
ترجمة عبود الجابري
"الطغاة عظماء، فقط لأننا راكعون."
ينسب هذا القول المتعلق بالاستعباد الفردي والجماعي الطوعي إلى "إتيان دي لابويسيه*"، صاحب مقال "خطاب في العبودية الطوعية"، وقد نُشرَ هذا النصُّ عام 1576، ليقدّم رؤى حداثية ومتميزة حول جذور الاستبداد وأسباب خضوع الشعوب، وهي رؤى ما زالت تثير النقاش حتى يومنا هذا، في ضوء التحديات السياسية والاجتماعية المعاصرة.
يعالج "لابويسيه" مسألة جوهرية تتمثل في التساؤل عن الكيفية التي يمكن من خلالها لرجل واحد أن يُخضع ملايين البشر الذين يملكون القدرة على الإطاحة به بسهولة، ويجيب عن هذا التساؤل موضحاً أنّ العبودية ليست مفروضة بالقوة فقط، بل إنّها تصبح منسجمة مع رغبات الأفراد ذاتهم ومثيرةً لقبولهم، فالشعوب، بحسب رؤيته، لا تُسلب حريتها قسراً وحسب، بل تختارها طوعاً، ومن هنا ليس الطاغية وحده المسؤول عن الاستيلاء على الحريات، بل يُلام أيضاً المجتمع الذي يقدّمها.
ويتناول "لابويسيه" ببراعة نفسية مميزة الأساليب التي يُرسي بها الديكتاتور سلطته ويحافظ على هيمنته، ويُظهر كيف يتحوّل جزء من الشعب إلى أداة لاستعباد نفسه من خلال سعيه لكسب تواطؤ الطاغية ورضاه، ويوضح كيف يتم تطبيع الخضوع إلى درجة تضيع معها رغبة الحرّية ويصبح القيد أمراً مألوفاً.
ويشير "لابويسيه"، في صميم تحليله، إلى وهم أساسي يجعل الاستبداد ممكناً، يتضمَّنُ فكرة أنّ السلطة المطلقة لا تهتز، بينما هي في الواقع قائمة كليّاً على الخضوع الطوعي لمن هم تحتها. ويشير إلى الموضوع بوضوح في أحد نصوص الكتاب، ليعكس دهشته واستياءه من هذا الواقع البشري المؤسف:
"يثير هذا المشهد حالة من الدهشة والحزن في آنٍ واحدٍ، حيث يكون ملايين البشر على استعداد لتقبّل حياة الخضوع والانقياد لا نتيجة خوفهم من قوة طاغية لا يمكن مقاومتها، بل بسبب افتتانهم بشخص واحد فقط. ذلك الشخص الفردي، الذي لا يمتلك سلطة حقيقية تستوجب الطاعة، ولا يتمتع بخصائص أو صفات كفيلة بجعلهم يُقبلون عليه بإرادتهم. بل على العكس، يتسم بالقسوة والافتقار إلى الإنسانية في تعامله مع أولئك الذين يرضون بالخضوع له. هذه الظاهرة تعكس جانباً مأساويّاً من هشاشة الطبيعة البشرية."
ويجسّد المثال الاستعاري الذي يُقدّمه هذا السياق وضوحاً عميقاً للفكرة المطروحة: فالطغاة يشبهون الأشجار التي تعتمد في بقائها على تغذية مستمرة من النسغ، الذي بدونه تفقد حياتها وقوتها. وعندما يتوقف تدفق النسغ، تنهار هذه الأشجار بشكل كامل، فتُصبح عارية ومهمّشة بلا حول ولا قوة. أمّا الحل، فيكمن في البساطة والوضوح: لا تكن كالنسغ الذي يُغذّي الطغيان! بمجرد اتخاذ قرار بعدم الخضوع، تتحقق الحرّية.
في السياق النفسي، يظهر أنّ النفس البشرية تُعتبر ساحة صراع مستمر بين ثلاث قوى أساسية: الهُوَ، الذي يمثل مستودع الرغبات والدوافع الأوّلية؛ والأنا العليا، التي تحتوي على القواعد والمحظورات التي تفرضها الثقافة؛ والأنا، التي تعمل على تحقيق التوازن بين المطالب المتعارضة لهذه القوى. هذا الصراع الديناميكي يُشكّل جوهر العمليات النفسية، وقد يتحول في بعض الحالات إلى نزعة نحو الاستبداد الذاتي، خاصة حينما تصبح الأنا العليا متطرفة في صرامتها وقمعها.
يتجلى هذا الجانب الجماعي للأنا العليا كنسق داخلي استبدادي تتفاعل معه النفس البشرية لتفرض على نفسها الامتثال لسلطة خارجية مُهيمنة. ويتم تعزيز هذه الحالة من الخضوع عبر آليات دفاعية نفسية مثل الكبت، حيث يتم إبعاد الرغبات والأفكار المهددة خارج نطاق الوعي. تُنتج هذه الرقابة الذاتية حالة عقلية أشبه بالسجن الداخلي، تبقي الأفراد محاصرين ضمن دائرة من التبعية للقوى القمعية التي تم دمجها داخليّاً في بنيتهم النفسية.
يلعب البُعد النرجسي دوراً بارزاً في تشكيل السلوك الفردي، حيث يتحول عدوان الشخص إلى الداخل في حركة مازوخية تدفعه نحو قبول السيطرة بل حتى السعي إليها. على المستوى الفردي، حيث يمكن أن يتمثل الطاغية في إطار كل عائلة، فإنّ تحرير الذات من العبودية الداخلية يستوجب عملية تحليلية تهدف إلى تحويل اللّاوعي إلى وعي، مع تسليط الضوء على الصراعات النفسية وحلّها، ممّا يفسح المجال أمام الفرد ليعيش حالة من التحرر. وتُسهم هذه العملية في تفكيك قيود الخضوع التي تُغيّب الفرد عن ذاته، وتتيح له الوصول إلى وضع أكثر حرية وثقة بالنفس في التعبير عن رغباته.
وقد وسّعَ "جاك لاكان" هذه الفكرة من خلال تركيزه على العلاقة بين الذات والآخر، ودراسة النظام الرمزي المتمثل في اللغة وما ينبثق عنه من دلالات، وبيّن كيف تكون الذات دائماً عالقةً في إطار من التبعية والخضوع لرغبة الآخر. ويُمكن اعتبار هذا الخضوع الهيكلي نموذجاً مصغّراً لخنوع أشمل أمام السلطة الاستبدادية.
عندما يجد الأفراد نوعاً من الرضا في وضعهم الخانِع، فإنّهم يميلون إلى الامتثال لرغبات الطرف الآخر بحثًا عن العزاء والمعنى لوجودهم، حتى وإن كان ذلك على حساب حريتهم، وهذه النزعة النفسية تُستَغَلُّ بشكل كبير من قبل السلطة الاستبدادية، التي تقدّم نفسها بهيمنة مطلقة قادرة على سدّ النقص الذاتي للأفراد.
لكنّ ادعاء الهيمنة المطلقة ليس إلا خدعة في جوهره، فالسلطة الاستبدادية تعتمد اعتماداً كاملاً على إيمان ودعم من يعترفون بها بهذه الصفة، حيث تستند قوة الطاغية إلى وهم القدرة المطلقة الذي يبدو عليه، بينما يخفي ذلك الوهم هشاشة موقعه الحقيقي.
يبدأ التحرر من هذه العبودية الطوعية عندما يدرك الأفراد أهمية تحرير أنفسهم من التبعية لرغبات الآخرين، والعمل على التعرف إلى رغباتهم الحقيقية وتحمّل مسؤوليتها كاملة، وهذا التحرر هو نتاج عملية عميقة من التأمل الذاتي، تخطو بالفرد من مرحلة الخضوع إلى القدرة على تأكيد الذات ورغباتها بوضوح. ولتحقيق ذلك يتطلب الأمر تجاوز الحواجز المتمثلة بالخوف، والرغبة في الانسجام مع المجتمع، والمعايير المفروضة، مع التخلي عن أوهام الراحة التي تنتج عن الخضوع، إنّها دعوة للتحلي بالشجاعة اللازمة ليصبح الإنسان سيد قراره وصانع مستقبله.
ويُعدُّ تحرُّرُ الشعوب من قيود الاستبداد رحلة معقدة ذات أبعاد نفسية وسياسية، فالسلطة غالباً ما تعتمد على تغذية الخوف والحفاظ عليه كأداة لإخماد المقاومة، وهو ما يجعل الامتثال يبدو أكثر طمأنينةً مقارنةً بالحرّية التي يكتنفها الغموض.
علاوةً على ذلك، هناك ارتباط متناقض بشخصية المستبد، ذلك النموذج الفردي المطلق الذي تتغذى صورته على مشاعر التماهي والإسقاط الجماعي، لدرجة أنّ سقوطه أحياناً يبدو في نظر البعض كأنّه فقدان شخصي، بينما يبدأ مسار التحرر بإدراك جوهري مفاده أنَّ سلطة الطاغية ليست سوى وهم يرتكز على تعاوننا الضمني لدعم مشروعه التدميري.
مع ذلك، لا يمكن اختزال الحل في مجرد تمرّد عرضي أو قرار إرادي بسيط، فالأمر يتطلب معالجة عميقة للتخلص من الخوف من الحرّية، ذلك الشعور الذي يواجهه السجين عند اقتراب موعد الحرّية، وقبول مسؤولية الوجود المستقل والسيادي، وهذه العملية تستوجب توازناً بين الجهد الفردي والجماعي ويمكن تحقيقها من خلال تعزيز الوعي المستمر.
دعوة "لابويسيه" لمقاومة الطغيان تتردد أصداؤها كصيحة تطالب بالوضوح والشجاعة، وتظلّ ذات مغزى كبير، وخصوصاً في مجتمعاتنا، فهيَ تذكير بألّا نتخلى عن شغفنا بالحرّية، وألّا نستسلم لإغراءات الاستبداد، سواء أتى من الداخل أو الخارج.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار المواجهة المباشرة دائماً على أنّها الاستراتيجية الأكثر فعالية، وإنّما تكون البداية من خلال تعزيز الرفض الداخلي، والامتناع عن الدعم وإزالة الشرعية عن السلطة الاستبدادية، وهو ما يُضعفها تدريجيّاً ويُمهّد الطريق لانهيارها، وهذا النمط من المقاومة التخريبية، وعلى الرغم من تناقضه الظاهري، يُمهّد لتحوّل جذري في موازين القوة، فهو مسار ضروري يجمع بين الإصرار على تنمية الأمل في التحرر، حيث يتناغم تأكيد السيادة الشخصية، مع السعي نحو مجتمع أكثر حرّية وعدالة.
ويبقى مصير الحرّية على شفا مرحلة حساسة وحاسمة، تكمنُ في قدرتنا على رفض الخضوع لأيّ شكل من أشكال القمع، سواء كان موجَّهاً للأفراد أو للجماعات، وهنا تتجلى أهمية رسالة "إتيان دي لابويسيه" التي ما تزال تحتفظ بعمقها وراهنيتها، في الحثِّ على تحمّل مسؤوليتنا الأخلاقية والسياسية، بينما يواصل صوته المميز مخاطبتنا عبر العصور، محفزاً فينا روح الإبداع والتمرّد على القيود.
- *إتيان دي لابويسيه: Étienne de La Boétie (نوفمبر 1530 - 18 أغسطس 1563) كاتب وقاضٍ فرنسي، وموجد النظرية الفوضوية، ومؤسس الفلسفة السياسية الحديثة في فرنسا.
- دافيد صهيون: أستاذ جامعي، ومحلل نفسي لبناني.
- المصدر: مجلة هنا بيروت الإلكترونية (thisisbeirut.com)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)