُم فيه تلقائياً، وحتّى الفَنّانونَ والنُقّادُ الحداثيَّون، أولئكَ الذينَ يَبنون عالمَ التَّجديدِ والإبداعِ، لا يَسلمونَ مِنْ أَسْرِ الحَنينِ إلى ما مَضى.    

هُوَ حَنينٌ إلى تَقاليدَ أصيلةٍ ومواهِبَ فرديَّةٍ فريدةٍ، إلى علاقاتٍ اجتماعيَّةٍ وهياكِلَ معماريَّةٍ بسيطةٍ تَستعيدُ روحَ عهدِ الإقطاعِ،  ولكنْ بِرَغبَةٍ في إقطاعٍ خالٍ من الطاعون، وكانَ هذا الشوقُ يمتدُّ إلى زمَنٍ لم تَعبثْ فيهِ السُّلطةُ بالفنِّ، نَحوَ عالَمٍ مِثاليٍّ لم يعد موجوداً في الواقع.   

كانوا يَحلمونَ بِتَصاميمَ نَقيَّةٍ وصورٍ صادقةٍ تَتفادى استنساخَ الماضي القريبِ، لكنَّها في الوقتِ ذاتِهِ تَستلهِمُ التراثَ الإغريقيِّ، وكانوا يَتمنَّونَ أثينا جديدةً ولكنْ بِلا عبوديَّةٍ. لِنَعُدْ إلى ماضينا القريبِ، حَيثُ تَناولَ النقّادُ الثَّقافيّونَ بالنقاشِ ما رأوهُ نَزْعَةً مُحافِظةً تُعمِّقُها مَشاعِرُ الحَنينِ في حِقبَةٍ ما بَعدَ الحَداثَةِ، وابتعادُها عَن التاريخِ الفعليِّ متمثلاً بالتراث وتفاصيله.

 وَقد جَرى تَحليلُ مَظاهِرِ الحَنيِن وانتِقادُها منْ خِلالِ مَسارَيْنِ، كِلاهُما مُتقاطِعٌ مع الآخرِ إلى حدٍّ ما: الأوَّلُ يَتَّصِلُ بالحَنينِ الذي يُشَوِّهُ الأسُسَ الفردِيَّةَ والجَماعيَّةَ للذاكرةِ، والثاني يَتَعلَّقُ بإشكاليَّةِ العلاقةِ بينَ المُنتِجين والمُستَهلِكين، وفي كِلتا الحالتَيْن، صُوِّرَ الحَنينُ على أنَّهُ عَيْبٌ كَبيرٌ.

لكنَّ الواقعَ أكثَرُ تَعقيداً؛ فالحنينُ لم يَكُنْ أبداً، وما يزالُ، بِهذهِ البساطةِ؛ فَهوَ شُعورٌ يَمُرُّ عَبرَ أبعادٍ مُتَعدِّدةٍ، يُمكِنُ أن يُختَبَرَ ثقافيّاً أو بِشَخصيَّةٍ فرديَّةٍ، بِشكلٍ مُباشرٍ أو غَيْرِ مُباشِرٍ.

وقد أدركَ النُقّادُ الثقافيَّون بِمُرورِ الوقتِ أنَّ الحَنينَ يتميَّزُ بطبيعتِهِ المُعقَّدةِ: في بُنيَتِهِ، وَفي آليّاتِ عَمَلِهِ، وَعَلى مَنْ يُؤَثّرُ، وَمنْ يُؤَثِّرُ فيهِ. الدراساتُ والنَّظريَّاتُ الغَنيَّةُ التي ظَهرَتْ خِلالَ العقودِ الثلاثةِ الماضيةِ تُقَدِّمُ رؤىً عميقةً حولَ تَأثيرِ الحَنينِ المُمتَدِّ، غيرَ أنَّ النَقدَ السلبيَّ منْ زاوية ما بعدَ الحداثةِ يَظَلُّ قاصِراً عن الإِحاطَةِ الكامِلةِ بروابطِ الحَنينِ المُختلفَةِ بالذاكرةِ والتاريخِ والَمشاعِرِ والإعلامِ والسُّوقِ. كما أنَّ هذا النَّقدَ لا يُفَسِّرُ بِشكلٍ كاملٍ القُوَّةَ المُتَجدِّدةَ التي يَتَمتَّعُ بِها الحَنين. 

فلمْ يَعُدْ مفهومُ الحَنينِ قابِعاً ضمنَ التَّصنيفاتِ التقليديَّةِ كَمُرادِفٍ لِذِكرى سيِّئَةٍ أو عائِقٍ مَعرِفيٍّ، بَلْ يُعادُ حالياً التَّفكيرُ بِحُدودِهِ ووظائِفهِ منْ مَنظورٍ معاصرٍ أكثرَ عُمقاً. لَطالَما ارتبَطَ الحَنينُ بمفاهيمِ الانقِسامِ بينَ الدلالاتِ التاريخيَّةِ ومدلولاتِها، وحُمِّلَ أحياناً دورَ "المَرَضِ الاجتِماعيِّ" أو التخلّي عن الذاكرةِ.، لكن، تُرى هلْ حانَ الوقتُ لِلتَخلّي عنْ هذهِ الأُطُرِ القديمةِ والبحثِ عن تعريفٍ جديدٍ يَستوعِبُ التَّحوُّلاتِ الجاريَةِ؟ 

بعضُ المقالاتِ الحديثةِ تُشيرُ إلى أنَّ الحَنينَ يَحمِلُ مَزيَّةً خارِقةً تَتجاوَزُ أيَّ محاولاتٍ لِتقييدِ تَعريفِهِ ضِمْنَ أُطُرٍ ثابِتةٍ، فالحنينُ، وفقاً لمَفهومِ "دريدا"، يُشكِّلُ مُصطَلحاً مكمِّلاً مُفعَماً بالدلالاتِ، ومعَ ذلكَ، تُثارُ التساؤلاتُ: هلْ يُمكنُ اعتبارُهُ بديلاً أو مُستَبدِلاً لمفاهيمَ مِحوَريَّةٍ مثلَ الذاكرةِ أو التاريخِ أو حتّى النسيان؟

يرى "بول ريكور" أنَّ النسيانَ يشكِّلُ ذلكَ التهديدَ الخَفِيَّ الذي يُلاحِقُ ظواهرَ الذاكرةِ والمَعرِفةِ التاريخيَّةِ، وأسوةً بالنسيانِ، يَتمتَّعُ الحنينُ بِقُدرةٍ مُماثِلةٍ على مراوغةِ الصدقِ والكَشف ِعن فَجواتٍ في السردِ التاريخيِّ والدقَّةِ، وهو ما جعلَ بعضَ النقّاد، في أواخرِ القرنِ العشرينِ، يعتبرونَهُ مصدرَ شُكوكٍ وإشارةَ تَهرُّبٍ. 

أمّا اليوم، فقدْ شَهِدَ النقدُ المُعاصِرُ تحَوُّلاً في فَهمِ الحَنينِ؛ فَلمْ يَعُدْ يُستخدَم كرمزٍ سلبيٍّ لتَحوُّلاتٍ تاريخيَّةٍ معيَّنةٍ فحسبْ، بلْ باتَ يُمثِّلُ إطاراً نقديّاً أكثرَ تعقيداً وتَفاعُلاً، حيث يمكن للحَنينِ في هذهِ الأيام أن يظهرَ كتَصميمٍ فَنّيٍّ، أسلوبٍ بَصَريٍّ، أوْ حَتّى سردٍ قَصصيٍّ يُرادُ بِهِ استِعراضُ آليَّةِ عملِ الذاكرةِ في حياتِنا، حيثُ بدأتِ الثقافاتُ النظرَ إليهِ كتقنيةٍ إبداعيَّةٍ قادرةٍ على استدعاءِ ردودِ فعلٍ ثانويَّةٍ أو خلقِ تفاعُلٍ أعمقَ مع الموروثِ، بدلاً من اعتباره  نهايةَ المطافِ لِشعورِ الشوقِ أو الحنينِ للماضي، ولعلَّ ما يعيدُ تَعريفَ الحنينِ الآنَ هو قدرتُهُ الديناميكيَّةُ على تجاوزِ كونِهِ مُجرَّدَ انعكاسٍ لِلماضي، لِيُصبَحَ أداةً للتأمُّلِ في العلاقةِ بينَ الحاضرِ والماضي في تكوينِ هويَّتِنا وقَصصِنا المُشتركةِ.

 لِماذا يَجِدُ النُقادُ أنفُسَهُمْ أسرى تأثير الحَنين؟

 قَد تَكمُنُ إحدى الإجاباتِ في أنَّنا كَبَشرٍ لا نفلِتِ من قَبضَةِ الشوقِ العَميقِ لِطرائِقِ التفكيرِ السابقةِ والذكرياتِ التي تصاحبُها، ويضافُ إلى ذلك منظورٌ مثيرٌ، مستعيراً مُصطلَحَ "عبرَ الإيديولوجيا" الذي صاغَهُ "هايدِن وايت"، ليؤكِّدَ أنَّ الحَنينَ ليس مُقيَّداً بِخَلفِيَّةٍ سياسيَّةٍ مُحدَّدَةٍ؛ بلْ يُمكِنُ أنْ يَمَسَّ أيَّ شخصٍ بِغَضِّ النَظَرِ عنْ توجُّهاتِهِ أو آرائِه.

لكنَّ هذا ليسَ كُلّ شيءٍ، فهناكَ بُعْدٌ آخر يَبرزُ عِندَما نَنظُرُ إلى الحنينِ من زاويةٍ نَقديَّةٍ، "أندرياس هويسن" يُشيرُ إلى نُقطةٍ تَستحِقُّ التوقُّفَ عندَها، إذ يَقولُ إنَّ التاريخَ، رغمَ ما فقَدَهُ مِنْ شرعيَّتِهِ كأداةٍ للتنويرِ والتفكيرِ الفَلسفيِّ، ما يزالُ قادِراً على جَذبِنا من خلال ما يَحويهِ أرشيفُهُ الغَنيُّ بسِجِلّاتٍ مليئةٍ بِحكاياتِ الإنجازاتِ والعذاباتِ البشريَّةِ، وما نلاحِظُهُ اليومَ أنَّ هذا الإغراءَ لم يكنْ أكثَرَ قوَّةً مِمّا هوَ عليهِ الآن.

ربَّما يَجدُرُ بِنا أنْ نتساءَلَ: هل الحَنينُ مُجَرَّدُ استِسلامٍ لِعاطِفةِ الماضي أمْ أنَّه مُحاوَلة لاستِعادةِ شيءٍ افتقدناهُ في حاضِرِنا؟ تَستوقِفُنا عبارةُ "إغواءُ الأرشيفِ" للتَعَمُّقِ في مَعناها، هل يمكن لِما تَصنَعُهُ الذاكِرةُ أن يُغوينا؟ الإجابةُ تَبدو نَعَم، وإلّا كَيفَ يُمكنُ لِشيءٍ ما أنْ يُصبِحَ أهلاً للأرشَفةِ؟ وهُنا تَبرزُ تَساؤلاتٌ حولَ آلِيّات عَمَلِ الذاكرة نَفسِها؛ هل الحنينُ إلى الماضي يُشكِّلُ جزءاً من إغراء السِّحرِ المُرتبطِ بتفاصيلِ الماضي؟ إذْ يَمضي ضِمنَ منطقةٍ فاصِلةٍ بينَ التاريخِ كوقائِعَ وبينَ الديناميكيّاتِ التي تُفعِّلُها الذاكِرةُ،  ورُبَّما عَلينا أن نتساءَلَ: هل يُعتبرُ البَحثُ في الأرشيفِ نوعاً منَ الاستجابَةِ لِحَنينٍ دَفينٍ؟ وعِندَها، كيفَ يُمكِنُ للنُقّادِ فَهْمُ الثقافةِ عبرَ العَدسَةِ المُعَقَّدةِ لِعلاقتيْنِ غيرِ متكافِئتينِ؛ هما العلاقَةُ بينَ التاريخِ والذاكرةِ، والعلاقةُ بينَ التحليلِ والانفعالاتِ مثلَ الحَنينِ؟

مِن المَعروفِ أنَّ النَظَريّاتِ التي تُعنى بالحَنينِ تُشيرُ في الغالِبِ إلى أنَّ هناكَ فَصلاً فكرِيّاً ما بينَ الذاكرةِ والتاريخِ، حَيثُ تُمثِّلُ الذاكرةُ آليَّةً استرجاعيَّةً، بينَما يشكِّلُ التاريخُ إطاراً تقريريّاً لذلك الاسترجاع، وفي هذا السياق، يُمكنُ النَظَرُ إلى الحَنينِ كأنَّهُ النسخةُ المُتَعثِّرةُ أو العاطفيَّةُ لِتلكَ الطرقِ المُتعدِّدةِ التي تُعيدُ تشكيلَ علاقَتِنا بالماضي بِمختَلَفِ أبعادِه.

الحنينُ إلى الماضي يَحمِلُ أهمِيَّةً لا تَقِلُّ عن قيمةِ النَّقدِ، خاصَّةً في السياقاتِ الاجتماعيَّةِ، ويمكِنُ لهذا الشّعورِ أنْ يَتَعلَّقَ بأشياءَ مُتَعدِّدةٍ، كَفترَةٍ مُعَيَّنةٍ من الحياةِ، أو مكانٍ طبيعيٍّ، أو حتّى صوتٍ أو قِصَّة، وقَدْ تَتنوَّعُ أشكالُ الحَنينِ من الحَنينِ للوطنِ في ملحَمةِ الأوديسة، إلى الأطروحةِ الطبِّيةِ ليوهانس هوفر حول الحَنين عام 1688، وصولاً إلى يومنا هذا، حيثُ يواصِلُ الحَنينُ ارتباطَهُ بفِكرَتَيِ الخسارةِ والشفاءِ، لكنْ في الزمنِ الحديثِ لم يَعُد الحنينُ يَتطلَّبُ بالضرورةِ فقدانَ شيءٍ مَلموسٍ؛ فقد يثيرهُ بِبَساطةٍ أسلوبُ حياةٍ غابرٍ أو أغنيةٌ قَديمةٌ.

ورأى "كانطْ" أنَّ البشريَّةَ تَمضي حتماً نحوَ التقدُّمِ، بينَما صاغَ "هيجل" مفهومَ "دافع الكمال" الإنسانيِّ، وهيَ أفكارٌ رُبَّما لم تَكُنْ مُحبَّذةً لدى أصحابِ السلطَةِ الساعين لِتثبيتِ علاقاتِ القوَّةِ القائمةِ، وفي المقابلِ، اعتقدَ "ماركس" أنَّ التطلُّعَ إلى مُجتَمعٍ أكثرَ عَدْلاً يَتطَلَّبُ تَجاوُزَ الماضي بالكامِلِ مُستَشهِداً بِمقولَتِهِ "دعِ الموتى يَدفنونَ الموتى"؛ وكان "ماركس" يُعارِضُ فكرتَيْنِ أساسيَّتيْنِ: الأولى تَتعلَّقُ بِفشَلِ ثورةِ 1848، الذي أكَّدَ استِحالَةَ استنساخِ الماضي، والثانيةُ تَعزو مُشكِلاتِ الحاضِر إلى هَيمنَةِ الأفكارِ القَديمةِ التي تُعيقُ تَحقيقِ العدالةِ الاجتماعيَّةِ، بينما  يستنتج آخرون أنَّ لومَ الحنينِ على عدَمِ دِقَّتِهِ أصبحَ مُمكِناً فقط بَعدَ أنْ تَحوَّلَ التأريخُ إلى وسيلةٍ أساسيَّةٍ لِفهمِ الماضي. ضمن هذا السياقِ التاريخي يستعرضُ النقادُ أعمالَ "فرويد" التي تتناولُ الحَنينَ إلى الماضي، والاكتئابَ، والنسيانَ، حيث يرونَ أنَّ الاكتئابَ (والحنينَ إلى الماضي) ينبعانِ من فَجوةٍ لا يُمكنُ طَمرُها بينَ الماضي والحاضر، بوجودِ مساحةٍ مفاهيميَّةٍ جديدةٍ تَرفُضُ اختزالَ دراسةِ الماضي، سواءٌ في ولاء مطلق أم في تجاهُلٍ حاسِمٍ.

المصدر: مجلة الدراسات الثقافية/ جامعة أيوا - شون سكانلان Sean Scanlan : باحث وأستاذ في جامعة أيوا




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية