هل يقطع التضييق الفرنسي على الإخوان شرايين تمويل فرعهم في تونس؟

هل يقطع التضييق الفرنسي على الإخوان شرايين تمويل فرعهم في تونس؟

هل يقطع التضييق الفرنسي على الإخوان شرايين تمويل فرعهم في تونس؟


05/06/2025

بدأت فرنسا مؤخرًا باتخاذ خطوات أكثر جرأة وحسمًا في مواجهة التيارات الإسلامية المتطرفة، وقد تركزت إجراءات الدولة الفرنسية على تفكيك البنية التحتية الفكرية والتنظيمية التي أنشأتها جماعة الإخوان داخل أراضيها، ودراسة حل الجمعيات المشبوهة، ومراقبة تمويل المساجد، وتضييق الخناق على الواجهات الثقافية والخيرية، التي تُستغل لأغراض دعوية وإيديولوجية.

وقد تصاعدت التحركات الفرنسية ضد الإخوان، على خلفية تقرير فرنسي رسمي حذّر من تغلغل الجماعة في مفاصل الدولة، مشيرًا  إلى خطورة ذلك على النمط المجتمعي الفرنسي.

ويرى التقرير أنّ تراجع نفوذ التنظيمات السياسية المرتبطة بـ "الإخوان المسلمين" في شمال أفريقيا، والقيود المفروضة عليها في دول المشرق، وتصنيفها كتنظيمات إرهابية في بعض البلدان، دفعها إلى تركيز جهودها على عدد من الدول الأوروبية.

التالي فإنّ هذا التغير في المزاج الرسمي الفرنسي لم يبقَ محصورًا في الدائرة المحلية، بل امتدت تأثيراته إلى الأطراف المرتبطة بالجماعة خارج فرنسا، وفي مقدمتها فرع الإخوان في تونس، أي حركة (النهضة)، التي  لطالما اعتبرت فرنسا حاضنة رمزية ولوجستية للعديد من القيادات والمنصات الفكرية التابعة للجماعة.

 اليوم، ومع انكماش هذا الحضور في المشهد الفرنسي، تتجه الأنظار إلى التداعيات المنتظرة على التنظيم الإخواني في تونس، في ما يخص قدرته على التمويل، والتعبئة، والدفاع عن شرعيته في الداخل والخارج.

 تصاعدت التحركات الفرنسية ضد الإخوان، على خلفية تقرير فرنسي رسمي حذّر من تغلغل الجماعة في مفاصل الدولة

شبكات التمويل والتعبئة تواجه خطر التفكك

وعلى مدار أعوام، لعبت الجمعيات والمراكز الإسلامية في فرنسا، التي تُدار في كثير منها من قِبل شخصيات محسوبة على الإخوان، دورًا مركزيًا في تمويل نشاطات الجماعة في تونس. 

هذا التمويل لم يكن دائمًا مباشرًا، بل كثيرًا ما مرّ عبر واجهات خيرية أو ثقافية تحت غطاء العمل الدعوي أو التضامن الإنساني.

وقد استفادت حركة (النهضة)، الفرع التونسي للإخوان، من هذه الشبكات لتغذية قواعدها، وتنظيم الفعاليات، وتوسيع أنشطتها الإعلامية، خصوصًا تلك الموجّهة للتونسيين المقيمين في الخارج. 

ومع تشديد السلطات الفرنسية الرقابة على التحويلات المالية ومحاسبة الجمعيات، تبدو هذه القنوات في طور الجفاف التدريجي، ممّا يضع الجماعة في تونس أمام أزمة موارد قد تتفاقم مع الوقت.

في السياق، يقول أستاذ العلوم الجيوسياسية في الجامعة التونسية رافع طبيب، لموقع (النهار):  إنّ فرنسا لم تكن فقط قاعدة للعمل الجماهيري، بل كانت أيضاً منطقة لتجميع الأموال التي استُثمرت في ما يُعرف بـ "اقتصاد الظل"، ويضيف أنّ "حركة (النهضة)، كغيرها من الحركات الإخوانية، تعتمد على المال لكسب الولاءات"، وأنّ "سنّ قوانين جديدة في فرنسا تُضيّق مصادر التمويل أو تفرض قيودًا على الجمعيات والشخصيات المرتبطة بالأخوان قد يقطع عنها شرايين التمويل، ممّا سيفقدها نفوذها وقدرتها على الاستقطاب أو شراء الذمم".

مع تشديد السلطات الفرنسية الرقابة على التحويلات المالية ومحاسبة الجمعيات، تبدو هذه القنوات في طور الجفاف التدريجي، ممّا يضع الجماعة في تونس أمام أزمة موارد قد تتفاقم.

تفكك المنظومة الدعوية والإعلامية العابرة للحدود

هذا، وتمكّنت جماعة الإخوان، عبر عقود، من تشكيل شبكة إعلامية وفكرية مؤثرة انطلاقًا من أوروبا، وخاصة من فرنسا، حيث اللغة المشتركة والتواجد المغاربي الكثيف شكّلا أرضية خصبة للعمل، فيما ساعدت مراكز بحث ومواقع إلكترونية ومنابر ناطقة بالفرنسية الجماعة في بناء سرديتها كحركة "معتدلة" ومظلومة من الأنظمة.

غير أنّ الحملة الفرنسية الأخيرة، التي تُدرج الإسلام السياسي ضمن تهديدات الأمن القومي، تؤدي إلى انكماش هذا الفضاء. 

المنصات الإعلامية الإخوانية تجد نفسها اليوم في وضع دفاعي، ملاحقة بالتدقيق والتمويل المشبوه، ممّا يحرم فرع تونس من الدعم الخطابي والمرجعي الذي كان يُستخدم للترويج لصورته في الخارج، خصوصًا في لحظات التأزّم.

وتحتفظ الحركة بحضور ملموس في فرنسا، من خلال فرعها النشط، أو عبر قياداتها حاملة الجنسية الفرنسية أو المقيمة هناك، إضافة إلى من لجؤوا إلى هذا البلد الأوروبي بعد أحداث 25 تموز (يوليو) 2021.

كذلك، تؤثر الحركة في أوساط الجالية التونسية بفرنسا، وهي الكبرى بين الجاليات التونسية في الخارج، سواء من خلال تنظيم المؤتمرات واللقاءات أو عبر توظيف وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل مع أنصارها.

 تقلص المساحة الآمنة لقيادات الخارج

وبعد 25 تموز (يوليو) 2021 اتّجه الكثيرون من قيادات الإخوان التونسيين إلى الخارج، ووجد بعضهم ملاذًا في فرنسا، بفضل وضع قانوني سابق أو علاقات سياسية مع مراكز إسلامية فرنسية. لكنّ هذه "المنافي الآمنة" أصبحت مهدّدة مع تغير المقاربة الأمنية والسياسية الفرنسية.

فمنذ قانون "مبادئ الجمهورية" لعام 2021، صارت الدولة الفرنسية أكثر تشددًا في تعقب النشاط الإسلامي المؤدلج، وبات من الممكن سحب الإقامة أو طرد الأفراد على خلفية الانتماء الإيديولوجي.

بعد 25 تموز (يوليو) 2021 اتّجه الكثيرون من قيادات الإخوان التونسيين إلى الخارج

هذا التطور يقلّص قدرة الإخوان على إدارة معاركهم من الخارج، ويضرب "القيادة الدولية" التي كثيرًا ما تنشط من باريس أو ضواحيها.

 ارتدادات جيواستراتيجية داخل تونس

ولا يخفى أنّ فرنسا تحتفظ بدور مؤثر في الشأن التونسي، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو من خلال الضغط على المنظمات الدولية. 

ومع تبنّي باريس خطابًا أكثر وضوحًا تجاه الإسلام السياسي، سيجد فرع الإخوان في تونس نفسه في موقع أضعف إقليميًا، وقد لا يحظى بالحماية  نفسها أو بالتوازن الذي كان متاحًا سابقًا.

وبالتالي، فإنّ هذا التحول الفرنسي يفتح المجال أمام تصاعد قوى وطنية علمانية أو سيادية، تستغل هذا الانكماش لبناء خطاب جديد حول استعادة الدولة من قبضة "المشروع الإخواني". وهذا يفسّر جزئيًا الخطاب المتصاعد في تونس ضد "العملاء" و"الأجندات الخارجية"، في سياق سحب الشرعية من كل ما يمتّ للإسلام السياسي بصلة.

يُذكر أنّ التقرير الفرنسي أشار أيضًا إلى انحسار نفوذ حركة (النهضة) في تونس خلال الأعوام الأخيرة، وإلى تقلّص تأثير "الأخوان" في شمال أفريقيا، بعد اتساع نفوذهم خلال مرحلة الربيع العربي.

ومع ذلك، يشدد على استمرار وجودهم من خلال شبكات دولية وإقليمية، خاصة تلك التي لها صلات بتركيا وقطر.

وفي أعقاب أحداث عام 2021 تراجعت مكانة حركة (النهضة) في تونس، وتمّت ملاحقة أبرز قيادات الصفين الأول والثاني بتهم تتعلق بالإرهاب وتبييض الأموال، كما أُغلقت مقراتها ومُنع تنظيم تجمعاتها، في وقت تعالت فيه الدعوات لحظرها بالكامل.

ويجمع مراقبون على أنّ انحسار نفوذ جماعة الإخوان في فرنسا لا يُعدّ مجرد مسألة داخلية فرنسية، بل هو تحوّل له أبعاد عابرة للمتوسط. وأنّ الفرع التونسي، بارتباطه المالي والإيديولوجي والإعلامي بفرنسا، سيتأثر سلبًا وعلى أكثر من مستوى.

واعتبروا أنّه فصل جديد من العزلة السياسية والتجفيف الاستراتيجي، قد يعجّل بإعادة رسم ملامح المشهد السياسي التونسي دون حضور فاعل للجماعة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية