4 ركائز تحدد معالم استراتيجية تركيا التمددية في سوريا

4 ركائز تحدد معالم استراتيجية تركيا التمددية في سوريا

مشاهدة

06/07/2020

بدأت التدخّلات التركيّة في سوريا مع بداية أحداث الأزمة السوريّة، وكان لتركيا دور أساسيّ في تصعيد الأزمة، سواء عبر السماح بإدخال المقاتلين الأجانب إلى سوريا، أو عبر دعم وإيواء مقاتلي المعارضة السوريّة،  لكن التدخّل التركيّ أخذ منعطفاً واتجاهاً آخر مع التدخل المباشر عبر العمليات العسكريّة الأربع للجيش التركيّ في سوريا. إثر ذلك، شرعت تركيا بتثبيت ركائز تعزز وتضمن بقاء نفوذها لأبعد مدى زمنيّ ممكن.

تغيير ديمغرافي

في كانون الثاني (يناير) 2018، قامت القوّات التركيّة بعبور الحدود السوريّة واحتلت مدينة عفرين السوريّة ذات الغالبية السكانيّة الكرديّة، في إطار العملية العسكريّة التي أطلقت عليها أنقرة اسم "غصن الزيتون". مباشرة بعد الاحتلال، شَرَعَتْ السُلُطَات التركيّة بالعمل على إحداث تغيير ديمغرافيّ في المدينة عبر توطين سُكّان من الأقليّة التركمانيّة في المدينة، وإحلالهم مكان أهلها من الأكراد ممن تم تهجيرهم. شملت العمليات كذلك نقل عرب من اللاجئين السوريين في تركيا وإسكانهم في المدينة، مقابل منع السكان الأكراد من العودة إلى منازلهم. وبذلك انخفضت نسبة السكان الكرد في مدينة عفرين، بحسب منظمات حقوقيّة كردية، كالهيئة القانونية الكرديّة، من 90 بالمئة، قبل الهجوم التركيّ، إلى 20 بالمئة، خلال أقل من عامين على الاحتلال.

شملت عمليات التغيير الديمغرافي التي قامت بها تركيا في مدن الشمال السوريّ ذات الغالبية الكرديّة

لم تقتصر عمليات التغيير الديمغرافي على مدينة واحدة بعينها وإنما شملت مدناً سوريّة أخرى، وبخاصة من مدن الشمال السوريّ ذات الغالبية الكرديّة، وتأكيداً على ذلك جاء تصريح الرئيس التركيّ، رجب طيب أردوغان، في التاسع من كانون الأول (ديسمبر) 2019، في كلمة له أمام وزراء الشؤون الاجتماعية بمنظمة التعاون الإسلاميّ، إنّ تركيا قد بدأت العمل على إسكان مليون سوريّ في مدينتي رأس العين وتل أبيض السوريتين، من اللاجئين السوريين في تركيا.

دبابات تركيّة في مدينة عفرين السوريّة

وتسعى تركيا من وراء مخططات التغيير الديمغرافيّ هذه إلى تغيير هوية المناطق التي سيطرت عليها، بحيث تؤدي إلى إنهاء أيّ تواصل ممتد لمناطق الأكراد بالقرب من حدودها التركيّة، وتحويل المناطق الكرديّة إلى تجمعات معزولة عن بعضها، والهدف من ذلك إزالة التهديد الكرديّ إلى الأبد، حتى في حال انسحاب الأتراك مستقبلاً من الأراضي السوريّة.

إجراءات "تتريك"

بعد احتلال ودخول القوات التركيّة إلى مناطق عدّة في شمال سوريا، بدأت السُّلطات التركيّة بتنفيذ إجراءات "تتريك" في المناطق التي تسيطر عليها هي والفصائل السوريّة الموالية لها والمدعومة منها؛ بدايةً من نشر اللغة والثقافة التركية، عبر فرض تدريس اللغة التركيّة في المدارس كلغة أجنبية منذ الصف الأول الابتدائيّ.

ولم تقف إجراءات التتريك عند التعليم، وإنما تعدتها إلى تغيير أسماء الساحات، والشوارع، وتسميتها بأسماء رموز تركيّة، كما الساحة الرئيسية في مدينة عفرين، التي تم تغيير اسمها إلى "ساحة كمال أتاتورك". وفي نفس المدينة أيضاً قام الاحتلال التركيّ بتغيير اسم ساحة كانت تحمل اسم الشخصية الأسطوريّة الكرديّة، "كاوه الحداد"، بعد هدم تمثاله، إلى "دوّار غصن الزيتون"، على اسم العمليّة العسكريّة التركيّة. وكذلك تسمية الحديقة العامة في مدينة أعزاز بريف حلب الشمالي باسم "الأمة العثمانيّة"، وغيرها الكثير. ويضاف إلى ذلك، اعتماد الكتابة التركيّة إلى جانب العربيّة، ورفع الأعلام التركيّة وصور الرئيس التركيّ أردوغان في المؤسسات الإداريّة، وفي المستشفيات، والمدارس.

مدخل حديقة "الأمة العثمانيّة" في أعزاز

وعلى المستوى الإداريّ أيضاً، أقدمت تركيا على ربط عديد من المدن والبلدات الواقعة تحت سيطرتها بسلطة الحكام الإداريين الأتراك في المحافظات التركيّة الحدوديّة، بحيث يصدر المسؤولون الأتراك الأوامر، ويشكّلون المجالس الإدارية المحلية فيها، ومن ذلك جعل مدينة عفرين تحت إدارة ولاية "هاتاي" (الإسكندرون) التركيّة.

تواجد عسكري

جاءت بداية التدخّل العسكري التركي في سوريا عبر دعم وتدريب المنشقين من الجيش السوريّ وإيواء مقاتلي ما عرف بـ "الجيش السوريّ الحرّ"، بحيث تحولت الأراضي التركيّة إلى قاعدة لانطلاق عملياته في سوريا. لكن التدخل العسكري التركي في سوريا تطوّر وتحوّل نحو التدخّل المباشر بعد انطلاق عملية "درع الفرات" في الشمال السوريّ في آب (أغسطس) من العام 2016. وهو ما تكرّر في عمليات عسكريّة لاحقة حملت أسماء مختلفة وجاءت تحت مبررات مختلفة، أهمها تشكيل منطقة آمنة وإبعاد المقاتلين الأكراد عن الحدود التركيّة.

فرضت تركيا تدريس اللغة التركيّة في مدارس المناطق السوريّة الخاضعة لسيطرتها كلغة أجنبية منذ الصف الأول الابتدائي

ومع توقيع اتفاق "مناطق خفض التصعيد" في الجولة الرابعة من مفاوضات أستانا، في أيار (مايو) 2017،   تم الاتفاق على إقامة نقاط مراقبة في مناطق خفض التصعيد في الشمال السوريّ. بدأ عدد النقاط التركيّة المتفق عليها باثنتي عشرة نقطة مراقبة، ولكن تركيا ما لبثت أن بدأت بتوسعة هذه النقاط وزيادة عددها، وتزامن ذلك مع إطلاقها عمليات "غصن الزيتون"، و"نبع السلام"، في عامي 2018 و2019، حتى تزايد عدد النقاط وبلغ (57) نقطة عسكريّة. ولم تكن الزيادة من ناحية العدد فقط، وإنما قام الأتراك بتعزيز هذه النقاط عسكرياً، عبر نقل أسلحة نوعيّة لها، وإدخال آلاف الآليات العسكريّة الثقيلة والجنود، ليتحوّل عدد منها تدريجياً إلى قواعد عسكريّة مكتملة، موجودة في عمق الأراضي السوريّة، مثل تلك الواقعة بالقرب من مدن وبلدات: الباب، ومورك، وجرابلس، وأعزاز، وعفرين، وتل أبيض.

فصائل عسكريّة موالية

بالإضافة إلى دخولها بشكل عسكريّ مباشر في عمق الأراضي السوريّة، عملت تركيا على دعم التشكيلات العسكريّة السوريّة المعارضة الموجودة في الشمال السوريّ، حتى قامت بتنظيمها وربطها تدريجياً بشكل كامل بالقيادة العسكريّة التركيّة، بحيث باتت قوّات تابعة لها بشكل مباشر وتتحرك بإمرتها.

نقطة مراقبة تركيّة في شمال سوريا

في البداية دعمت تركيا فصائل ما عُرف بـ "الجيش السوريّ الحرّ"، وبعد عملية "درع الفرات" التي سيطرت خلالها فصائل الجيش السوري الحرّ، بإسناد تركيّ، على مناطق الباب، وجرابلس، والراعي، في ريف حلب الشماليّ، خلال الثلث الأخير من العام 2016، ونتيجة للعشوائيّة التي رافقت عمل هذه الفصائل خلال  العمليّة، بدأت تركيا مع مطلع العام 2017 بالعمل على جمع فصائل الجيش الحرّ ضمن تشكيل عسكريّ  موحد، وبناء على وصف الرئيس التركيّ، رجب طيب أردوغان، لقوات الجيش الحرّ بأنّها "الجيش الوطني لسوريا"، تم إطلاق مسمى "الجيش الوطني السوري" على التشكيل العسكريّ الجديد، والذي تم الإعلان عن انطلاقه رسمياً في الثلاثين من أيار (مايو) 2017. وبحسب ما ذكرت "هيئة الإذاعة التركية العامة" في حينه فإنّ تعداد قوّاته بلغ عند التشكيل نحو ستين ألف مقاتل.

قام الأتراك بتعزيز نقاط المراقبة حتى تحوّل عدد منها تدريجياً إلى قواعد عسكريّة مكتملة

جاءت الأهداف المنوطة بالتنظيم مرتبطة بالأجندة التركيّة في سوريا،  بدءاً من المساعدة في إنشاء "منطقة آمنة"، إلى خوض المواجهات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تتشكل في غالبيتها من المقاتلين الأكراد، و‌كذلك مواجهة تنظيم "داعش"، و‌الجيش السوري. ومؤخراً، قامت تركيا بإرسال مقاتلين منهم للقتال في ليبيا مع حكومة السراج التي تدعمها تركيا عسكرياً، ما أظهر أنّ هذه القوّات تحولت بالكامل إلى قوّات تركيّة من ناحية المهام التي تقوم بتنفيذها.

مقاتلون من الفصائل المدعومة من تركيا تقوم بعمليات نهب وسرقة في عفرين

ومع هذه التوجهات التركيّة بات من الجليّ أن تركيا لا تتعامل مع الأزمة السورية من موقف دفاعيّ، وما يقتضيه ذلك من الاكتفاء بتأمين الحدود، كما صنعت دول أخرى، وإنما هي تضع وترسخّ دعائم لمشروع تمدديّ توسعي يبدو أنّها تخطط لأن يكون ذا حضور على مدى مستقبليّ طويل الأمد. قد تتعدد أشكال هذا المشروع المحتلمة، وربما يكون من بينها دعم إقامة دويلة موالية لها في شماليّ سوريا، تقوم بضمها لاحقاً كما صنعت مع لواء الإسكندرون!


الصفحة الرئيسية