الصلوات في ميزوبوتاميا

الصلوات في ميزوبوتاميا

الصلوات في ميزوبوتاميا


25/12/2025

ترجمة: عبّود الجابري

تمَّ العثور على نُسَخ من الصّلوات والتعاويذ الأَكَّاديَّة المكتوبة باللغة البابليّة القياسيّة، والتي يعود تاريخها إلى ما بعد حقبة الدولة البابليّة القديمة في الألفيّة الأولى قبل الميلاد، في مكتبات ومجموعات نصوص ضمن مُدُن آشوريّة وبابليّة مثل نينوى، آشور، نمرود، سلطان تيبه، سيبار، بابل، أور وأوروك.

وقد تنوّعت النصوص الدينيّة بشكل ملحوظ في منطقة بلاد ما بين النهرين، حيث تضمّنت تراتيل وصلوات مطوَّلة، وصلوات مُخصّصة للملوك (وخاصة ملوك الدولة الآشوريّة الحديثة والدولة البابليّة الحديثة)، وصلوات المُعالِجين الرُّوحانيِّين، والتراتيل الحزينة، ونصوص التوبة، والتعاويذ الشائعة والتقليديّة، بالإضافة إلى غيرها من الأنواع.

يسعى هذا النصّ إلى استعراض الأنماط الرئيسيّة للصّلوات والتعاويذ التي يستخدمها المُعالِجون المُختصُّون بطرد القوى الشّرِّيرة، حيث يميّز هؤلاءُ  أنفسَهم عن المُعالِجين الآخرين أو كَهَنة المعابد الذين كانوا يُقدِّمون نصوصًا تختلف حسب السياقات التي يعملون بها. من بين تلك الطّقوس، تَبرُز الصّلوات أو التراتيل الحزينة المعروفة باسم "سُويلاس"، وهي تسمية مستندة إلى المصادر الأصليّة التي وَردت في النصوص القديمة، وتُوجَّه هذه الصَّلوات إلى مجموعة متنوِّعة من آلهة البابليِّين، ولكنَّها تتركَّز غالبًا حول مردوخ، وشامش، وإيشتر، حيث يُنظَر إليهم باعتبارهم رموزًا رئيسيّةً في المُعتقدات الدينيّة والتقليديّة لتلك الحضارة. 

المثير للاهتمام هو أنّ هذه الصّلوات يُطلَق عليها غالبًا مُسمّى "تعاويذ"، نظرًا لأنّها تُحاكي شكلَ الأدعية التقليديّة، إلَّا أنّها تبدأ بكلمة "تعويذة"، ولأنّ هذا النوع من النصوص يتَّسم بخصائص تقليديّة ترتبط بالتعاويذ، فإنّه يتداخل بشكل كبير مع الطقوس المحدَّدة التي تُذكَر ضمن الصّلاة نفسِها أو التعليمات المُرفَقة بها.

ما تجدر الإشارة إليه هو أنّ استخدام مصطلح "تعويذة" يعكس تفريقًا حديثًا صنعَه الفِكر الغربيّ بين مفاهيم السِّحر والدّين، وهو تمييز يبدو في كثير من الأحيان مُصطَنَعًا وغير دقيق عند دراسة ثقافات مثل ثقافة الآشوريّين والبابليّين؛ ومن هُنا، وضَع علماء الآثار المُتخصِّصون في الدراسات الآشوريّة نظامًا لتصنيف هذه التعاويذ إلى قسمَين رئيسيّين: التعاويذ العامَّة والتعاويذ الخاصّة.

أمّا عن النصوص نفسها، فإنّ النصّ الأوّل يَحمِل ضمن بعض مخطوطاته الإشارة إلى "سُويلة"، بينما النصّ الثاني يتَّخذ صيغة مشابهة لها، لكنّه لا يحمل الاسم ذاته، واللّافت للنظَر أنّ النسخة الخاصة من "سُويلةَ" عادةً ما تُستَخدَم لمواجهة شُرور معيَّنة، وتدخل في سياق طقوس سحريَّة دقيقة، بينما تحتوي هذه النصوص الطّقسيّة ثلاثة عناصر أساسيّة ولا تقلُّ أهميَّتُها عن تناغمها ضمن الثقافة الأكَّاديَّة.

تُعَدُّ مُخاطبة الإله والثَّناء عليه، ركيزةً أساسيّةً في دعاء "سُويلةَ"، حيث يُبدَأ غالبًا بِوَصف الإله وصفًا إيجابيًّا يُشير إلى مكانته المُميَّزة في المجتمع الإلهي، ومن ثمّ يتناول علاقته بالعالم الأرضيّ والبشريّ، ويُشكِّل هذا الثناء الوصفيّ الخلفيّة والأساس لطلب المساعدة، حيث يُوضّح سبب توجُّه الإنسان للإله ويُبرّر موقف الطالب بشكل منطقيّ. بالإضافة إلى ذلك، يلعب هذا الثناء دورًا في إبراز قوّة الإله من خلال الإشارة إلى قدراته ووظائفه المتعدّدة، وهو ما يُمكِن أن يدفع الإله للتفاعل إمّا عبر التحفيز، وإمّا من خلال توَسُّل رمزيّ يُعزِّز قوّة العلاقة بين الإنسان والإله.

ويُشكِّل طلب العون من الإله الرّكيزة الأساسيّة للدعاء، حيث يبدأ عادةً بتقديم مشاعر التضرُّع والاعتراف بالمعاناة التي يمرّ بها الطالب، وقد تتجسَّد هذه المعاناة في شكل آلام جسديّة ونفسيّة، أو في مواجهات مع تحدّيات اجتماعيّة واقتصاديّة مثل خسارة الثروة أو المكانة الاجتماعيّة، وتدهور العلاقات الأُسريّة، أو الشعور بالعُزلة؛ كما يمكن أن يحتوي الدعاء على تعريف واضح بالطالب نفسه وذكر للطريقة أو الطُّقوس المُتَّبَعة خلال تقديم الدعاء.

كما يتضمَّن الدعاء وعدًا بتقديم الثناء للإله بمجرَّد استجابة الدعاء وعودة الطالب إلى وضعه الطّبيعيّ، ويُوظَّف الثناء كتعبير عن الشكر والامتنان، بجانب تعزيز ولاء الفرد للإله وإظهار التقدير العميق له. كما يهدف الثناء إلى الإشادة بأفعاله الإلهيّة الجليلة التي تُلهِم الآخرين وتُعزِّز التفاني لخدمته. ويُعَدّ الدعاء المُوجَّه إلى نِرغال، إله الحرب والوباء وسيِّد العالم السُّفليّ  نموذجًا بارزًا لهذا النوع من الدعاء:

"يا نِرغالَ العظيم، يا ابن العائلة الإلهيّة المُقدَّسة، يا حامل راية القوّة والهيبة، يا سيِّد الحروب والصراعات، يا وريث الملكة كوتوشار ذات المجد الأصيل، ويا إله القوّة التي لا تُقهَر، ويا أيّها القلب المحبوب لِنينمنَّا. أنت أيُّها الإله الجليل، صاحب الحضور السّامي في سماء النُّور المُتلألئ، والعظمة التي تتجلَّى في عوالم ما تحت الأرض حيث لا يُوجَد لك نِدّ أو مُنافِس.

في مجلس الآلهة، يتردَّد صوتُك بجانب آنو، أي الإله السّماويّ، هيمنتك واضحةٌ وقراراتك هي البوصلةُ. ومع سِين، أنت الراعي اليقظ، تراقب بحكمة مطلقة كلّ ما يدور في عالم السماء والأرض، وما يختبئ في العوالم الخفيّة. لقد منحك إنليل، والدُك الإلهيّ، سيادة على البشريّة وكلّ الكائنات الحيّة. بيديك وُضِعَتْ أمانةُ رعاية قطعان الأبقار والمخلوقات الأُخرى، لتكون الحامي والقائد الذي يجمع بين القوّة والحكمة في خدمة الخليقة.

أنا فلانُ بنُ فلان، خادمُكم المُخلِص.

إنّ غضبَ الآلهة قد أفقدَني السّكينةَ وجلب لي خسائر ثقيلةً في ممتلكاتي، كما أنّ عصيان الناس لأوامري بات يحرِم عيني من النوم والراحة، ولهذا يا سيِّدي، لجأت إليك طلبًا للخلاص، لأنَّك أنت المُخلِص الرّحيم، فقد توسَّلت إليك، ولأنَّك مُنصِفٌ وعادلٌ، فقد وقفتُ بين يديك، وحيث أنَّك مُتفضِّل وكريم، فقد علَّقت آمالي عليك.

اُنظرْ إليَّ بعين الرحمة، واسمعْ دعائي. كُنْ رفيقًا بقلبك الغاضب، أزِلْ عنِّي غضبَك وسامحْني على خطاياي وأخطائي. هَدِّئْ ثورة غضب الإله الجليل الذي يضرُّ بي، واسمحْ لي بأن أجد طريق المغفرة، ليصفحْ عنِّي الآلهةُ الذين غمرَني غضبُهم، وسوف أشكر حينها نِعمَكَ العظيمةَ، وأرفعُ صوتي تسبيحًا بجلالِك!".

يمكن استخدام هذا النوع من التعاويذ ليس للتوجُّه إلى الآلهة والنجوم فحسب، بل أيضًا للتّعاطي مع العناصر التي تُستَخدَم في الطقوس السحريّة مثل الملح والزيت والحجارة.

ومن أمثلتها النموذجيّة هذا الدعاء:

"يا ملحُ، أيُّها المخلوقُ في الأماكن الطّاهرة، لقد خصَّصَك إنليلُ غذاءً للأرواح السماويّة، بدونِك لا يُقدَّم طعامٌ في إيكور، وبدونِك لا تُشَمُّ رائحةُ البخور من قبل الآلهة أو الملوك أو النبلاء.

أنا فلانُ بنُ فلان، الذي وقع في حبائل السِّحر، والذي أصابه مرض جلديّ بفعلِ قوى السّحر الغامضة. أيّها الملحُ المُقدَّس، امحُ هذا السِّحر عنّي! حرِّرْني من قيوده، وتقبَّلْ منّي هذه المناشدة حتى أرفع صوتي تسبيحًا لخالقي."

تُمَثِل التعاويذ ونصوص الأدعية  جزءًا فريدًا من التراث الأدبيّ والدينيّ، حيث تختلف أنماطها وبنياتها بشكل ملحوظ عن النصوص التقليديّة والابتكارات الإبداعيّة. 

ومن الأمثلة البارزة على ذلك، نَصُّ دعاء موجَّه إلى مردوخ، يتكوَّن من ( (27سطرًا، ويُظهِر تفرُّدًا واضحًا في بنيته وتراكيبه. يتميَّز هذا النصّ، الذي يُعَدّ نُسخةً حديثةً مقارنةً بالنصوص الشعائريّة المُعتادة، بإضافة عبارتَين موجزتَين: الأُولى تأتي بين المقدِّمة التمجيديّة والدّعاء، والثانيةُ بين الدّعاء والخاتمة، وبهذا الترتيب المختلف، يُقدِّم النصّ أثرًا دينيًّا مختلفًا يبتعِد عن النّمط المألوف، ولكنَّه يُحافظ على الطَّابع المنطقيّ والوضوح.

في المقابلِ، تظهرُ نصوص أدعية أخرى بتصاميم مختلفة وأكثر طولًا، لكنّها قد تفتقِر إلى التنظيم الواضح مقارنة بهذا النموذج المُبتكَر. على سبيل المثال، الدعاء الشهير "إلى إيشتر" الذي يُعتبَر أحد النصوص المُهمّة في هذا المجال. ويُعتقَد أنّ هذا النصّ يعود إلى الألفيّة الثانية والأُولى قبلَ الميلاد، وهو نص طويل يتضمن نحو (110) أبيات. ورغم ما يحتويه من معانٍ غنيّة وتعبيرات قويّة، إلَّا أنّ بنيتَه غير منتظِمة؛ حيث تتداخل فيه أجزاء الثناء، والشّكوى، والدعاء بشكل يصعُبُ معه تحديدُ ترتيب واضح.

عندما نتأمَّل المشاكل العامّة المرتبطة بنصوص الدعاء، تتضح أهمِّية الإشارة إلى أنَّها ليست جزءًا مباشرًا من طقوس المعابد التقليديّة، بل يمكن مقارنتُها بالتراتيل الموجودة في العهد القديم، وخصوصًا تلك الموجودة في سِفر المزامير، ويمتاز هذا النوع من الدعاء بانتشاره وشيوعه في الموروث الدينيّ، حيث يُعبِّر عن حالات وجدانيّة ودينيّة متنوِّعة بأسلوب شعريّ يمزج بين الطَّلب والتضرُّع والخشوع بالشكل الذي يُلائم التعبير الفرديّ والجماعيّ.

وتُعتبَر التعاويذ الأساسيّة جزءًا مهمًّا من الممارسات النمطيّة للشفاء والحماية في العصور القديمة، حيث كانت تتمُّ تلاوتها إمَّا داخل المنزل وإمّا في مكان مُنعزِل خارج حدود المدينة. لم تكن هذه النصوص مُجرَّدَ كلمات عابرة، بل عكَسَت رؤية شاملةً للسّاحر، الذي جمعَ بين فهمه للقوى الطبيعيّة والماديّة وبين استلهامه تأثير العناصر المعماريّة والطّقوس الدينيّة في المعابد. ومع مرور الوقت، تطوَّر دور السّاحر ليُصبحَ أشبَه برسول للنُّخبة، وهو ما جعَلَه يجمع بين الممارسات التقليديّة ونمط الطقوس المعماريّة التي تُعكِس رمزيّة الآلهة باعتبارها صُورًا للحاكم أو الشخصيّات البارزة في المجتمع.

تأريخيًا كانت الأدعية الأصليّة خالية من المدح المُفرط، وهو ما يتّضح من المناحات الفرديّة في الكتاب المُقدّس. فقد كانت تلك المناحات تُقرأ غالبًا في سياقات غير دينيّة، وكانت مُوجَّهةً إلى إله العائلة أو القبيلة طلبًا للعَون، دون الدخول في تفاصيل مدح طويلة (كما يُمكنُ مُلاحظتُه في المزامير، وعلى الرغم من كونها توجّهت، في بعض الأحيان، إلى آلهة أكثر انتشارًا أو تلك المرتبطة بالمعابد الحضريّة ذات الطّابع الدّينيّ، إلَّا أنّ صياغة الدعاء نفسها تأثَّرت بطقوس المعابد التي تضمَّنت إشادةً بالإله المُستهدَف، وفيما بعدُ، أُضيفَت مُقدِّمات إشادة إلى صياغة الدعاء الأصليّ، مُستمدَّةً من رُموز وأفكار مرتبطة بالمعابد وآلهتها.

كانت التعاويذ في بدايات استخدامها تُدَّوَن بشكل جُزئيّ كوسيلة للتّذكير بها، ومع مرور الزمن تَطوَّرَت لتُصبِح مكتوبةً بالكامل مُرفَقةً بتعليمات دقيقة توضِّح توقيت ومكانَ وكيفيّة أداء الطقوس، وأُضيفَت أيضًا تفاصيل أُخرى مثل وصف دقيق للمشكلة، وتشخيص أسبابها، وتحديد الهدف المَرجوّ من أدائها. وتظهَر التعاويذ في سِياقات كتابيّة متنوّعة؛ منها: (1) تعاويذ فرديّة ضمن طقوس مُوجَزة، (2) مجموعات صغيرة تحتوي على تعاويذ مُرفَقة ببعض الإرشادات الطقوسيّة، (3) سلاسِل كتابيّة مُنظَّمة تتراوح بين مجموعات مُختَصَرة وسِير طقوسيّة مُعقَّدة وطويلة مثل طقوس شيربو وماخيل.

كما تُلقِي التعاويذ الضّوء على موضوعات مُتعدِّدة تتناولها بعمق، من أبرزها: التصوير الرّمزيّ للشّياطين، وتحليل طبيعة وأسباب المعاناة، بالإضافة إلى الأعمال الطقوسيّة التي تُؤدَّى أثناء تلاوة التعاويذ. هذه المعاني تظهَر بوضوح في التعاويذ نفسها، وتنعكس داخل نصوصها بطريقة مُباشرة أو رَمزيّة.

المصدر:

فصْل من كتاب:  Mesopotamian Prayers and Incantations / لمؤلِّفَيه:  Tzvi Abusch و Sarah Iles Johnston
 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية