
ليس هناك ما هو أخطر من تقديس التاريخ ورموزه. تقديسه يحجّره في مكانه ويعيق تجاوزه.
علاقة الإنسان بالزمن ليست مجرد تقويم خارجي يتوزع على ثلاثة أبعاد: ماضٍ وحاضر ومستقبل، بل هي علاقة وجودية تُحدِّد معنى الحياة الفردية والجماعية وتمنحها الهوية والمعنى. لكنّ تلك الأبعاد التاريخية للزمن (الماضي بوصفه ذاكرة، والحاضر بوصفه حضورًا فاعلًا، والمستقبل بوصفه أملًا واستشرافًا حافزًا)، لا تُعاش بالقدر نفسه من القيمة: فحين يكون الحاضر ممتلئًا بالحيوية، نابضًا بالعمل والإنجاز، يختفي الماضي إلى خلفية بعيدة لا يتجاوز حدود الذكرى، ويطلّ المستقبل كأفق مفتوح على الأمل والتفاؤل والبشارة. لكن ما إن يصير الحاضر بائسًا، خانقًا، مسدود الأفق، حتى يعود الماضي في صورة "زمن جميل" مفقود، ويتحول المستقبل إلى ظل باهت لا يحمل وعدًا ولا رجاء.
هنا تحضر النوستالجيا (الحنين)، لا كطبيعة إنسانية متأصلة في النفس البشرية، بل كأعراض أزمة: إنّها آلية تعويضية عن عجز الواقع، وانسداد الأفق، وانطفاء الحاضر. ليست الرغبة في استعادة الماضي إذن فطرة أولية، بل هي نتيجة إخفاق الحاضر وفشل المستقبل في استقطاب الخيال. وما من مجتمع يلجأ إلى تمجيد ماضيه إلا بقدر ما يفتقر إلى مشروع فاعل للحاضر والمستقبل. وفي الثقافة العربية ـالإسلامية، يتخذ هذا الميل بُعدًا مضاعفًا: فالتعلق بالماضي لم يعد مجرد حنين، بل تحول إلى قناعة راسخة بأنّ "العصر الذهبي" هو النموذج الوحيد الممكن للوجود. هذا الميل لا يعبّر عن "وفاء للتراث"، بقدر ما يكشف عن عجز تاريخي طويل عن إنجاب لحظة حضارية حديثة تنسي الناس ماضيهم وتشدهم إلى مغامرة بناء مستقبل جديد. لقد تحوّل الماضي إلى بديل عن الحاضر، وذريعة لتعليق المستقبل، حتى بات سؤال النهضة مؤجلًا باستمرار. وهنا تظهر معضلة الوعي التاريخي التي ناقشها أحمد برقاوي في كتابه المهم (العرب بين الإيديولوجيا والتاريخ)، فبدلاً من أن يكون الماضي موردًا معرفيًا لتشييد المستقبل، صار عائقًا يحول دون تخيّل الجديد. يمكن القول إنّ هذا الميل هو الوجه الثقافي لما وصفه أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) بـ "توقف الحضارات" عند عجزها عن الاستجابة للتحديات. في حقيقة أمره؛ الماضي لا يحمل في ذاته أيّ قداسة مطلقة: إنّه مجرد سجل لتجارب بشرية قابلة للاستفادة أو التجاوز. القيمة الحقيقية تكمن في الحاضر الفاعل الذي يخلق إمكانات جديدة، وفي المستقبل الذي يمثل مجال الحرية والاختيار والإبداع. إنّ التمركز حول الماضي ليس إلا انكفاءً على ما هو منتهٍ، بينما المستقبل هو المجال الذي لم يولد بعد، حيث يمكن للإنسان أن يحقق إمكاناته.
إنّ تجاوز أسر الماضي لا يعني محوه أو إنكاره، بل تحريره من طغيان النوستالجيا
إنّ تجاوز أسر الماضي لا يعني محوه أو إنكاره، بل تحريره من طغيان النوستالجيا. الماضي يمكن أن يكون رصيدًا معرفيًا ورمزيًا، لكنّه لا يجوز أن يتحول إلى قيد على الخيال. والمستقبل لا يمكن أن يُستدعى بلا أساس، بل يحتاج إلى حاضر ممتلئ بالعمل والإنتاج والمعنى.
لذلك فإنّ القضية الجوهرية ليست في "الماضي الجميل" أو "المستقبل المشرق"، بل في كيفية عيش الحاضر. فالمجتمعات التي تتقن صناعة حاضرها القوي لا تخشى الماضي، ولا تهرب إليه، لأنّها منشغلة بما هو أهم: فتح الأفق وصناعة التاريخ. فالتاريخ الإنساني كله مغامرة إنسانية تصيب حينًا وتخيب معظم الأحيان، والتاريخ نوعي وحوادثه نوعية ولا يتكرر أبدًا لا مرة ولا مرتين، حتى وإن بدا أنّه يكرر الأحداث ذاتها في المكان ذاته من الناحية الشكلية؛ ذلك لأنّ الزمان غير الزمان والناس غير الناس والأدوات تغيرت والسياق اختلف. نعم الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم ولكنّهم لا يصنعونه على هواهم، بل في ظل الشروط التاريخية المعطاة لهم سلفًا من ماضيهم، فالأموات يتشبثون برقاب الأحياء. والتاريخ دائمًا وأبدًا هو فعالية الناس الأحياء بتدبير شؤون حياتهم في حاضرهم الحي المباشر حيث تتجلى الحياة بلا مزايا بوصفها انشغال الكائن الدائم مع العالم وتحدياته، إذ أنّ الحياة هي التي نمنحها تسعة أعشار وقتنا، الذي نعيشه في عالمنا الواقعي المعيشي الحي الفوري، بلا ماضٍ ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الفعل والانفعال والاشتباك والممارسة، بملموسيتها وكليتها، أي الحياة اليومية البسيطة المملوءة بالانشغالات الروتينية، والمتطلبات المعيشية الملحَّة الصغيرة التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل، والتقنيات، والعادات والتقاليد، والأساليب والصراعات، والرهانات والتفاعلات، والنجاحات والإخفاقات، والمكاسب، وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية التي ننهمك فيها وتشكِّل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمَّته، أي الحياة بلا مزايا، التي يسمِّيها عالم الاجتماع جلبر دوران بـ "الجو الخانق".
إذ يختلف ناس كل جيل من الأجيال عن سابقيه، فكل جيل يعيش حاضره الفوري المباشر ويستحيل أن يعيش حاضر من سبقوه أو من لم يأتوا بعد! وبهذا المعنى نفهم عبارة "أنّ التاريخ حاضر مستمر" بحسب كروتشه! ولو أنّ التاريخ يمكن إيقافه في أيّ لحظة من لحظاته، لما كان للحضارة الإنسانية أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام بعد هامان وفرعون وقارون، والله المستعان! ولولا اللغة والذاكرة لما كان هناك تاريخ ولا آلهة ولا شياطين ولا ملائكة ولا حضارة ولا ثقافة ولا مدنية، والكائنات التي لم تشملها الذاكرة لا أحد يعرفها. ويقال إنّ الأرض عرفت أكثر من ثمانية ملايين نوع من الكائنات الحية، تمكن الإنسان من معرفة مليوني كائن فقط، والتاريخ الذي لا يُدوّن كالأحلام التي لا تُفسر! فالذاكرة تطورت عبر التاريخ من اللحظة البيولوجية مرورًا بلغة الجسد حتى اللحظة الرقمية، إذ كانت الذاكرة في المراحل المبكرة من تطور الإنسان جزءًا من منظومة البقاء في سياق قانون الحياة الفطرية، مقاومة الموت والفناء والحفاظ على البقاء بتجنب المخاطر، وتذكر أماكن الماء والطعام، وتعلم أنماط الطقس وحركة الحيوانات. هذه الذاكرة البدائية كانت تشبه إلى حد بعيد ذاكرة الحيوانات، مركزة على الإدراك الحسي والتجربة المباشرة ومع تطور الدماغ، وخصوصًا قشرة الفص الجبهي، بدأت قدرات الإنسان على التذكر تصبح أكثر تعقيدًا، ليس فقط لتخزين المعلومات، بل لمعالجتها وربطها بسياقات أوسع. وأول الحضارة هو الإحساس بالخوف من عاقبة الاعتداء على الآخرين ومن الضرر الذي يصيب الإنسان من اعتداء الآخرين عليه، وهو الخوف الذي نعبّر عنه بالضمير والوازع ومخافة الأذى والضرر جراء القيام بالذي صار اسمه بعدما لا يحصى من الزمن والخبرات والتجارب حرامًا وعيبًا وممنوعًا ولا يجوز. ويذهب فرويد إلى أنّ الحضارة بدأت حينما بدأ الإنسان في تنظيم دوافعه الغريزية عن طريق مجموعة من النواهي والتابو والقانون. والتجديد والتغيير والتطور والتقدم والنمو والارتقاء خاصية جوهرية من خصائص الحياة والتاريخ والزمان والمكان، ففي عالم ما تحت فلك القمر، عالم الأرض والإنسان والحاس والمحسوس والفعل والانفعال لا شيء يدوم على حال من الأحوال، فكل شيء في حركة وتحول وتبدل ونمو وتجدد باستمرار وهذه سنّة من سنن الكون وقانون من قوانين الحياة والتاريخ. فالنمو هو جوهر الحياة، وكل الكائنات الحية تنمو وتنضج وتكبر وتشيخ وتموت وتعود من جديد وتتبدل من حال إلى حال ولا يستطيع المرء أن يستحم بمياه النهر مرتين!
القضية الجوهرية ليست في "الماضي الجميل" أو "المستقبل المشرق"، بل في كيفية عيش الحاضر
والتغير منطق التاريخ بوصفه زمانًا يمضي في ثلاثة أبعاد هي الماضي والحاضر والمستقبل، في كل آنٍ من الأوان، فما كان قد ذهب إلى الأبد ويستحيل إعادته، والمستقبل هو ما لم يوجد بعد، والحاضر فقط هو الذي نعيشه هنا والآن حياة فورية مباشرة ولكنها سيالة ولا يمكن إيقافها، وبقدر ما نعيشه كامل امتلائه يكون له معنى وقيمة وهدف، أمّا إذا تركناه يمرّ بالعجز والكسل والخذلان، فلا شيء يمكن انتظاره في مستقبل الأيام.
تلك الفكرة التي لطالما شغلتني منذ زمن طويل هي التي تداعت إلى ذهني وأنا استمع إلى محاضرة الأستاذ مازن الرمضاني الأحد الموافق 31 آب (أغسطس) 2025م بعنون "الإشكاليات الثقافية ومشاهد المستقبل العربي"، أدارتها بكفاءة واقتدار د. إلهام لطيفي، نائبة رئيس المعهد للشؤون التنفيذية والإدارية، رئيسة وحدة الدراسات الثقافية، باحثة في جامعة لييج. وقدّم محاضرتها الرئيسة د. مازن الرمضاني، عالم متخصص في دراسة السياسات الدولية ودراسة المستقبلات وعميد كلية العلوم السياسية، رئيس وحدة استشراف المستقبلات في المعهد العالمي للتجديد العربي. وشارك فيها معقباً كل من: 1- د. حليم أسمر، عضو في المعهد العالمي للتجديد العربي، دكتوراه في العلوم الفلسفية، أستاذ دكتور في كلية التربية، جامعة حلب. 2- د. جلال حاتم، رئيس وحدة دراسات الاقتصاد والتنمية في المعهد العالمي للتجديد العربي، أستاذ اقتصاد إدارة الأعمال بكلية الاقتصاد جامعة "عدن" اليمن، والمدير السابق في جامعة "أم القيوين" الإمارات العربية المتحدة. مقرر الندوة أ. معاد البوريمي، أستاذ الثانوي بأكاديمية فاس-مكناس، طالب باحث في سلك الدكتوراه بالمدرسة العليا للأساتذة بفاس. ونظمتها وحدة الدراسات الثقافية في المعهد العالمي للتجديد العربي. وطرحت الندوة فكرة الثقافة العربية بين التحدي والاستجابة.
أكد الدكتور مازن الرمضاني أنّ استشراف المستقبل والبحث فيه لم يعد اليوم من باب الرجم بالغيب أو التنجيم أو التنبؤ أو التخمين والظن والشطح الصوفي، بل غدا اليوم ضرورة حيوية وجودية واستراتيجية للبقاء والعيش في عالم تعصف به الأحداث والمتغيرات بخطوات سريعة الإيقاع، فلا مستقبل لمن فقد موقده وضيع بوصلة اتجاهه، ويرى توفلر أنّ الأمم التي تجعل ماضيها هو مستقبلها تشبه ذلك الذي راح يبحث عن روح أجداده في رفات الرماد، فأيهما يحكم الآخر عندنا الماضي أم المستقبل؟ فماذا بوسع الثقافة العربية فعله في سبيل المستقبل؟ يرى مازن الرمضاني "أنّ الوظيفة التي تؤديها الثقافة تؤكد أنّ بينها وبين الإبداع علاقة وطيدة، لا سيّما أنّ الإبداع هو الذي يحول دون أن تتحول الثقافة إلى ثقافة نصوص أو تأويل وإعادة إنتاج في عالم يتغير ويتجدد وينتشر فيه الإبداع على نحو غير مسبوق. بيد أنّ الثقافة قد تصبح كابحًا جادًا للإبداع عندما يصار إلى توظيفها سياسيًا لتقنين حرية الفكر وإعاقة التواصل الثقافي مع معطيات عالم اليوم وآفاقه الواسعة، ومن ثم سبيلًا لتعطيل الآخذ بالتليد والجديد ،أي الأصالة والمعاصرة". لقد أثارت نهضة الشرق الآسيوي حَفِيظة أوروبا الغربية وجعلتها تعيد التفكير من جديد في الشرق ومعناه وممكناته، وفي معنى النمو والتنمية، فكان المدخل الثقافي في تفسير تلك المظاهر هو ما جذب الكثير من الاهتمام بعد أن تبين عدم كفاية المداخل النظرية الآخرى التي تم الرهان عليها في الغرب، ومنها المدخل العسكري الأمني، والمدخل المادي الاقتصادي، والمدخل التعليمي التربوي، وغير ذلك. في السنوات الأخيرة بدأت الدوائر الأكاديمية والثقافية الأوروأمريكية تعيد النظر والتفكير بأطروحة ماكس فيبر، والبروتستاتنية وروح الرأسمالية، في محاولة لتفسير وفهم الحالة الشرقية، وهذا ما يفسّر حضور مفهوم القيم الشرق آسيوية الذي أخذ يزدهر اليوم في الفضاء الثقافي العالمي المعاصر. نعم الثقافة يمكنها أن تدفع أو تكبح النمو والتطور لكنّها بدون القوة الحضارية التي تمنحه البيئة المناسبة ليس بمقدورها فعل أيّ شيء. وحينما تتوفر الأطر الحضارية السليمية للثقافة يمكنها فعل الكثير في سبيل دفع التنمية.
إذ تفعل بما يشبه إشاعة الروح الايجابية والحس السليم بالجسد الاجتماعي كله، وممّا يمكنها القيام به يمكن الإشارة إلى:
1 - التهيؤ: كما هو الحال في التربية البدنية التي تهتم ليس بتمرين عضو معين من أعضاء الجسم الإنساني، ففي رياضة كرة القدم لا يقتصر التمرين على القدمين أو الرأس فقط، بل تهتم بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة للنشاط والطاقة والحيوية والحركة والاستدارة بمرونة ورشاقة. وهذا ينطبق على كل أنواع الفنون الرياضية من الفروسية إلى السباحة، وكذلك هو الأمر مع تنمية وتأهل الذكاءات المتعددة في ذات الناشئة (الذكاء الوجداني والذكاء المنطقي الرياضي والذكاء الاجتماعي والذكاء البصري والذكاء الايقاعي الموسيقي والذكاء اللغوي والذكاء العضلي والذكاء الوجودي)، ففي ذات كل إنسان طيف واسع من المواهب والقدرات المتعددة التي تستدعي التأهيل والتنمية. وتلك هي وظيفة الثقافة في بوصفها رأس المال الذي يبقى بعد نسيان كل شيء! فالثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي (الذكاء العاطفي)، إذ (هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء)، والثقافة بهذا المعنى هي تجسيد لمفهوم الهابيتوس عند بيبر بورديو بوصفها نسقًا من الاستعدادات المُكتسبة بالتربية والممارسة الاجتماعية التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين والحياة والكون، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة، لتشكّل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقاً لهذا التصور، يُعدّ "الهابيتوس" جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل لوجود، بالنسبة إلى الفرد والمجتمع. والتربية الفلسفية العقلانية السليمة لا تهتم بتنمية وتأهيل ملكة واحدة من ملكات الذات الإنسانية بل تهتم بتنمية وتفعيل كل الملكات والمواهب والقدرات الكامنة في ذات الأطفال، أي تكمن مهمتها الأساسية في الإفراج في كل طالب وطالبة عمّا يحول دون أن يكون ذاته/ ذاتها الإنسانية الناضجة، وفي أن تخوله أن يحقق ذاته بحسب خصائصه الفردية وقدراته واهتماماته ومواهبه الشخصية العميقة التي تختزنها ذاته/ ذاتها في أعماقها وكل ما تحتاجه هو منحه الفرصة والحريّة الكافية للتعبير عنها وتنميتها، وعندما نبلغ أعمق ما في الذوات الفردية للناشئة، فإنّ ذلك العمق هو ما سوف يكون بنائيًا خلاقًا وناميًا وجديرًا بالقيمة والتربية والتنمية نحو الأفضل نفعًا وعدلًا وجمالًا وخيرًا وكمالًا. وحينها تستطيع الجامعة أن تحقق مثلها الأعلى في تنمية وتنوير العقول، إذ أنّ المثل الأعلى للجامعة لا يتمثل في منح الطلاب المعرفة بقدر ما يتمثل في منحهم القدرة على فهم واستخدام المعرفة التي اكتسبوها في سنوات حياتهم العشرين الأولى وبذلك تكون وظيفتها الجوهرية ـ الجامعة ـ هي العمل على تحويل معرفة الأولاد والبنات؛ التلميذات إذ تمنح الفتيان والفتيات القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي تمنحهم (الذكاء العقلي والعاطفي) وتشكّل ثقافتهم المستقبلية، بوصفها جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل.
التغير منطق التاريخ بوصفه زمانًا يمضي في ثلاثة أبعاد هي الماضي والحاضر والمستقبل، في كل آنٍ من الأوان، فما كان قد ذهب إلى الأبد ويستحيل إعادته، والمستقبل هو ما لم يوجد بعد، والحاضر فقط هو الذي نعيشه هنا والآن حياة فورية مباشرة ولكنها سيالة ولا يمكن إيقافها
-2 الاستيعاب؛ بمعنى استخدام المعرفة وتجريبها ذاتيًا؛ لأنّ المرء لا يستطيع أن يتصرف بمعرفة ما إلا عندما يستوعبها ويجسدها في لغته وذهنه وخبراته وتجاربه الاجتماعية. فكل معرفة غير مستوعبة من الفاعلين الاجتماعيين تظل بالنسبة إليهم خارجية وغريبة ومستبعدة من حياتهم. فالمعرفة لا تتحول إلى ثقافة إلا إذ توطنت في البنية الثقافية للمجتمع المتعين وصارت نسقًا أصيلًا في تفكيرهم وسلوكهم.
-3 الشمول؛ بمعنى القدرة على الربط العميق بين المعارف المستوعبة والموضوعات والقضايا التي تبدو متباعدة، والنظر إليها برؤية كلية قادرة على الجمع بين أجزائها في نسق فكري ثقافي منطقي واضح ومقنع.
-4 الحكم؛ بمعنى القدرة على التجرد والتجريد الذي يعني في العلم (الحلم) وفي الفن (الذوق) وفي الأخلاق (الضمير) وفي الحياة (الفهم)، ذلك هو هدف وغاية كل تعليم وتعلم، فإذا كان التعليم يعلم المعرفة، فإنّ التعلم يعلم الفهم، وبدون أن يفهم الناس المعرفة التي يدعون امتلاكها تظل معرفتهم بلا قيمة ولا جدوى. والعلم هو أن تعرف كل شيء عن شيء محدد ومتخصص في علم من العلوم، بينما الثقافة هي أن تفهم شيء عن كل شيء تعرفه، وهذا هو كل ما يمكن انتظاره من الثقافة، وبدون هذا الـ (كل) لا وجود لشيء جدير بالقيمة والاعتبار. لا شكّ أنّ هناك علاقة عضوية بين العلم والثقافة، فالهدف الأساسي من التعليم والتربية هو خلق الإنسان السوي الحر القادر على مواجهة مشكلات مجتمعه وعصره بروح إيجابية وسعة أفق عقلانية مرنة وخلاقة تمنحه القدرة اللازمة على التعاطي الفعال مع واقعه وهويته وتاريخ مجتمعه وقيمه وتراثه في سياق حاضره وتحدياته المتغيرة باستمرار، بما يجعله قادرًا على بناء مركب ثقافي علمي إنساني عقلاني جديد يمزج بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر واستشراف المستقبل. وبذلك تكون الثقافة في جوهرها الإنساني التاريخي الإبداعي بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، وهي فضلًا عن ذلك أداة لنقل السلوك ومصدر دينامي للتغيير والإبداع والحرية وتهيئة فرص الابتكار والمنافسات والمبادرات الفردية، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والشعور بالهوية والانتماء. ومن المعروف أنّ أيّ فعل أو سلوك إذا ما تكرر صار عادة، وإذا ما ترسخت العادة صارت ثقافة! فلماذا لم يتحوّل العلم والتعليم في المجتمعات العربية الإسلامية إلى ثقافة؟ وما هي ممكنات العرب الثقافية لاستشراف المستقبل؟
ختامًا كتب الفيلسوف الفرنسي بول فاليري أنّ "التاريخ هو أخطر العقاقير التي اخترعتها كيمياء العقل البشري، وخطورته تكمن في أنّه يقيد الشعوب عن الحركة ويسكرها بالماضي التي لا تودّ أن تغادره".


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)