السويداء: مدينة تنزف تحت وطأة العنف والطائفية

السويداء: مدينة تنزف تحت وطأة العنف والطائفية

السويداء: مدينة تنزف تحت وطأة العنف والطائفية


24/07/2025

في قلب الجنوب السوري، تشهد مدينة السويداء، التي كانت ذات يوم رمزًا للتعايش والأمل، حالة من الفوضى والعنف والطائفية. فقد باتت شوارعها تشهد قصصًا مأساوية مكتوبة بدماء أبنائها، وممزقة بحرائق العصبية وأصوات الرصاص. 

السويداء، المدينة التي يقطنها نحو (150) ألف نسمة، غارقة إلى الآن في فوضى عارمة، حيث تتشابك خيوط الصراع بين قوات حكومية وفصائل مسلحة، تاركة خلفها جثثًا ملقاة على الأرض وأنفاسًا محبوسة في صدور السكان.

القتل على الهوية

في مشهد يعيد إلى الأذهان فصولًا طويلةً من مأساة سوريا، تحولت السويداء إلى ساحة لاشتباكات عنيفة. القوات الحكومية، التي دخلت المدينة بحجة فض النزاع بين مقاتلين من الأقلية الدرزية ومسلحين من البدو، بدت كأنّها جاءت لتوقد نارًا بدلاً من إخمادها. شهود عيان، يختبئون خلف أسماء مستعارة خوفًا من بطش المسلحين، يروون قصصًا مروعة عن إعدامات ميدانية، ونهب ممنهج، وحرق المنازل والمحال التجارية. 

مدينة السويداء كانت رمزًا للتعايش لكنها اليوم غارقة في الفوضى وأصوات الرصاص تحكم شوارعها وتكتب الحكايات بدماء الأبرياء

 

أحد السكان، الذي رفض الكشف عن هويته، يصف لــ (سكاي نيوز)، المشهد بصوت مرتجف عبر الهاتف: "أنا في وسط السويداء، أصوات إطلاق النار لا تهدأ، والاشتباكات تملأ الشوارع. هناك نهب وقتل وحرق، وعشرات المخطوفين لا نعرف مصيرهم."

في إحدى اللحظات المأساوية أطلقت مجموعة مسلحة تابعة لدوريات الأمن العام النار على (3) أشقاء بالقرب من دوار الباشا، شمال المدينة. كانوا برفقة والدتهم، التي وقفت عاجزة وهي ترى أبناءها يسقطون أمام عينيها، ضحايا إعدام ميداني لا يرحم. 

في قلب المدينة يقف السكان مذعورين بين جثث مرمية على الأرض وأنفاسهم معلقة بانتظار هدوء لا يأتي أبدًا

 

هذه الواقعة، التي وثقتها شهادات محلية، ليست سوى جزء من سلسلة انتهاكات طالت المدنيين العزّل. مراسل وكالة (فرانس برس)، الذي تجول في شوارع المدينة الخالية إلّا من أصداء الرصاص، وثق رؤيته لجثث ملقاة على الأرض، بينما أعمدة الدخان ترتفع من مبانٍ ومنازل تحولت إلى رماد.

السويداء، التي كانت ملاذًا للدروز وغيرهم من أبناء المنطقة، لم تسلم من ويلات العنف الذي اجتاح مناطق سورية أخرى. ومنذ سقوط نظام الرئيس السابق تكررت مشاهد الاقتحامات العسكرية المصحوبة بانتهاكات فصائل مجهولة الهوية ترافق القوات الحكومية. في الساحل السوري شهدت الطائفة العلوية مصيرًا مشابهًا، حيث قتل المئات في هجمات استهدفت قوات الأمن، مع اتهامات وجهت لمجموعات مسلحة محسوبة على السلطات وجهاديين أجانب. واليوم يبدو أنّ السويداء تسير على الدرب ذاته، حيث تتكرر الفواجع وتتكدس الأسئلة بلا إجابات.

شهود على المذبحة

أحد السكان يروي، مختبئًا في منزله، كيف اقتحم مسلحون منزل صديقه، طردوا عائلته، وصادروا هواتفهم، ثم أشعلوا النار في البيت، يقول بحسرة: "كل شيء احترق، ذكرياتهم، ممتلكاتهم، أمانهم". شاهد آخر يخشى مغادرة منزله، يصف حالة الرعب التي تسيطر على المدينة: "عناصر مدنية مسلحة تنهب المحلات وتحرقها، وتطلق النار بشكل عشوائي". 

القوات الحكومية دخلت بحجة فض النزاع لكنها أوقدت نارًا جديدة أشعلت المدينة بانتهاكات واشتباكات لا ترحم

 

"كان يجب أن أهرب قبل أن يصلوا، لكن الآن أخشى أن يكون قد فات الأوان". هذه الكلمات، المحملة بالخوف واليأس، تعكس حال مدينة أصبحت رهينة العنف.

السويداء تتحول يومًا بعد يوم إلى نسخة دموية من مآسي سوريا الأخرى ولا أحد يوقف النزيف أو يجفف الدموع

 

مقاطع مصورة بثتها وكالة (فرانس برس) أظهرت مقاتلين، بعضهم بملابس مدنية، يلوحون بأسلحتهم في شوارع خالية، بينما يردد آخرون شعارات إسلامية، في مشهد يثير الذعر بين السكان. شريط آخر متداول على مواقع التواصل الاجتماعي كشف عن إعدامات ميدانية نفذتها قوات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. في مضافة آل الرضوان، قُتل مدنيون عزّل برصاص مباشر، في جريمة وثقتها صور دموية انتشرت كالنار في الهشيم، مثيرة غضبًا عارمًا بين أبناء المدينة.

شهود يروون قصصًا مروعة عن إعدامات ونهب وحرق دون أن يجرؤ أحد على ذكر اسمه خوفًا من بطش المسلحين

 

ريان معروف، رئيس تحرير منصة السويداء 24 المحلية، لم يجد كلمات كافية لوصف الوحشية التي شهدتها المدينة. في حديثه لوكالة (فرانس برس)، قال: "دخلت القوات الحكومية بحجة إعادة الأمن، لكنّها مارست أعمالًا وحشية. هناك تصفيات للمدنيين، وإن لم نتمكن من توثيق أرقام دقيقة، فالمسؤولية تقع على عاتق هذه القوات." كلماته تحمل اتهامًا صريحًا، لكنّها في الوقت ذاته تعبّر عن عجز المجتمع المحلي أمام آلة العنف التي لا تفرق بين عدو وصديق.

تناقضات السلطة

من جانبها، أصدرت وزارة الدفاع السورية بيانًا أعلنت فيه انتشار قوات الشرطة العسكرية في السويداء لـ "ضبط السلوك العسكري ومحاسبة المتجاوزين". وفي بيان آخر حذّرت وزارة الداخلية من أيّ "تجاوزات أو تعديات على الممتلكات العامة أو الخاصة"، مؤكدة أنّها ستتخذ "إجراءات قانونية صارمة" ضد المتورطين. لكنّ هذه البيانات، التي تبدو كمحاولة لامتصاص غضب الشارع، لم تقنع السكان الذين يرون فيها مجرد كلمات جوفاء أمام واقع دامٍ.

أم شاهدت أبناءها الثلاثة يُعدمون أمام عينيها دون أن تقوى على الصراخ ولا حتى البكاء فقط وقفت تتنفس الرعب

 

في هذا السياق يبقى السؤال معلقًا: إلى متى ستظل السويداء، ومعها سوريا، رهينة هذا العنف الذي لا يرحم؟ وهل ستجد المدينة يومًا طريقها إلى السلام، أم أنّها محكومة بتكرار هذه الفواجع؟ الإجابة، كما يبدو، تحمل الكثير من الأسى والدلائل التي تشير إلى غلبة سيناريوهات العنف لغة العقل والحكمة، في مرحلة انتقالية شابها الكثير من العوار وتصفية الحسابات.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية