
تُعنى إيران منذ صعود الخميني إلى الحكم إبّان تدشين الجمهورية الإسلامية عام 1979 بمحاولة أن تكون لها أذرع ممتدة في مناطق عديدة بالشرق الأوسط والخليج كما في أوروبا، والولايات المتحدة. لأنّ عسكرة السياسة الخارجية عبر بناء الميليشيات لحماية مصالحها، بينما تطوق بلداناً تقع ضمن مشروعها الإيديولوجي "الهلال الشيعي"، كما هو الحال مع الحوثي باليمن ومماثلهم في سوريا والعراق ولبنان، لم تكن النسخة الوحيدة أو النهائية أو التكتيك الذي تعمد إليه، بل لجأت إلى تطويع المراكز الثقافية الدينية بدورها التنموي والدعوي، لتكون قوة ناعمة لها حمولاتها السياسية والأمنية، وتتبنّى خططاً مختلفة قد تتخطى ما هو ظاهري، أو بالأحرى تتخفى في الجانب الدعوي إلى ما هو عسكريتاري وله طابع خشن.
وتراكم المراكز الثقافية في الغرب مجموعة من الآليات التي تهدف إلى ترويج نسخة من الإسلام، وتحديداً الإسلام الشيعي، بنسخته المؤدلجة ورؤيته الخمينية، وتعميمها بين الجاليات العربية والإسلامية، بحيث يصبح أفرادها حوامل اجتماعية لأفكار "الولي الفقيه"، وتؤدي إلى مزيد من الانعزالية الإسلاموية عبر تكوين جيتوهات بالغرب ومجتمعات موازية انفصالية، تخرج منها "ذئاب منفردة" تهدد القيم الديمقراطية وتبدد العلاقات المدنية والمواطنية في البيئات الليبرالية بالعواصم الأوروبية. وهي تقاطعات تصنعها التيارات الإسلاموية السنّية والشيعية. وفي ظل الاستقطاب الحاد الذي خلفته الحرب في غزة منذ هجمات حماس في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، ظهرت حوادث عديدة في هذا السياق المحتدم، وقد باشرت المجموعات الإسلاموية بحواضنها أو حواملها الاجتماعية المسيسة والمؤدلجة في الضغط على الغرب وابتزازهم، ومحاولة تغيير مواقفها من حماس في حربها ضد إسرائيل.
وفي هذا السياق السياسي، الإقليمي والدولي، جاء قرار وزارة الشؤون الداخلية في هامبورغ الذي بعث به لرئيس المركز الإسلامي في هامبورغ محمد هادي مفتح، بضرورة مغادرة ألمانيا في غضون أسبوعين، وذلك بما لا يتخطى منتصف أيلول (سبتمبر) العام الماضي، أو السجن مدة (3) أعوام. وسبق ذلك الإجراء قيام وزارة الداخلية الألمانية إغلاق كافة المراكز الإسلامية المرتبطة بطهران، ويبلغ عددها نحو (52)، ومصادرة كافة ممتلكاتها، وتوجّه إلى المركز عدة اتهامات منها "الترويج لإيديولوجية النظام الإيراني، ودعم حزب الله اللبناني، والعمل ضد الدستور الألماني". وتكشف الوثائق التي بحوزة الداخلية الألمانية من المركز الإسلامي أنّ رئيس حزب الله يحصل على تعليماته بشكل مباشر من المرشد في طهران علي خامنئي، فضلاً عن اتصالاته بنائب مدير الاتصالات والشؤون الدولية في مكتب المرشد الإيراني، مهدي مصطفوي، بوساطة تطبيق (واتساب). وبلغ حجم الاتصالات بين الطرفين أكثر من (650) رسالة في الفترة بين عامي 2021 و2023. وهذا القرار يتزامن وإلحاح نواب البوندستاغ بضرورة إغلاق المركز لارتباطاته المشبوهة بحزب الله الذي يشكل جبهة إسناد لحركة حماس.
وسبق للمركز الإسلامي الذي يُعدّ الأقدم والأكثر شهرة في ألمانيا من الناحية التاريخية، ويعود إلى عام 1953، أن خضع لمراقبة الاستخبارات الألمانية في فترات متبانية ولمدة غير قليلة، نظراً للشبهات التي تحوم حول الأدوار المعني بها والتي يؤديها. فقبل (3) أعوام كانت إدارة الأمن الداخلي قد كشفت عن وثائق بأنّ المركز المعروف باسم "مسجد الإمام علي" يتجاوز صلاته المباشرة والعضوية بالمرشد الإيراني إلى كونه "أحد أهم مؤسسات نظام الملالي في أوروبا". وفي العام الماضي تم طرد مساعد رئيس المركز بدعوى تواصله مع أعضاء في ميليشيات حزب الله اللبناني المصنف جماعة إرهابية في ألمانيا.
في المقابل، قامت إيران بإغلاق مدرسة بشكل تعسفي تابعة للسفارة الألمانية، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية "ميزان" التابعة للقضاء، مشيرة إلى وجود "فرعين لمراكز غير قانونية تابعة للحكومة الألمانية"، "ارتكبا العديد من الأعمال غير القانونية والانتهاكات المالية الواسعة النطاق". وعقّب الناطق بلسان وزارة الخارجية الألمانية بقوله إنّ بلاده قامت باستدعاء السفير الإيراني، وأدانت ممارسات السلطة بطهران، مشيرة إلى أنّ المعهد هو "مكان لقاء شعبي ومعترف به"، ويهدف إلى "تعزيز العلاقة بين الناس في إيران وألمانيا".
إذاً، تتخطى أدوار المراكز والدعوية الإيرانية بالغرب مجرد كونها هيئات ثقافية أو دينية، بل هي إحدى الأدوات الاستراتيجية لإدارة القوة الناعمة و"الصلبة" لملالي طهران. وتتيح هذه المراكز مرونة في العمل وتلقي الأموال بشكل شرعي. فضلاً عن دخولها حيزاً آخر يتعلق بتشكيل إكراهات على المعارضة، سواء كان ذلك بطرح مقولات وخطابات لمزايحة مقاربة الخصوم السياسيين والإيديولوجيين، أو اتخاذها كقاعدة لمراقبة هؤلاء، وحتى تدبير خطط الاعتداء عليهم، الأمر الذي يرتبط بدور مماثل للسفارات والقنصليات الإيرانية التي لا تكفّ عن خطف المعارضين وإعادتهم قسراً لطهران، وخضوعهم لمحاكمات صورية تنتهي بهم إلى الإعدامات، كما حدث مع علي رضا أكبري المسؤول السابق بوزارة الدفاع، والصحفي روح الله زم، ومحاولات عديدة لتهديد الناشطة الإيرانية الأمريكية مسيح علي نجاد.
وقد سبق لـ "منتدى الإيرانيين الأمريكيين" أن كشف في تقرير عن اعتبار تلك المراكز مقرات لفيلق القدس، وهو ما يجعل الحدود الفاصلة بين الدور الثقافي أو الديني والدعوي التعبوي، والعسكري الأمني، مجرد خطوط وهمية في دائرة أهداف "الولي الفقيه". وتولي طهران أهمية قصوى لهذا الدور، الأمر الذي يتضح مع النفقات التي يتم تخصيصها في الموازنة العامة رغم العجز والتضخم بالسنوات الأخيرة، وقد رصد قبل عام نحو (49) ألف مليار تومان لتغطية تكاليف القطاع القضائي، ونحو (31.5) ألف مليار تومان لدعم القطاعات الثقافية والسياحية، في حين ذهب نحو (116) ألف مليار تومان منها لتغطية قطاعات ثانوية أخرى، حسبما يشير مركز الإمارات للسياسات.
وعليه، فقد نجحت إيران في تحقيق بعض أهدافها في مدّ الصلة مع المجتمعات الشيعية على الساحة الأوروبية، وتأسيس ودعم المراكز الشيعية للنهوض بهذا الدور، فضلاً عن أدوار أخرى تخدم النظام الإيراني وتوجهاته الإيديولوجية والسياسية بعد الثورة، ويمكن تقييم ذلك من خلال "المهمة التبشيرية والترويج لولاية الفقيه"، وباتت هذه المراكز بمثابة "بؤر جذب لعموم الشيعة في بعض البلدان الأوروبية"، وذلك من خلال ما تقدّمه هذه المراكز من دور رعوي وخدمات متعددة، منها على سبيل المثال: إنشاء المدارس الخاصة لتعليم الأطفال، وربطها بالمؤسسات الدينية في إيران كالحوزات العلمية وجامعة المصطفى، ثم تنظيم المعسكرات الرياضية والتعليمية في الصيف، وتنظيم الرحلات لزيارة إيران وتحديداً المؤسسات الثقافية والتعليمية والدعوية، وتقديم تسهيلات للحجاج إلى الأماكن المقدسة والمزارات الدينية في إيران والعراق وسوريا، ولا تتوقف المهام التبشيرية على الشيعة، بل تستهدف السنّة أيضاً في بعض البلدان الأوروبية، عبر استغلال ضعف روابطهم بوطنهم الأم وحالة الفراغ الديني والروحي داخل المجتمعات الغربية، وتقوم هذه المراكز بترجمة أمهات الكتب الشيعية بلغات البلدان الأم لاستهداف عدد من المواطنين في هذه الدول وتشييعهم، حسبما يوضح الباحث المختص بالشأن الإيراني محمود أبو القاسم.
ويوضح أبو القاسم في كتابه: "إيران والمراكز الشيعية في أوروبا" أنّ المراكز الشيعية من خلال دورها داخل بعض الدول في خلق علاقات مع بعض المسؤولين ومع بعض المؤسسات والشخصيات المؤثرة، فضلاً عن حصولها على تمويل من بعض هذه الدول لخدمة أهدافها المتنوعة، وظفت هذه العلاقات في بناء شبكة مصالح استفادت منها إيران على أكثر من مستوى، سواء ما يتعلق بدور هذه المراكز الدعوي أو الرعوي. كما استفادت منه سياسياً من خلال صلات وثيقة مع بعض الساسة والمؤثرين في مراكز صنع القرار بهذه الدول، وكذلك في العلاقة مع بعض المؤسسات الأكاديمية والبحثية.
فضلاً عن توفير شبكات أمنية لتنفيذ المهام الاستخباراتية والأمنية وتعقب المعارضين لإيران، وقد لعبت المراكز الشيعية دوراً من خلال تجنيد بعض العناصر الأمنية والاستخباراتية في هذه المراكز بهدف تنفيذ الأجندة الأمنية والاستخباراتية لإيران، وفق أبو القاسم في الكتاب ذاته، ثم توفير شبكة مذهبية للتغلغل في بلدان العالم الإسلامي. وأبرز الأمثلة على ذلك دور المتشيعين المغاربة في بلجيكا في نشر التشيع بالمغرب، ومحاولة التأثير على الهوية الدينية للمجتمع وتهديد أمنه الديني من خلال النشاط الشيعي القادم عبر هذه العناصر في بعض المدن المغربية.
غير أنّ أوروبا التي تتوافر فيها بيئة قانونية تسمح للجمعيات والمؤسسات غير الحكومية بممارسة أنشطتها بحرّية، قد عاودت بعض عواصمها "لتقييم سياساتها تجاه هذه المراكز، لا سيّما مع تنامي الخوف من انتشار العنف وتهديد الأمن والاستقرار الداخلي في هذه الدول". وبعكس إيران التي تأثرت سياساتها تجاه أوروبا، بصورة أكبر، بالمنظور الديني والسياسات الإيديولوجية، فإنّ وجهة نظر أوروبا في التعاطي مع إيران تبلورت من منظور جيواستراتيجي وأمني، لهذا كان تركيز السياسة الأوروبية تجاه إيران على احتواء طموح إيران النووي. في المقابل لم يُعطِ الأوروبيون الاهتمام اللائق للاعتبارات الإيديولوجية التي تُعدّ المحرك الأساسي لكل سياسات إيران الخطرة، بما فيها نشاطها على الساحة الأوروبية بين الشيعة من خلال المراكز الشيعية الإيرانية".



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)