عندما تغيب الأدوية... الأعشاب طوق النجاة لمرضى غزة المحاصرين

عندما تغيب الأدوية... الأعشاب طوق النجاة لمرضى غزة المحاصرين

عندما تغيب الأدوية... الأعشاب طوق النجاة لمرضى غزة المحاصرين


04/08/2025

في غزة، حيث الحصار الإسرائيلي المستمر، والانهيار الكامل في المنظومة الصحية بسبب الحرب، اضطر الكثير من المرضى إلى العودة لما كان يُعدّ طبّاً تقليدياً، والاعتماد على الأعشاب كبدائل للأدوية المفقودة من المستشفيات والصيدليات.
وتحولت الأعشاب والنباتات الطبية من تقاليد قديمة إلى ضرورة حياتية، فالمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة ومستعصية باتوا يبحثون عن "طوق نجاة" في الطبيعة، بعد أن أقفلت أبواب الصيدليات والمستشفيات أمامهم.
وأشارت وزارة الصحة بغزة إلى أنّ ما دخل من أدوية ومستلزمات طبية لا يكفي لتلبية الاحتياجات العاجلة لأهالي القطاع، لافتة إلى أنّ 47% من الأدوية الأساسية في مخزون الوزارة رصيدها صفر.
العلاج بالأعشاب
في داخل خيمة صغيرة بحي الزيتون شرق مدينة غزة، تجلس المُسنّة رقية طوطح (68 عاماً) وبيدها مشروب داكن اللون من النعنع والبابونج، وتقول خلال حديثها لـ (حفريات): "لم أعد أجد دواء الضغط والقلب منذ شهور، وأصبحت الأعشاب ملاذي الوحيد، أخلطها كما كانت أمي تفعل قديماً".

في غزة، لا يعود الناس إلى الطبيعة حبًّا بها، بل لأن الصيدليات مغلقة، والمستشفيات صامتة، والدواء حُلُم بعيد بأجنحة مكسورة.

وأضافت طوطح بحسرة: "قبل عامين كنت أستطيع الحصول على أدويتي من المستشفى شهرياً بسهولة ويسر، لكن الآن لم أرَ دواء الضغط والقلب منذ أكثر من (6) أشهر".
وأوضحت: "بدأت أشعر بأعراض شديدة، صداع، ودوخة، وخفقان في القلب، ونصحني الطبيب بتخفيف الضغط، لكنّه لم يكن يملك دواء ليصفه، هنا لجأت إلى أمي وجدتي اللتين علمتاني خلطات الأعشاب، حيث أخلط النعنع، والبابونج، والزعتر، وأشربها (3) مرات يومياً، لم أعد أشعر بالدوخة كما كانت، لكنني لا أخفي خوفي من تدهور حالتي". 

حين يتحول النعنع والبابونج إلى بدائل للأنسولين وأدوية القلب، فاعلم أن الإنسان يُقايض الحياة بالشاي الساخن بدلًا من المصل.

وأكدت: "ساعدتني الأعشاب على تقليل الأعراض، لكنّها ليست دواء كاملاً، أعلم أنني أخاطر، لكن ماذا أفعل؟ حالتي المرضية متقدمة، وأنا بحاجة للدواء لكي لا أتعرض لأيّ مضاعفات خطيرة، لكن أين أجده؟ حتى في الصيدليات غير موجود على الإطلاق".
وأضافت طوطح: "لم أزر الطبيب منذ (4) أشهر، بعد أن فقدت الأمل بالعثور على الدواء، حتى ضعف جسمي كثيراً، وأصبحت اليوم لا أبحث عن علاج، بل عن وسيلة لتأخير النهاية".
الأعشاب بدلاً من أدوية القلب والسكري
ويعاني الشاب يوسف أبو نادي من مخيم جباليا شمال قطاع غزة من مرض السكري منذ (12) عاماً، ويروي لـ (حفريات) كيف اضطر إلى التوقف عن حقن نفسه بالأنسولين، ويقول: "لم أجد حقن الأنسولين في أيّ صيدلية، ولا حتى في المستشفيات بغزة، والآن أستخدم منقوع أوراق الزيتون والقراص، فهو يقلل السكر في الدم إلى حد ما، لكنّه ليس بديلاً دائماً".

الأم التي كانت تُغلي الزعتر لطفلها أيام البرد، أصبحت تُعِده بدقة الصيادلة، تُقاتل به عدوًّا اسمه: انقطاع الدواء.

وقال أبو نادي (35 عاماً): "أبحث عن حقن الأنسولين منذ فترة طويلة، لكن لا أمل يبدو بالعثور عليها، حتى ساءت حالتي الصحية يوماً بعد يوم، وبدأت أشعر بتورم بالقدمين، وأخشى من إصابتي بغيبوبة السكر في أيّ لحظة".
وأضاف: "كنت أستخدم الأنسولين بانتظام، وبعد (3) أشهر من اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 لم أجده، وبدأت أبحث عن بدائل أخرى، ونصحني صديق بتناول منقوع أوراق الزيتون، والقراص، وحتى خليط القرفة مع العسل رغم ارتفاع سعر الأخير بالأسواق، وأتناوله منذ أشهر، وقد تحسن مستوى السكر قليلاً، لكنّه بعيد عن المستوى المطلوب".

العلاج بالأعشاب في غزة لم يعد طقسًا تراثيًا، بل محاولة يائسة من جيل محاصر لإطالة عمره بالبابونج بدلًا من الدواء.

وأكد أبو نادي: "أزور صيدلية المستشفى المعمداني يومياً على أمل العثور على حقن الأنسولين، لكن دون جدوى، فالمستشفيات تفتقر للأدوية، والأطباء يعطون نصائح فقط، حيث أكد الطبيب المعالج لي أنني: لا بدّ أن أحصل على الأنسولين بأيّ طريقة، فبدونه سأتعرض لمضاعفات خطيرة، لكن أين أجده؟".
وقال: "أنا لا أرفض الطب البديل، لكنّه لا يغني عن الأدوية، خاصة في الحالات المتقدمة، ويبقى أفضل من اللّاشيء في ظل الحرب والحصار".

الطبيب الذي يصف الأعشاب بدلاً من العلاج الكيميائي لا يفعل ذلك اختيارًا، بل لأنه أصبح رسولًا في صحراء بلا دواء.

وتابع أبو نادي: "المرض في ظل الحرب جعلني أمام خيارات صعبة، إمّا الموت، وإما  الرجوع للعلاج بالطب البديل، الذي كان يلجأ إليه أجدادنا منذ عشرات السنوات".
عودة إجبارية للطب الشعبي
يقول المعالج بالأعشاب نمر الصوفي (64 عاماً) من مدينة غزة، الذي يعمل في هذه المهنة منذ (23) عاماً: إنّ مبيعاته من الأعشاب ازدادت بنسبة 300% منذ اندلاع الحرب، بعد أن بات المرضى مجبرين على العلاج بالطب البديل، مبيناً: "أستقبل يومياً أكثر من (100) مريض، يعانون من أمراض المعدة، الكلى، التهابات المفاصل، وحتى الضغط والسكري والقلب، لوصف علاجات بديلة بالأعشاب والزيوت الطبيعية، بعد أن انقطعت السبل أمامهم بالحصول على الدواء".

رُقيّة، تلك الجدة الغزية، لم تعد تبحث عن علاج، بل عن وسيلة لتأخير النهاية، تخلط الأعشاب وتنتظر الغد كما ينتظر الموتى الضوء.

وأضاف الصوفي خلال حديثه لـ (حفريات): "كنا نبيع الأعشاب سابقاً بشكل محدود للزبائن لاستخدامها في إعداد الطعام أو شربها في أوقات معينة من السنة، وتحديداً في فصل الشتاء، كالزنجبيل والحلبة والبابونج واليانسون والقرفة لإضفاء نوع من الدفء على أجسادهم، واليوم أبيعها كأدوية، بعد أن بات المرضى يبحثون عن أيّ شيء يخفف الألم".

مريض السكري في غزة لا يخشى المرض، بل يخشى انتهاء القراص من الأسواق، لأنه ببساطة لم يعد يجد الأنسولين.

وقال: "غالبية الزبائن هم مرضى أرى في عيونهم الأمل رغم الألم، فهم يسعون للحصول على علاج بديل يخفف من معاناتهم، لكنني أحذرهم بأنّ الأعشاب هي علاجات مساعدة فقط، وليست بديلة عن الأدوية الكيمائية، لكن لا خيارات أمامهم".
ورغم الإقبال الكبير عليه، أكد الصوفي: "ليست كل الأعشاب آمنة، ويجب أن تستخدم بجرعات دقيقة، وأن تكون هناك معرفة كافية عن الحالة الصحية للمريض قبل وصف أيّ عشبة طبية".

تحوّل السوق الشعبي إلى صيدلية، وأصبح العطار خبيرًا في خفض الضغط والسكر، لأن الطبيب لا يملك أكثر من الحزن والاعتذار.

وأضاف الصوفي: "أنا لست طبيباً، ولكن أمتلك خبرة كبيرة بالأعشاب والأمراض التي تخفف من أعراضها،  وأرفض علاج حالة إذا شعرت أنّها بحاجة إلى مستشفى أو دواء حقيقي، إلا أنّ المرضى بغزة اليوم لا يملكون ثمن الدواء إن وجد، وغالباً لا يوجد دواء بسبب القيود الإسرائيلية على دخوله، كما أنّ الأعشاب غالباً ما تكون رخيصة الثمن نوعاً ما مقارنة بالأدوية التقليدية".
مضاعفات خطيرة
يرى الطبيب أسعد صبرة إخصائي الأمراض الباطنية بمستشفى أبو يوسف النجار خلال حديثه لـ (حفريات) أنّ "الوضع الطبي في غزة كارثي، وانعدام الأدوية يؤثر بشدة على مرضى القلب، والضغط، والكلى، والسكري، وتهدد حياتهم بشكل مستمر".
وقال صبرة: "الأعشاب تساعد أحياناً في تخفيف الأعراض، لكنّها لا تعالج المرض الأساسي ولا تعوّض أدوية الطوارئ والمراقبة الطبية، وهي تتسبب بمخاطر كبيرة على المرضى عند تناولها بشكل عشوائي".

الحرب صنعت من الأعشاب جراحًا طارئًا، ومن العطار أملًا هشًا، ومن الإنسان الغزي كائنًا يتشبث بالحياة بأظافر النبات.

وأكد: "بعض الأعشاب قد تتفاعل مع أدوية أخرى، وتؤدي إلى مضاعفات خطيرة على حياة المرضى، خاصة مرضى الكلى والكبد".
وأوضح الطبيب الفلسطيني: "أتفهم لجوء المرضى إلى هذه البدائل، ولكن ما أخشاه هو أن يستبدلوا العلاج الحقيقي بأمل هش، ممّا قد يؤدي إلى تدهور حالتهم مستقبلاً".
وفي ظل الغياب شبه الكامل للنظام الصحي، تحولت الأعشاب في غزة من رموز للتقاليد إلى بدائل اضطرارية، تحاول سد فجوة الرعاية الطبية، لكنّ هذه البدائل، رغم فائدتها النسبية، لا تستطيع أن تحلّ محلّ الدواء والعلاج الحقيقي، الذي أصبح في نظر كثير من الغزيين حلماً مؤجلاً حتى إشعار آخر.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية