حركة النهضة في تونس: تهم بتأسيس جهاز سري واغتيالات محتملة

تونس

حركة النهضة في تونس: تهم بتأسيس جهاز سري واغتيالات محتملة

مشاهدة

28/01/2019

بعد أعوام طويلة على جرائم الجهاز السري للإخوان المسلمين في مصر المعروف بالنظام الخاص، إبان ظهور عبد الرحمن السندي كرجل ظلٍ آنذاك، ظهرت في تونس مؤخراً تقارير تتهم حركة النهضة في تونس بتشكيل جهاز سري مماثل، رُمز إليه بـ"الغرفة السوداء".

اقرأ أيضاً: المرزوقي يغازل النهضة بحثاً عن تحالف يعيده للسلطة
والخطير في "الغرفة السوداء"، ودوافع وجودها، يكمن في التهم الموجهة إلى حركة النهضة حتى الآن، بالاشتباه باغتيال المناضل التونسي شكري بلعيد في العام 2013، بصفته خصماً سياسياً لجماعة الإخوان، إضافة إلى النائب في البرلمان محمد البراهمي، وهو سياسي قومي وناشط في تونس بعد الثورة، وكلا الضحيتين، كانا على اختلاف سياسي مع النهضة إبان حكمها تونس في 2013.

وثائق يلفها الظلام
في السادس من شباط (فبراير) العام 2013، صُدمَ التونسيون بخبر اغتيال الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد، وأحد أشدّ المنتقدين لأداء الحكومة الإئتلافية في تونس في العام 2013، المناضل شكري بلعيد، حيث اغتاله مجهولون أمام منزله بحي المنزه شمال العاصمة تونس، لتعم البلاد مظاهراتٌ عارمة بعد ذلك، مطالبةً بالكشف عن قتلته.

خلال حكم حركة النهضة لتونس تم اغتيال اثنين من أهم المعارضين لسياساتها هما بلعيد والبراهمي

ولم تكد تمضي أربعة أشهر، حتى تم اغتيال النائب المعارض للحكومة الائتلافية التونسية محمد البراهمي. وهكذا، ظهرت في مرحلة حكم حركة النهضة العام 2013 ضحيتان معارضتان لسياساتها، لكن "سرعان ما تم اتهام تنظيم داعش الإرهابي باغتيالهما"، وقالت الحكومة التونسية الائتلافية فيما بعد، أنّ أجهزة الأمن تمكنت من قتل منفذ الاغتيالات في عمليةٍ أمنية، والمعروف باسم كمال القضقاضي، وفقاً لما نشره موقع "الحرة" بتاريخ 4 شباط (فبراير) 2014، إذ بدا بعد ذلك أنه تم طي ملف اغتيال بلعيد، بعد مقتل المتهم الرئيسي باغتياله.
غير أنّه منذ ذلك الحين، بقيت الشكوك حول اغتيال بلعيد والبراهمي قائمة، دونَ أي أدلةٍ تعزز هذه الشكوك، إلى أن حلّ العام 2018، وأثيرت القضية من جديد، بفضل فريق هيئة الدفاع عن الضحيتين بلعيد والبراهمي؛ إذ كشف الفريق التونسي الحقوقي عن "وجود معلومات ووثائق تفيد بضلوع حزب حركة النهضة في إدارة تنظيم أمني سري، مهمته ممارسة التجسس واختراق مؤسسات الدولة، وملاحقة خصوم الحزب، كما تحدث عن أدلة تثبت علاقته بتصفية المعارضين السياسيين العام 2013"، بحسب ما نقلته صحيفة "الحياة" في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018.

اقرأ أيضاً: الدعوة إلى إضراب في تونس.. وحركة النهضة توضّح موقفها

بلعيد والبراهمي

وبحسب موقع "فرنسا 24"، فإنّ هذه الوثائق "ضمت معلوماتٍ حول شخصٍ يدعى مصطفى بن خضر، لعب دوراً في جمع معلومات ذات طابع استخباراتي عبر "تنظيم خاص" و"سري". وهذا "الجهاز الموازي" يسعى إلى اختراق المؤسسة العسكرية والأمنية، وجمع معلومات حول الصحافيين، وله ارتباطات بتنظيم "أنصار الشريعة" المحظور، إضافة إلى علاقات خارجية. فالوثائق حسب الهيئة تكشف علاقات هذا "التنظيم" بالمخابرات الإيطالية وأنّه توسط أيضاً في إطلاق سراح أحد الصحافيين الإيطاليين كان محتجزاً في سوريا".

بعد 5 أعوام على اتهام داعش باغتيال بلعيد والبراهمي تم كشف علاقة محتملة لحركة النهضة

كما أضاف المصدر ذاته، بتاريخ 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2018، أنّه جاء في تقرير هيئة الدفاع عن الضحية بلعيد أنّ "من أدوار هذا "الجهاز الخاص" بناء منظومة أمنية موازية واستقطاب القضاة وتتبع العسكريين، إضافة إلى التعاون مع "الإخوان المسلمين" المصرية والحصول على معلومات عن المؤسسة العسكرية الجزائرية وشركة الغاز التابعة لها".
ولكن الكشف عن هذه الوثائق، والمطالبات بالوصول إلى أدلةٍ أخرى حولها، وإلى ما تضمه من معلومات، ووجه بمقبرةٍ سرية مغلقة، هي غرفة في وزارة الداخلية التونسية، سُميت وفق المصدر ذاته بـ"الغرفة السوداء" بسبب منع الاقتراب منها، كما وُصفت أنها "مدفن لأسرار ووثائق حركة النهضة وعمليات تجسسها إبان حكمها في 2013".

اقرأ أيضاً: إياكم وحرباء حركة النهضة
وفي حينه، ووفقاً لموقع "فرانس 24"، نفت الحركة باسم رئيسها ومؤسسها راشد الغنوشي، أن تكون "تدخلاتها في المعارضة أكثر من سياسية، فهي كانت تعمل فقط على تحديد إن كان بعض الأشخاص صالحين لمناصب سياسية أو  غير صالحين، وفي الإطار السياسي فقط". كما أكدت حركة النهضة لاحقاً، أنّها "تنفي وجود أي جهاز سري"، وأدانت ما أسمته أساليب المغالطة والتضليل التي تتهم هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي باعتمادها. وأبدت النهضة أسفها أن "يكون البرنامج الوحيد للجبهة الشعبية هو الاستثمار في دماء الشهيدين للتغطية على فشلها المتواصل في المحطات الانتخابية السابقة وعجزها عن تقديم برامج جدية للشعب التونسي".

ينفي الغنوشي أي تهمة موجهة لحركته

لكن تداعيات ما كشفه فريق الدفاع عن الضحيتين استمرت في تونس، ولم تتوقف؛ حيث تم في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 2018،  عقد جلسة استجواب في البرلمان التونسي لوزير الداخلية هشام الفوراتي، ووزير العدل محمد كريم الجموسي، لتتحول جلسة الحوار إلى جلسة لتبادل الإتهامات بين الكتل البرلمانية وخصوصاً كتلة الجبهة الشعبية التي يعد بلعيد أحد مؤسسيها، وكتلة حركة النهضة، بحسب موقع "يورابيا"، ثم بدأت خيوطٌ عديدة تتكشف بحلول العام 2019، وهي تقود إلى معلوماتٍ خطيرة ربما تثبت ضلوع حركة النهضة باغتيال بلعيد والبراهمي.

كشف المستور
"لندع القضاء يعمل"، كانت عبارةً تونسيةً شهيرة نطق بها عدة مسؤولين لوكالات الأنباء حول قضية الضحيتين بعدما ارتفع الجدل بشأنهما في تونس العام 2018. لكن عمل القضاء هذا ربما أخذ يتعرض لمضايقاتٍ سياسية، ومعارك كسر إرادة، وتغطياتٍ سياسية مشبوهة، قد تكون لحركة النهضة أدوار رئيسية فيها، حيث نقل موقع "نسمة" التونسي بتاريخ 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2018، وجود "عددٍ  من القيادات الأمنية والسياسية القريبة من حزب حركة النهضة تمارس ضغوطاً متزايدة لفتح الغرفة السوداء والعبث بمحتوياتها وإتلاف وثائقها، إضافة إلى البطء القضائي في الاستجابة للقضية، دون معرفة من وراء هذا البطء، ولماذا لم يصدر إذن قضائي بالكشف عن محتويات هذه الغرفة".

مصطفى خضر المتهم الرئيسي باغتيال البراهمي كان على علاقة مع راشد الغنوشي وفق وثائق ومصادر إعلامية

وهو ما حصل فعلاً فيما بعد، رغم كل المحاولات العكسية لإفراغ قضية الاغتيال وعلاقتها بحركة النهضة من مضامينها. إذ أخذ القضاء التونسي يسرع من عمله في القضية، وسادت أنباء عن معلوماتٍ مؤكدةٍ بوجود علاقةٍ بين المدعو "مصطفى خضر، ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، وكذلك رئيس كتلة حركة النهضة في البرلمان التونسي نور الدين البحيري، وأن الثلاثة كانوا على اتصالٍ ببعضهم البعض" وفقاً لتقرير نشره موقع "الشرق الأوسط" في 9 كانون الثاني (يناير) 2019.
وهو ما جعل القضاء التونسي أخيراً، يوجه "تهمة القتل العمد لمشتبه به مقرب (مصطفى خضر) من حزب حركة النهضة الإسلامية الشريك في الائتلاف الحاكم، بحسب ما أعلنت هيئة الدفاع في قضية اغتيال السياسيين المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي"، وفق "الشرق الأوسط".

اقرأ أيضاً: ورقة جديدة بيد النهضة لإثارة الفوضى في تونس.. ما هي؟!

هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي كشفت وثائق واتهمت النهضة بوجود تنظيم سري يتبع لها

وسارعت حركة النهضة، لنفي التهم، والدخول في خلافاتٍ سياسيةٍ عميقة "مع  الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الذي استقبل ممثلين عن هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي. وكان السبسي قد أعلن صراحة أنّ النهضة هددته لاستقباله وفداً عن الهيئة ولوح بمقاضاة الحركة"، حسب المصدر نفسه.

اقرأ أيضاً: هل كانت التيارات السياسية العربية جزءاً من مشروع النهضة يوماً؟
ويبدو من غير الواضح حتى الآن، إن كان ما تبقى من وثائق صادرها القضاء التونسي أخيراً من "الغرفة السوداء"، سوف تساهم في بنائه لأحكامٍ قضائيةٍ لاحقاً، بحق أي متهمٍ باغتيالٍ كلٍ من بلعيد والبراهمي، مهما كانت صفته السياسية أو الحكومية. خصوصاً في فترة حكم النهضة العام 2013. إذ تشير معظم المعلومات إلى وجود علاقاتٍ مشبوهة بين النهضة والتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، تتعدى كونها مجرد علاقات أيديولوجية.

الصفحة الرئيسية