وزيرة حقوق الإنسان اليمنية لـ "حفريات": الحوثيون شرارة الكارثة

وزيرة حقوق الإنسان اليمنية لـ "حفريات": الحوثيون شرارة الكارثة


24/05/2022

أجرى الحوار: حامد فتحي

هناك عدّة أبعاد للأزمة اليمنية التي دخلت عامها الثامن، منذ الانقلاب الحوثي على الشرعية التي انبثقت وفقاً للمبادرة الخليجية، عام 2011، عقب الثورة على الرئيس الراحل، علي عبد الله صالح، ويعدّ البعد الإنساني هو الأهم بين أبعاد أخرى، مثل الشرعية والسياسة والاقتصاد والأمن القومي، اليمني والعربي، وغير ذلك.

ورغم أهميته، فلا ينفصل البعد الإنساني عن الأزمة بكلّ تفاصيلها؛ إذ إنّه لولا الإخفاق السياسي اليمني المزمن لما وجدت الميليشيا الحوثية الفرصة للانقلاب، وفرض هيمنتها على قطاع كبير من الشعب والأرض؛ لهذا لا يمكن فصل الأزمة الإنسانية عن مسبباتها الأصلية، بعكس ما يريد الحوثيون إقناع المجتمع الدولي به، مستغلين الأزمة الإنسانية الكارثية لشرعنة انقلابهم.

وسعياً لفهم هذه العلاقات المعقدة في الأزمة، حاورت "حفريات" وزيرة حقوق الإنسان اليمنية السابقة (2011 - 2014)، حورية مشهور أحمد، والتي كانت على رأس الوزارة في أخطر فترات التحول السياسي، عقب الثورة وما تبعها من اضطرابات سياسية واجتماعية، حتى الانقلاب الحوثي، لترحل بعدها مُكرهة عن وطنها، حرصاً على أمنها الشخصي من خطر الانقلابيين.

هنا تفاصيل الحوار:

نبدأ مع التطورات الأخيرة في اليمن، بتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، ومن خلال تجربتك السياسية في حكومة باسندوة، التي جمعت ألوان الطيف السياسي، هل من الممكن أن تنجح هذه الكيانات السياسية والعسكرية المتعددة والمتنافرة في العمل سوياً؟

بداية، شكراً لكم على الاستضافة لتسليط الضوء على المشهد اليمني الذي تعقّد كثيراً بسبب استمرار الحرب والصراع، وتشظي البلاد، وتمزّق النسيج الاجتماعي، وانهيار مؤسسات الدولة والاقتصاد، وتفاقم الوضع الإنساني.

ورداً على السؤال؛ فإنّ جمود مؤسسة الرئاسة خلال الفترة الماضية اقتضى ضرورة إصلاحها، ولسنا هنا بصدد الاستغراق في الحديث حول جمود مؤسسة الرئاسة، وللأسف، فإنّ التحالف العربي، الذي تدخّل في اليمن لإعادة الشرعية، ساهم في هذا الوضع، وأعتقد أنّ دعوة مجلس التعاون لدول الخليج العربية للمشاورات اليمنية – اليمنية في الرياض، من أواخر نيسان (أبريل) وحتى السابع من أيار (مايو) الماضي، كانت لتصحيح هذا الوضع.

حلّ القضية الجنوبية يأتي في إطار المعالجة الشاملة لأوضاع البلاد

وبالطبع، فإنّ مخرجات المشاورات لبّت تطلعات اليمنيين في تفعيل أجهزة الدولة، وعلى رأسها مؤسسة الرئاسة، التي تعدّ رأس هرم السلطة، وبالتأكيد هناك تحديات ظاهرة في تكوين المجلس من خلال الخلفيات الأمنية والعسكرية لأعضائه، وتحكمهم بتشكيلات عسكرية وأمنية تأتمر بأوامرهم مباشرةً.

وما لم تتمّ إعادة هيكلة هذه المكونات العسكرية والأمنية في مؤسسة وطنية واحدة تخضع للنظام والقانون، وتأتمر بأمر القائد الأعلى، وفق قرار تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، الذي نصّ في الفقرة (ز) من المادة (1) على أن "يكون لرئيس المجلس حصراً صلاحية القيادة العليا للقوات المسلحة"، فستبقى عقبات كبيرة لا يمكن تجاوزها.

ولهذا؛ فإنّ ترتيب الوضع الأمني والعسكري هو الأولوية وأهم التحديات، كونه الملف الذي تعثّر منذ توقيع اتفاق الرياض بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، وعلى أساس نجاحه يمكن المضي في معالجة الأولويات الأخرى، وأهمّها تحقيق الاستقرار وإنعاش الاقتصاد وتحسين الخدمات الأساسية للمواطنين.

بما أنّكِ من عدن، ولديك اطّلاع ومعايشة واسعة للقضية الجنوبية؛ كيف ترين الحلّ الممكن للمطالب الجنوبية التي يرفعها الانتقالي الجنوبي؟

حلّ القضية الجنوبية يأتي في إطار المعالجة الشاملة لأوضاع البلاد، ويبقى حقّ تقرير المصير للجنوبيين مطلباً يعالَج بصورة قانونية مؤسسية، تقوم على توافقات بين الجنوبيين أنفسهم أولاً، ومع كل القوى الوطنية في عموم اليمن ثانياً، ودعم إقليمي ودولي لأيّة صيغة توافقية وطنية، وممكن أن يتجسد هذا المطلب أو التوجه في أيّ اتفاق سلام شامل وعادل لليمن عامة.

مرّت ثمانية أعوام على الصراع في اليمن، الذي خلّف أكبر كارثة إنسانية في العالم، كانت وقعها الأشدّ على المرأة اليمنية؛ ماذا عن معاناة المرأة في اليمن بعد الحرب؟

الحرب والصراعات المسلحة، خاصة الأهلية، كارثية، لا يمكن أن يخرج منها طرف منتصر وآخر مهزوم أو خاسر؛ الجميع خاسرون، والوطن خسر مقدّراته البشرية، وبناه التحتية. تقارير الأمم المتحدة مفزعة؛ إذ تشير إلى تراجع اليمن أكثر من أربعة عقود في مؤشرات التنمية، خاصة في مجالات التعليم والصحة والعمل، ولهذا نحتاج مثل هذا الوقت وربما أكثر للعودة إلى مؤشرات 2014، هذا إذا توقفت الحرب الآن.

تعيين خمس نساء من بين 50 ممثلاً في هيئة التشاور والمصالحة يعدّ تمثيلاً ضعيفاً، وكان يمكن أن يتم تمثيل النساء في مجلس القيادة الرئاسي

صحيح أنّ الجميع تأثر، بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ، من هذه الحرب، لكن كانت المرأة والأطفال والمسنون والعجزة (المعاقون) أكثر الفئات تضرراً.

وحين فقدت النساء العائل في الأسرة، اضطررن لتحمّل مسؤولية الإعالة، في وقت فُقدت فيه كلّ أسباب الحياة الكريمة، واضطرت كثير من الأسر إلى مغادرة منازلها في المناطق الساخنة إلى مناطق أقل اضطراباً، ولجأت إلى مخيمات النزوح، التي اكتظت بالباحثين عن الأمان، وشُردت الأسر اليمنية خارج البلاد.

ولا يفوتني في هذا الصدد أن أنوّه بدور جمهورية مصر العربية التي فتحت أبوابها لآلاف اليمنيين في الوقت التي أوصدت دول كثيرة أبوابها في وجوههم، وهذا دور مقدَّر للشعب والقيادة المصرية.

اتصالاً بأزمة المرأة اليمنية؛ هل تشكّل السلطة الحوثية الانقلابية خطراً على المرأة؟ وكيف هي نظرتهم إليها؟

حصل تراجع كبير جداً، للأسف، في المكاسب النسبية التي كنا قد حققناها لحقوق المرأة خلال الفترة الماضية، في مناطق سيطرة الحوثيين، بل حصلت تجاوزات كثيرة، منها التضييق على طالبات الجامعة وعلى النساء في مقار الأعمال، وعلى المنظمات المدنية المدافعة عن حقوق النساء، والأسوأ من ذلك تجاوز الخطوط الحمراء، باختطاف نساء، أو اعتقال نساء، أو تعذيب نساء، انتقاماً من الرجال المعارضين، أو ابتزاز الأسر، وهي أفعال تتجاوز القوانين والأعراف الاجتماعية والقبلية السائدة في المجتمع والتي كانت تحمي المرأة.

تراجع اليمن أكثر من أربعة عقود في مؤشرات التنمية، خاصة في مجالات التعليم والصحة والعمل

يعدّ الأطفال أضعف الحلقات في الأزمات، وفي مناطق سيطرة الحوثيين نقرأ عن توظيف للأطفال عسكرياً، واستغلال المدارس والأنشطة في تجنيد الأطفال فكرياً لصالح مشروع الحوثيين. حدّثينا عن خطر الفكر الإمامي الحوثي على الطفولة.

كان الحوثيون ينكرون تجنيد الأطفال، لكنّ احتفاءهم بجثث "الشهداء الأطفال" أظهر استخدامهم للطفولة وقوداً في هذه الحرب المستعرة، منذ أكثر من ثمانية أعوام، وفي منتصف نيسان (أبريل) الماضي، وقّعت الأمم المتحدة مع الحوثيين خطة عمل لحماية الأطفال ومنع استخدامهم في النزاعات المسلحة، وطالما اعترفوا بالمشكلة فهذا يساعد في الحلّ، وبالطبع ننتظر التنفيذ.

ماذا يمكن للمرأة اليمنية تقديمه لحلّ الصراع في البلاد، خاصة أنّها أول من اكتوت بناره؟

المرأة اليمنية، منذ اللحظات الأولى لانطلاق شرارة الحرب، حملت رايات السلام، ودعت إلى وقف الحرب والعودة إلى طاولات التفاوض والحوار، ولم تتمّ الاستجابة لهذه الدعوة في البداية؛ لاعتقاد البعض بإمكانية الحسم العسكري، واليوم وصلت أطراف وطنية كثيرة وكذلك الشركاء الإقليميون والدوليون إلى هذه النتيجة.

وأشير إلى دور المرأة اليمنية في تأسيس المنظمات المجتمعية، وعقد التحالفات مع المنظمات الإقليمية والدولية، للضغط من أجل وقف الحرب وبناء السلام.

كان الحوثيون ينكرون تجنيد الأطفال، لكنّ احتفاءهم بجثث "الشهداء الأطفال" أظهر استخدامهم للطفولة وقوداً في هذه الحرب المستعرة، منذ أكثر من ثمانية أعوام

وأشيد بإنجاز نساء اليمن ورؤيتهنّ للحلّ بعنوان "خارطة السلام النسوي"، التي حدّدت معالم السلام العادل والشامل والمستند إلى نهج حقوق الإنسان، وضرورة المشاركة الواسعة للمرأة في كلّ آليات بناء السلام، وها نحن اليوم نرى الثمار الأولية لهذه الجهود، التي تتعاظم كلما اقتربنا أكثر وأكثر في عملية بناء السلام وتثبيته.

هل ترضيك مشاركة المرأة في الحياة السياسية في المناطق المحررة؟ وهل كان من الأجدى تضمين المجلس الرئاسي عضوية إحدى السياسيات؟

في المشاورات اليمنية – اليمنية في الرياض لم يتجاوز عدد النساء 30 امرأة، من بين 800 مشارك، ومع ذلك كان لنا دور فاعل في مختلف محاور المشاورات، وفي التأثير في مخرجاتها، وعقد عدد لا محدود من اللقاءات والاجتماعات مع القيادات السياسية، بمن فيهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي وأعضاؤه، وممثّلو الهيئات الدولية والدبلوماسية الداعمة للمسار السياسي في اليمن.

وتشاورنا حول دعم مشاركة النساء في مختلف هيئات هذه المرحلة، وقدمنا لهم مشروعاً مكتوباً حول كيفية هذا الدعم، متضمناً رابطاً بالخبرات النسائية في مختلف المجالات، السياسية والقانونية والحقوقية والاقتصادية. والواقع أنّ تمثيل المرأة اليمنية ما يزال ضعيفاً، ولا يرقى لمستوى الجهود التي تبذلها النساء والقدرات والإمكانيات التي تتمتع بها كثيرات من القياديات.

وأرى أنّ تعيين خمس نساء من بين 50 ممثلاً في هيئة التشاور والمصالحة يعدّ تمثيلاً ضعيفاً، وكان يمكن أن يتم تمثيل النساء في مجلس القيادة الرئاسي.

النساء لسن سوى قوى مدنية فاعلة على الأرض، ويبدو أنّ ذلك لوحده ليس كافياً، ولا يتيح شروط التمكين للنساء، بينما الرجال امتلكوا مصادر القوة العسكرية والأمنية والدعم السياسي الكبير من القوى الفاعلة في الشأن اليمني، خاصة التحالف العربي.

حصل تراجع كبير جداً في المكاسب النسبية التي تحققت لحقوق المرأة خلال الفترة الماضية في مناطق سيطرة الحوثيين

إذا كنا ننتقد أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الحوثيين؛ فماذا عن مناطق الشرعية؟ وما هي رؤيتك لتعزيز حقوق الإنسان، خصوصاً المرأة والطفل، في مناطق سيطرة الشرعية؟

بصراحة، حتى الآن ليست بأحسن حال، فقد تعددت في الفترة الماضية القوى المسيطرة على الأرض وتنازعت الصلاحيات والاختصاصات، وتمّ تعطيل القضاء، وأتحدّث تحديداً عن عدن، وتعطلت مصالح الناس وضاعت حقوقهم، خاصة النساء والأطفال، في إطار هذا الوضع غير السوي المتّسم بالفوضى، ونأمل أن يتجاوز مجلس القيادة الرئاسي هذه الأوضاع في أقصر فترة ممكنة ليقدّم نموذج حكم وإدارة فاعلة تحمي الناس وتحافظ على حقوقهم.

بالعودة إلى فترة تولّيك حقيبة وزارة حقوق الإنسان، كنتِ على اتصال بالفرقاء السياسيين في اليمن، وشهدت الانقلاب الحوثي بالتواطؤ مع علي صالح؛ برأيك هل التفاوض والتشارك في دولة واحدة ممكن مع الحوثيين؟

كان لي شرف المشاركة، قبل أكثر من عامين، في تأسيس تيار التوافق الوطني، الذي قدّم خارطة طريق تركز على التوافق الوطني وفقاً للقواسم المشتركة بين الفرقاء؛ لأنّنا مهما اختلفنا فلا خيارات أمامنا سوى السلام، وما نتطلع إليه اليوم صيغة سلام رابحة للجميع يشعر فيها كلّ طرف أنّه مستفيد؛ لأنّه لا يمكن لأيّ طرف أن يذهب إلى صيغة سلام يشعر فيها بأنّه خاسر، والأهم من كلّ هذا أن تكون منصفة وعادلة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وبذلك يمكن ضمان تثبيت هذا السلام واستدامته. وطبعاً يقتضي ذلك بعض التنازلات والتضحيات من كلّ طرف، لكنّ الرابح الأكبر في هذه الصيغة سيكون الوطن، إنقاذ اليمن اليوم مسؤولية تاريخية وأمانة في عنق الجميع.

كيف يوظّف الحوثيون الأزمة الإنسانية التي نتجت في المقام الأول عن انقلابهم المسلح؟

كان انقلابهم، في أيلول (سبتمبر) 2014، هو شرارة الكارثة التي نعيشها اليوم، ولو التزم الجميع بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني لما انهارت الدولة، ولما تدخّل الخارج مباشرة في الشأن اليمني، ولما حدثت هذه الأزمة الإنسانية.

وما تقدّمه المنظمات الإنسانية والأمم المتحدة لا يسمن ولا يغني من جوع، وما سينقذ اليمن من هذه الأزمة هو السلام الذي يحقق الاستقرار وإنعاش الاقتصاد وتدوير عجلات البناء والتنمية، وليس السلال الغذائية التي لا تغطي حتى الحدّ الأدنى للفئات المحتاجة والأشد فقراً.

ألا يعدّ الحوثيون مستغلّين لهذه الأزمة لابتزاز المجتمع الدولي لشرعنة انقلابهم؟

توظيف الحوثيين للأزمة الإنسانية لا ينطلي على أحد، خاصة أنّهم متسببون بها، ومستمرّون بتعميقها، من خلال تعنّتهم ورفضهم لكلّ مشروعات السلام.

 هل بالإمكان حلّ الأزمة اليمنية عن طريق التفاوض؟

نعم، كما أسلفت سابقاً بالتأكيد يمكن حلّ الأزمة اليمنية عن طريق التشاور والتفاوض، وهي نتيجة حتمية لكلّ الحروب والصراعات التي تنتهي عادة على طاولة المفاوضات، وبدلاً من تأخير هذا السيناريو الآمن ليوم غد، وتفاقم الأزمات وتعقد المشكلات، علينا أن نسارع بها اليوم.

ولا شكّ في أنّ هناك صعوبات وتحدّيات جمّة، لكن إذا تمّت ترجمة مخرجات مشاورات الرياض إلى برامج وخطط عمل، والشروع عملياً في تنفيذها؛ فإنّنا نكون قد حققنا نجاحاً كبيراً على طريق السلام الشامل، خاصّة مع الطرف المعطل للسلام الآن.

مواضيع ذات صلة:

قائد القوات المشتركة لجبهة الضالع لـ "حفريات": الإخوان يهرّبون أسلحة التحالف للحوثيين

المتحدث باسم الانتقالي الجنوبي يكشف لـ "حفريات" علاقة الإصلاح بالحوثيين والقاعدة

اليمن بين تلغيم الأرض وتفخيخ العقل... ونيران الحوثي تمتد إلى المساجد



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية