أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟

الأكراد

أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟

مشاهدة

15/10/2019

إثر انهيار الدولة العثمانية، في أعقاب هزيمتها بالحرب العالمية الأولى، تعالت دعوات الشعوب والقوميات، في عموم المناطق التي كانت تابعة لها، للاستقلال ونيل حقّ تقرير المصير، وكان من بينها الأكراد، في مناطق شرق الأناضول وشمال جبال زاغروس، الذين حرصوا على إيفاد ممثل لهم في مؤتمر الصلح بفرساي، عام 1919، وكان لهم نيل خطة لإقامة دولة كرديّة مقترحة، لكنّ الأحداث تسارعت وتبدّد الحلم وخاض الأكراد في كلّ قُطر صراعاً طويلاً مع الحكم المركزي، لكن مصير الأكراد في العراق كان الأفضل؛ باعتبارهم الأكثر قرباً من تحقيق حلم الاستقلال، فكيف كان ذلك؟
ثورات متتالية ومملكة غير معترَف بها
في العراق، الواقع بحسب اتفاقية سايكس بيكو ضمن مناطق الإدارة البريطانية، في أيار (مايو) من عام 1919، بادر القائد الكردي، محمود الحفيد البرزنجي، إلى إعلان استقلال الأجزاء الكرديّة من ولاية الموصل تحت قيادته، واتخذ السليمانية عاصمة له، لكنّ بريطانيا رفضت مبادرة البرزنجي، وأرسلت قوّاتها مباشرة للقضاء على حكمه.

رفضت الحكومة العراقية في عهد عبد الكريم قاسم مطالب كردية بالحكم الذاتي باعتبارها تمثّل تهديداً لوحدة العراق

وبعد تأسيس المملكة العراقية، وتنصيب الملك فيصل الأول ملكاً عليها، عام 1920، بدأت تُطرح مسألة حسم مصير ولاية الموصل، في ظلّ مطالبات وتطلعّات تركية لها، إضافة إلى استمرار المناخ الذي كانت توفّره معاهدة سيفر، بالحديث عن خطة لإقامة دولة كردية في المنطقة، كلّ ذلك دفع البرزنجي إلى محاولة استغلال الأوضاع، والقيام بثورة كرديّة جديدة، في تشرين الأول (أكتوبر) 1921، سرعان ما جاء التصدي البريطاني لها.
لم ييأس البرزنجي وعاد للمبادرة في العام التالي، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1922؛ أعلن البرزنجي نفسه ملكاً في السليمانية، والمناطق المحيطة بها، معلناً بذلك تأسيس مملكة كردستان المستقلة، واستمرت المملكة غير المعترف بها دولياً قرابة السنتين، وفي تموز (يوليو) 1924 قامت القوّات البريطانية بالقضاء عليها.

محمود الحفيد البرزنجي.. أعلن قيام مملكة كرديّة تحت قيادته

وفي عام 1925؛ قضى مجلس عصبة الأمم بضمّ ولاية الموصل للمملكة العراقية بشكل نهائيّ، منهياً أطماع الدولة التركيّة بها، وليتم التأكيد بذلك على اعتبار الأكراد المتواجدين فيها جزءاً من المملكة العراقية.
وبعد توقيع رئيس الوزراء العراقي، نوري السعيد، المعاهدة العراقية الإنجليزية، في آب (أغسطس) 1930، وتزايد الشعور بالتوجه نحو استقلال المملكة العراقية وتثبيت حدودها، تصاعدت الاحتجاجات الكردية، وقام محمود الحفيد من جديد بتحشيد قوّات كرديّة والاستقلال بالسليمانية ومحيطها من جديد، وأرسل مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني يخطره فيها باتخاذه قرار إنشاء دولة كرديّة مستقلة، وتمكّنت القوات العراقيّة من جديد، مدعومةً من الإنجليز، من إلحاق الهزيمة به.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
وفي العام ذاته؛ قام القيادي الكردي الآخر، أحمد البرزاني، زعيم عائلة البرزاني الحاكمة في دهوك منذ العهد العثماني، بتوحيد العشائر الكرديّة والإعلان عن الثورة على الحكم العراقي، فتصدّى الجيش العراقي له.
وفي العام التالي؛ 1932، أعلن عن استقلال المملكة العراقية وتثبيت حدودها، ليتم بذلك القضاء تماماً على إمكانيّة الاعتراف بأيّ دولة كرديّة مستقلّة ضمن حدود المناطق الكرديّة في العراق.

مملكة الكردستان (باللون الأصفر).. استمرت قرابة العامين

عام 1943؛ حاول مصطفى البارزاني، الشقيق الأصغر لأحمد البارزاني، القيام بثورة كرديّة مستغلاً تراجع قبضة القوات البريطانيّة مع انشغالها في معارك الحرب العالمية الثانية، لكنّ الثورة هذه فشلت أيضاً، ونُفي مصطفى البارزاني إلى إيران؛ حيث انخرط مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وشارك في الإعلان عن استقلال جمهورية مهاباد، عام 1946، قبل أن يتم القضاء عليها، عام 1947، ليلجأ بعد ذلك إلى الاتحاد السوفييتي.
عودة.. وبداية حوار متعثر
عام 1958؛ قامت ثورة الضباط الأحرار بقيادة عبد الكريم قاسم على حكم الأسرة الهاشمية في العراق، وجاء الإعلان عن قيام الجمهورية العراقية، وبادر قاسم بالإعراب عن حسن نواياه تجاه قضية الأكراد، ووجه الدعوة إلى البارزاني للعودة إلى العراق، وهو ما كان، وإثر ذلك؛ بدأت المناقشات بين الطرفين حول إعطاء الأكراد بعضاً من الحقوق القومية.

وقّعت بغداد وطهران اتفاقيّة الجزائر عام 1975 التي تضمّنت توقف إيران عن تقديم أيّ دعم للأكراد

وكان الأكراد يرفعون مطالب إعلان الحكم الذاتي، وأن تصرف معظم عائدات النفط المستخرجة في مناطق الموصل وكركوك في مخصصات المحافظات الكردية، وأن يكون عناصر الشرطة والجيش في المحافظات الكردية من الأكراد بالكامل، إضافة إلى تشكيل حكومة محليّة تتولى مهام الإشراف على التعليم والصحة وكافّة الشؤون البلديّة في تلك المحافظات. وقد رفضت الحكومة العراقية هذه المطالب باعتبارها تمثل تهديداً لوحدة العراق، وبذلك جرى الانتقال سريعاً من مرحلة الحوار إلى شكل ومرحلة جديدة من الصراع العراقي - الكردستاني، مع إرسال قوات عراقية للقيام بحملة عسكريّة ضدّ معاقل القوات المناصرة للبارزاني، وفي أيلول (سبتمبر)؛ اندلعت الثورة الكرديّة التي عرفت بـ "ثورة أيلول"، عام 1961.

الملا مصطفى البارزاني بين المقاتلين الأكراد

ثورة مستمرة
مع انتقال البارزاني إلى العراق؛ انتقل معه الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي بدأ النشاط بين الأكراد في العراق واستلم دور القيادة بدءاً من ثورة العام 1961.
ومع وصول عبد السلام عارف إلى الحكم، عام 1963، إثر الانقلاب على قاسم، ومن ثم قيام حركة الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) التصحيحية في العام ذاته، وصل إلى الحكم تيار جديد آمن بضرورة وقف الصراع مع الأكراد، فاتجه رئيس الوزراء العراقي آنذاك، طاهر يحيى، إلى إيقاف العمليات العسكرية، وتم التوصل إلى اتفاق العاشر من شباط (فبراير) عام 1964، والذي قضى بإعادة إدارات الحكم المحلي لمناطق الأكراد، ومنحهم الحقوق الثقافية، وإقرار مشاريع اعادة التعمير بالمناطق الكرديّة، لكنّ تعنّت وزير الدفاع، عبد العزيز العقيلي، أدّى إلى تجدد الاشتباكات عام 1965.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
وفي نيسان (أبريل) 1966؛ توفّي الرئيس عبد السلام عارف، وتولّى الرئاسة شقيقه عبد الرحمن عارف، الذي أعاد المفاوضات من جديد، وفي حزيران (يونيو) 1966؛ أذاع رئيس الوزراء العراقي، عبد الرحمن البزاز، برنامجاً حول القضية الكردية، تضمّن اعتراف الحكومة العراقية بالقوميّة الكردية، وترجمة ذلك عبر تفعيل نوع من اللامركزية في الحكم؛ حيث يكون للمحافظات الكردية مقدار أكبر من الحكم الذاتي، وإقرار تمثيل الأكراد في البرلمان بممثلين، بحسب نسبتهم المئوية من السكان، وكذلك تمثيلهم بالتناسب في إدارة الدولة والسلك الدبلوماسي والجيش، مع السماح بالنشاط السياسي والصحافة السياسة الكرديّة.
اتفاقيّة للحكم الذاتي
وفي تموز (يوليو) عام 1968؛ حدث انقلاب حزب البعث، بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين، وبسبب عدم جديّة الحكم الجديد بتنفيذ التعهدات تجاه الأكراد، تجددت الاشتباكات في تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام، وفي أيار (مايو) 1969؛ أبدت الحكومة العراقية رغبتها من جديد بإيجاد حلّ عادل للقضية الكرديّة، فأصدرت عفواً شاملاً عن جميع الأكراد المشاركين في أعمال القتال، وقامت بإصدار قانون المحافظات الذي تضمّن إقرار لا مركزيّة الإدارة المحليّة، كما تمّ إنشاء جامعة السيلمانيّة، وفتح مجمّع علميّ كرديّ، وإنشاء مديريّة الثقافة الكرديّة، وجُعِل عيد النيروز عيداً وطنياً في البلاد.

اقرأ أيضاً: الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟
وفي آذار (مارس) 1970، صدر عن الحكومة العراقيّة بيان لوقف إطلاق النار وتضمّن الإعلان عن اتفاقيّة الحكم الذاتي للأكراد، على أن يتم تنفيذها خلال مدّة أربعة أعوام، وفي آذار (مارس) عام 1974؛ أعلن الرئيس البكر قانون الحكم الذاتي، إلّا أنّ الحزب الديمقراطي الكردستاني رأى أنّ هناك ثغرات عديدة فيه، كما رفض دعوة الحكم له للانضمام إلى تكتّل أحزاب الجبهة الوطنية، ولم تمضِ فترة قصيرة حتى عاد القتال من جديد بين الطرفين.
اتفاقيّة الجزائر.. نهاية الثورة
وفي السادس من آذار (مارس) 1975، وخلال انعقاد مؤتمر دول أوبك في الجزائر، وقعّت بغداد وطهران اتفاقيّة الجزائر، والتي نصّت على تسوية المشاكل الحدودية بين البلدين، وذلك مقابل تراجع إيران عن تقديم أيّ شكل من أشكال الدعم للمقاتلين الأكراد، وبذلك تمكنت الحكومة العراقية، للمرة الأولى، من إنهاء الصراع المندلع منذ عام 1961 بشكّل تامّ. والتجأ البارزاني إلى إيران قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة، ويتوفّى هناك عام 1979.

الرئيس الجزائري هواري بومدين مجتمعاً مع صدام حسين والشاه محمد رضا بهلوي قبل التوقيع على الاتفاقية

الانشقاق.. وحزب جديد في القيادة
وقبل توقيع اتفاقيّة الجزائر، كانت الخلافات داخل صفوف الحزب الديمقراطي والحركة الثورية الكرديّة قد بدأت بالتصاعد، وبدأ الانقسام يظهر بين مصطفى البارزاني من جهة، وجلال طالباني، عضو اللجنة المركزية للحزب، من جهة أخرى. وبعد توقيع اتفاقية الجزائر ونهاية الثورة الكرديّة، انفصل طالباني عن الحزب، وفي حزيران (يونيو) 1975 شكّل في دمشق مع مجموعة من رفاقه حزباً جديداً كان عبارة عن اتحاد لخمسة قوى كرديّة، بقيادة حركة كردستان الاشتراكية، ومنظمة "كومه له" الشيوعية، وحمل الحزب الجديد اسم "الاتحاد الوطني الكردستاني".

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟
وبعد تأسيسه، بدأ الحزب بشن حملة عسكريّة جديدة ضدّ الحكومة العراقية، ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بداية الثمانينيات عرض الرئيس صدام حسين خيار التفاوض على الحزب، لكن المفاوضات فشلت وتجدد الصراع، واستمر إلى أن أطلقت الحكومة العراقية الحملة العسكرية المعروفة بـ "الأنفال"، بداية من شباط (فبراير) عام 1988، واستمرت حتى أيلول (سبتمبر) من ذلك العام، وتمّ فيها استخدام الأسلحة الكيميائية المحرّمة دولياً، وتتراوح تقديرات أعداد الضحايا فيها من خمسين إلى مئة ألف، بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش" في حين تصل تقديرات بعض الجهات الكردية بالرقم إلى (182,000)، وإثر الحملة؛ اضطر طالباني إلى مغادرة البلاد واللجوء إلى إيران.

أسّس جلال طالباني (يسار) حزب الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975 وأصبح في قيادة الثوّار الأكراد

قرار دولي يفضي إلى مرحلة جديدة
بعد اندلاع حرب الخليج الثانية، عام 1990، إثر دخول القوات العراقية إلى الكويت، وفي شباط (فبراير) من عام 1991 بدأ الأكراد في المدن الكرديّة بالانتفاض، وخلال أيام تمكّنت قوات البيشمركة الكرديّة من السيطرة على مدن كردستان الكبرى الثلاث (السليمانية، وأربيل، ودهوك).

عام 2005 صدر الدستور العراقي الجديد وحُدِّد إقليم كردستان ككيان فدرالي ضمن الدولة العراقية

وتفادياً لأيّة ردة فعل محتملة من قبل الحكومة العراقية، بادر مجلس الأمن الدوليّ، في نيسان (أبريل) 1991، باتخاذ القرار (688) القاضي بتشكيل منطقة حظر طيران فوق المحافظات الكرديّة، وهو القرار الذي نشأ عنه كيان إقليم كردستان في شمال العراق، وجرى تشكيل برلمان كردستاني، باسم المجلس الوطني الكردستاني، ليكون بذلك أول مجلس برلماني منتخب في العراق، وفي العام التالي، 1992، تشكّلت حكومة إقليم كردستان، وفي منتصف التسعينيات، برز الصراع داخل الساحة السياسية الكردية، بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني.
ما بعد 2003
ومع وقوع الحرب على العراق، عام 2003، انضمت القوى الكرديّة للقوّات المحاربة لحكومة بغداد، وشاركت قوّات البيشمركة الكرديّة في العمليات العسكريّة. وعام 2005؛ صدر الدستور العراقي الجديد وحدّد إقليم كردستان ككيان فدرالي (اتحادي) ضمن الدولة العراقية.
وفي عام 2005 أيضاً؛ انتخب مسعود البارزاني رئيساً لإقليم كردستان العراق، وأُعيد انتخابه من جديد عام 2009، في حين أصبح جلال طالباني رئيساً لجمهوريّة العراق، واستمر في منصبه حتى عام 2014.

انتخب مسعود بارزاني كأول رئيس لإقليم كردستان العراق بعد حرب 2003

استفتاء الانفصال
ومنذ عام 2003 كانت هناك أصوات كرديّة تتعالى للمطالبة باستقلال كردستان العراق، وأن تصبح دولة مستقلة، وهو المطلب الذي واجه معارضة شديدة من قبل الحكومة المركزيّة وحكومات الدول المجاورة.
وفي الخامس والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2017؛ أُجري في كردستان استفتاء على الانفصال، وحصل على أغلبية تأييد بنسبة 92%، في حين رفضته الحكومة المركزية، واعتبرته غير شرعي، ومباشرةً توالت ردود الفعل الدولية المجمعة على استنكار ورفض المشروع باعتباره إجراء أحادي الجانب لا يحظى بالشرعيّة لمخالفته الدستور العراقي، ما أدى إلى تعثّر المشروع ونهايته.

الصفحة الرئيسية