صوفية السودان.. نشر الدين وقيم التسامح والمحبة

السودان والصوفية

صوفية السودان.. نشر الدين وقيم التسامح والمحبة

مشاهدة

15/03/2018

ليس أهل السودان فحسب من تعرفوا إلى الإسلام عن طريق الصوفيّة؛ بل انتشر عبرها، وعمّ معظم أرجاء القارة المجاورة لجزيرة العرب والمتداخلة معها، فلولا المنهج المتسامح للطرق الصوفية في الدعوة، لما انتشر الدين الإسلامي قيد أنملة في أفريقيا، بدءاً من بلاد الحبشة وشمال إفريقيا وبلاد السودان، إلى غرب إفريقيا ووسطها وجنوبها.

ولأنّ الأفارقة، بطبعهم وفطرتهم، ميّالون إلى الحرية، ويثورون فطرياً ضدّ كلّ ما يقيدهم ويكبلهم، فقد فهم شيوخ الطرق الصوفية الأوائل، الذين يمّموا شطر القارة، طبائع سكانها، وأدركوا ثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم الراسخة، فتجنبوا التصادم مع تلك الثقافات المحلية، ثم لاحقاً استوعبوها ودمجوها بالدين الجديد، فكان أن انتشر في ربوع القارة بهدوء وسلام، دون إراقة دماء، أو حروب، أو مشاحنات، أو بغضاء، أو غبن؛ إذ لم يصادر الإٍسلام عادات الناس وتقاليدهم، ولم يسخر من ثقافاتهم وأديانهم المحلية؛ بل صارت جزءاً أصيلاً من الشعائر والتعاليم الدينية التي تمت صياغتها في قوالب شعرية ولحنية، مصحوبة بالإيقاعات والموسيقى والرقصات المحلية، حتى يسهل حفظها واستيعابها، بالتغني بها آناء الليل وأطراف النهار.

المنفرجة

وحين يحلّ البلاء، ويعمّ الغلاء، وتشتدّ الأزمات والكرب، وتفتك المجاعات بالمجتمعات، وتلوح نذر الحروب، يتحلّق المسلمون الإفريقيون، بصفة عامة، والسودانيون بشكل خاص حول شيوخهم، لا ليستلّوا سيوفهم ويفتكون ببعضهم؛ بل ليتضرعوا إلى الله -جلّ وعلا- ويسألونه فرجاً قريباً، يضربون دفوفهم، وينشدون منفرجة ابن النحوي الأندلسي:

"اشتدي أزمة تنفرجي، قد آذن ليلك بالبلج

وظلامُ الليل له سُرُجٌ، حتى يغشاه أبو السُّرُج

لم يصادر الإٍسلام عادات الناس وتقاليدهم ولم يسخر من ثقافاتهم المحلية بل صارت جزءاً أصيلاً من الشعائر والتعاليم الدينية

وسحاب الخير له مطرٌ، فإذا جاء الإبَّانُ تجي

وفوائد مولانا جُملٌ، لسروجِ الأنفُسِ والمُهجِ

يا ربِ بهم وبآلهم، عجّل بالنصر وبالفرج".

السودان بلد الإسلام الصوفي المعتدل، وهناك الإسلام مختلف نسبياً عمّا هو في سواه من الدول العربية، فلا تزمّت، أو تطرف، إلا استثناءً متمثلًا في قلة متنفذة من الإسلاميين السلفيين، ومفرزة من جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة عبر انقلاب عسكري. فيما عدا ذلك، الجميع منخرطون في نسق التدين التقليدي (الشعبي) الذي أساسه التصوف، إلى حدّ أن الحياة اليومية هناك لا تزال، إلى اليوم، مطبوعة بهذا النسق من الولاء الفطري للشيوخ والأولياء الصالحين.

مثّلت الأذكار، لبّ الممارسة الصوفية الفردانية في السودان، ثمّ لاحقاً تحوّلت من ممارسة صوفية تعبدية تأملية فرديّة إلى طقس جماعي

انتشار الإسلام عن طرق الصوفية

بطبيعة الحال، ليس هنالك تاريخ محدد ودقيق لدخول الإسلام إلى السودان عبر المتصوفة، لكنّ كثيرين يرجحون أنّ بداية انتشاره، تدريجياً وبهدوء شديد، ودونما حروب وتناكب، تعود للقرن الثاني الهجري؛ حيث، بحسب المستشرق البريطاني "جون سبنسر ترمنجهام" مثّلت الأذكار، لبّ الممارسة الصوفية الفردانية في السودان، ثمّ لاحقاً تحوّلت من ممارسة صوفية تعبدية تأملية فرديّة إلى طقس جماعي مصحوب بإيقاعات الطبول الإفريقية الحامية، التي تخلو منها الصوفية المشرقية عموماً. ويُمارس الذكر الجماعي ضمن حلقات تضمّ كلّ واحدة منها عشرة فما فوق من الذاكرين، الذين يرددون كلمات مثل "لا إله إلا الله، الله الله، محمد رسول الله، مفتاح الجنة"، كما لدى الطريقة الختمية المأخوذة من النقشبندية، فيما ينخرط (الدراويش)، بملابسهم المُرقعة بالألوان الحمراء والخضراء والسوداء، في رقصات مجنونة، وحركات بهلوانية صعبة، وهم يردّدون عشرات المرات عبارة "الحي القيوم" على إيقاعات بطيئة، وأصوات تتصاعد تدريجياً في الوقت الذي يدخل بعضهم في حالات من النحيب والنشيج، فيسقطون أرضاً مغشياً عليهم، في غيبوبة كاملة، وانفصال عن الوجود المحيط، واتحاد مع الأرواح العليا، كما يزعمون.

أربعون طريقة وأكثر

وفي السياق ذاته، يقدر بعض الباحثين عدد الطرق الصوفية المنتشرة في أنحاء السودان بأكثر من أربعين طريقة، أشهرها القادرية بتفريعاتها، والختمية والسمانية والشاذلية، والمكاشفية، والمجذوبية، والإدريسية الأحمدية، والرشيدية، والتيجانية، والإسماعيلية، والبرهانية. وتختلف الآراء حول أول طريقة صوفية وصلت إلى السودان، إلّا أنّ الأرجح أنّها الطريقة الشاذلية، التي دخلت مصر إلى مدينة بربر شمال السودان، عن طريق الشيخ الشريف حمد أبو دنانة، تلتها الطريقة القادرية التي جاء بها من العراق الشيخ تاج الدين البهاري (البخاري). ثمّ توالت الطرق الصوفية على السودان، مثل: الإدريسية، والختمية، والمجذوبية، إلّا أنّ الطريقة التجانية كان الأقوى والأكثر أتباعاً، فقد وفدت من المغرب، وعمّت إقليمي دارفور وكردفان غرب السودان، بجانب تلك الطرق جاءت إلى السودان طرق صوفية أخرى خاصة من مصر، ورغم قلة عدد أتباعها ونخبويتها، إلّا أنّها ظلّت، ولا تزال، ذات تأثير كبير، وأهمها؛ البرهانية، والتسعينية، والدندراوية، والعزمية، والإبراهيمية الدسوقية، والرفاعية، والأحمدية البدوية، والبيومية.

يقدر بعض الباحثين عدد الطرق الصوفية المنتشرة في أنحاء السودان بأكثر من أربعين طريقة

التعليم الصوفي 

تعتمد الطرق الصوفية، منهجاً تعليمياً بسيطاً لتدريس مبادئ اللغة العربية، وتحفيظ القرآن والحديث، وأسرار الطريقة، ولها مدارس خاصة يسمونها (الخلوة)، أو (المسيد)، والأخيرة مشتقة من (مسجد). ويعدّ (المسيد) حيث يقيم شيخ الطريقة، ويتم حفظ القرآن الكريم، وتعلم الأسرار الصوفية الأساسية في بنية الطريقة الروحانية، وفق تراتبية هرمية يقف في أعلاها (شيخ السجادة)، الذي عادة ما يكون له خلفاء يجيزهم لتولي شؤون الطريقة، ونشرها في مناطق أخرى، ومقدمون (جمع مُقدّم) يتولون إدارة شؤون المسيد وأداء بعض الفعاليات نيابة عن الخليفة.

وينقسم أتباع الطريقة الصوفية إلى قسمين؛ وهما نخبة محدّدة من الدراويش أو الحيران؛ أي (الحواريون)، الذين سلكوا الطريق، ونذروا أنفسهم كلياً له، وانقطعوا عن الدنيا للعبادة، وأخذ أوراد الطريقة وأسرارها تحت توجيه شيخهم. والقسم الثاني، الذي يضم الأغلبية من أتباع الطريقة، ويسمّونهم أولاد الطريقة، وهم من يمارسون حياتهم وأعمالهم العادية، لكنّهم يشاركون في شعائر الطريقة واحتفالاتها.

الشيخ العبيد ود ريّا

تُعد بلدة (أم ضبان) وضواحيها، بمنطقة شرق النيل، وعلى بعد40 كيلومتراً شرق العاصمة السودانية الخرطوم، نموذجاً باهراً للإسلام الصوفي في السودان، فهذه البلدة التي  أسّسها منذ نحو 170 عاماً، الشيخ العبيد ولد بدر، ويسمّونه أيضاً باسم والدته، فيطلقون عليه الشيخ العبيد ولد ريّا، عندما افتتح (خلوة)، أي مدرسة لتعليم القرآن في تلك النواحي، فتداعى السكان يرسلون إليه أبناءهم، وبمرور الأعوام، تحولت (الخلوة) إلى مجمع ديني كبير، يضم مسجداً ومراقد شيوخ الطريقة، بدءاً من الشيخ العبيد المؤسس في القرن التاسع عشر، وعدد من خلفائه، وتتولى (الخلوة) توفير الطعام والملبس، والعلاج لطلابها.

ألوان زاهية وملابس مرقعة

هنا أيضاً ترى كثيراً من (الدراويش)، يرتدون ملابس مرقعة بقطع قماش مختلفة الألوان، ويعلّقون المسبحات على أعناقهم، ويمشي جلّهم حفاة خاشعين، وما إن تضرب الطبول وتنشد الأناشيد، حتى تتلبسهم أحوال غريبة، يرقصون ويدورون حول أنفسهم، وهم يرددون "الحي القيوم"، وعبارات أخرى مبهمة بلغة غريبة، وقد يغمى عليهم وقد يصرخون، لكنّهم يقولون إنّهم يشعرون بسعادة غامرة، ولا يحسّون بالتعب والإرهاق أثناء أدائهم لهذه الحركات البهلوانية.

وتتباين الطرق في أورادها ومواعيد أذكارها؛ ففي الطريقة السمانية، تبدأ الأوراد في الثلث الثاني من الليل، ثم ورد السحر، ثم الشروق، فالخواتيم مع الصلاة، كما أنّ لديهم ورد المغرب بين صلاة المغرب والعشاء.

ويقيم الختمية أذكارهم بانتظام، يومي الإثنين والجمعة، وتسمى (الحضرة) التي تعقد في المجلس أو الزاوية، أو في بيت الخليفة، أو الشيخ، أو لدى أحد أعضاء الطريقة، حين تكون لديه مناسبة خاصة، فيطلب إقامتها لديه، وحين ذاك تستهل بـ (الزفة) التي تبدأ من منزل الخليفة؛ حيث يتجمع المريدون.

الصفحة الرئيسية