هل ينجح ماكرون في استعادة نفوذ فرنسا في القارة السمراء؟

هل ينجح ماكرون في استعادة نفوذ فرنسا في القارة السمراء؟


03/08/2022

في أول تحرك خارجي له بعد تولّيه رئاسة البلاد لفترة ثانية، اختتم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس الماضي، زيارة إلى أفريقيا شملت 3 دول هي؛ الكاميرون وغينيا وبنين، وهي الزيارة التي اعتبرها مراقبون تحمل دلالات خاصة عن أولويات ماكرون خلال الفترة المقبلة، مؤكدين أنّ الاستثمار الفرنسي وتنمية النفوذ داخل القارة السمراء ستتصدر هذه الأولويات.

وبالتزامن مع الزيارة أصدرت الرئاسة الفرنسية، بياناً قالت فيه إنّ هذه الرحلة التي، استغرقت 4 أيام ستسمح للرئيس الفرنسي ماكرون بإعادة تأكيد "التزامه بعملية تجديد علاقة فرنسا مع القارة الأفريقية".

وتزامنت زيارة ماكرون مع جولة قام بها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى 4 دول في منطقة شرق أفريقيا، الأمر الذي اعتبره مراقبون مؤشراً واضحاً على حجم الصراع المتزايد بين موسكو وباريس للسيطرة على موارد القارة الأفريقية وتمديد النفوذ الإستراتيجي داخل بعض الدول، خاصة في ضوء احتدام التداعيات الناجمة عن الأزمة الأوكرانية وفي مقدمتها أزمتا الغذاء والطاقة.

وبحسب المراقبين، تسعى فرنسا من ناحيتها إلى استعادة نفوذها في قلب أفريقيا وخاصة في منطقة الغرب، بالاعتماد على الملف الأمني الذي فشلت باريس سابقاً في تحقيق أي إنجازات تذكر فيه سواء في مجال محاربة الإرهاب أو دعم منظومة الأمن والقانون داخل الدول الأفريقية لتقليل الحروب والنزاعات. 

وفي المقابل، تستغل موسكو، ارتخاء قبضة باريس على هذا الملف؛ لكسب نفوذ داخل الدول الأفريقية اعتماداً على علاقاتها القديمة.

محاولة لاستعادة النفوذ

وبحسب مدير معهد الاستشراف والأمن في أوروبا، إمانويل دو بوي، في حديث لإذاعة "مونت كارلو"، "أراد الرئيس الفرنسي أن يؤكد من خلال هذه  الجولة أنّ الدور الأمني الفرنسي في محاربة الإرهاب لم ينته على الرغم من انسحاب فرنسا من مالي".

اختتم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس الماضي، زيارة إلى أفريقيا شملت 3 دول هي؛ الكاميرون وغينيا وبنين

كما حاول ماكرون أيضاً، بحسب دو بوي، البحث عن سبل لمواجهة الأزمة الغذائية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، وكذلك تداعيات هذه الأزمة على الأمن الغذائي الأفريقي، إضافة لمناقشة بعض القضايا المتعلقة بالقارة الأفريقية وفي مقدمتها الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطات.

المحلل الإستراتيجي أريك دونوسيه، يرى أنّ "هذه الزيارة لبلدان أفريقيا الغربية هي بمثابة محاولة لاستعادة الموقع بعد الإهانة التي مُنيت بها فرنسا على يد العسكر في مالي وانسحاب قوة برخان، وهي محاولة لتمتين العلاقات، خصوصاً أنّ الروس ناشطون ويتبعون إستراتيجية معادية لفرنسا، وظهر ذلك في مالي وأفريقيا الوسطى، فماكرون يحاول الحفاظ على المصالح الفرنسية في مواجهة الروس والصين"، بحسب ما نقله عنه موقع "إندبندنت". 

إمانويل دو بوي: الرئيس الفرنسي أراد أن يؤكد من خلال هذه  الجولة أنّ الدور الأمني الفرنسي في محاربة الإرهاب لم ينته على الرغم من انسحاب فرنسا من مالي

وأوضح دونيسيه أنّ "فرنسا التي كانت تعتبر شريكاً أساسياً لباماكو (مالي) والقوة الاستعمارية السابقة، باتت غير مرغوبة بعد أن دحرتها قوات العسكر التي استلمت الحكم في عام 2020، واستعاضت عنها بالقوات الخاصة الروسية فاغنر". 

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي الجزائري، عبد الرحمن مبتول، أنّ القارة الأفريقية ستلعب دوراً مهماً في الاقتصاد العالمي، فهي "ستمثل ربع سكان العالم بين (2035 و2040)، يضاف لها ثرواتها الكبيرة جداً"، بحسب حديثه مع صحيفة "العين". 

وتوقع في المقابل أن لا تتوقف زيارات ماكرون في أفريقيا عند هذه الدول الثلاث، وأن تشمل دولاً أخرى من بينها الجزائر لـ"حماية مصالحها وتعويض خسائرها من التوغل الصيني وتداعيات الحرب في أوكرانيا".

وتأتي جولة الرئيس الفرنسي في الكاميرون وغينيا بيساو وبنين؛ لتدعيم استثمارات بلاده في هذه الدول، وفي الدول الأفريقية التي تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط، وزيارته لها أهداف إستراتيجية اقتصادية أولاً ثم أمنية، وفق مبتول الذي  اعتبر أنّ مهمة ماكرون الحالية هي "تحريك الشركات الفرنسية والبحث لها عن فرص استثمارية بهذه الدول".

التنافس الروسي الفرنسي

لم تكن القارة الأفريقية بعيدة أبداً عن الصراع بين المعسكرين، الروسي والغربي، لكن دول الساحل والغرب الأفريقي التي تحظى بأهمية خاصة لدى باريس، تثير قلقاً واضحاً لدى ماكرون جراء استمرار تمدد النفوذ الروسي متزامناً مع انسحاب فرنسي تدريجي، ربما أدركت باريس مؤخراً أنّه كان "قراراً خاطئاً". 

دونوسيه: زيارة ماكرون لبلدان أفريقيا الغربية هي محاولة لاستعادة الموقع بعد الإهانة التي منيت بها فرنسا على يد العسكر في مالي

القلق جراء التوسع الروسي في أفريقيا بدا واضحاً في حديث الرئيس الفرنسي أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده مع نظيره الكاميروني بول بيا، بقوله إنّ "الإستراتيجية التي تقودها روسيا في أفريقيا تثير القلق"، مشيراً إلى المعلومات الخاطئة التي تعممها روسيا، إضافة إلى نشر ميليشيات فاغنر، معتبراً أنّ ذلك لا يدخل في إطار التعاون الكلاسيكي، بحسب "سبوتنيك". 

ومن بنين، تحدث الرئيس الفرنسي ثانية عن روسيا، وخلال المؤتمر الصحفي مع نظيره البنيني باتريس تالون في كوتونو، واصفاً سلوكها بـ"الاستعماري". 

وقال ماكرون إنّ "روسيا واحدة من آخر قوى الاستعمار الإمبريالية" بعد شنها "الحرب للاستيلاء على أراضي أوكرانيا"، على حد تعبيره في المؤتمر الصحفي الذي نقلته "فرانس 24".

عبد الرحمن مبتول: القارة الأفريقية ستلعب دوراً مهماً في الاقتصاد العالمي، فهي "ستمثل ربع سكان العالم بين (2035 و2040)، يضاف لذلك ثرواتها الكبيرة جداً"

وأضاف ماكرون: "شنت روسيا هجوماً على أوكرانيا، إنها حرب للاستيلاء على الأراضي اعتقدنا أن أوروبا تخلصت منها، إنها حرب من بداية القرن العشرين وحتى القرن التاسع عشر". 

وتابع: "أنا أتحدث من قارة (أفريقيا) التي عانت من الاستعمار"، مضيفاً أنّ "روسيا هي واحدة من آخر قوى الاستعمار الإمبريالية" بقرارها "غزو دولة مجاورة للدفاع عن مصالحها فيها".

ماذا يجني أبناء القارة الأفريقية؟ 

تقول الخبيرة في الشأن الأفريقي، أماني الطويل، في مقال نشرته صحيفة "الإندبندنت عربية" تحت عنوان "ماذا يحصد الأفارقة من جولات ماكرون ولافروف؟": إنّ الاحتياجات الأفريقية من روسيا قد تتمحور في هذه المرحلة حول تأمين الحبوب لأبناء القارة، وهو ما كان الموضوع الرئيسي في زيارة الرئيس السنغالي ماكي سال رئيس الاتحاد الأفريقي لكل من روسيا وأوكرانيا وفرنسا قبل أكثر من شهر، وذلك حتى يتم تجنب المجاعة التي تطرق الأبواب الأفريقية. 

وبحسب الطويل، رصدت دراسة لشركة "أليانز تريد" للتأمين أنّ 11 دولة معرضة لاحتمال نشوب توترات اجتماعية؛ بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، فضلاً عن تعرض 100 مليون أفريقي لمخاطر المجاعة.

وقد "يكون اتفاق إسطنبول، الذي عقد أخيراً لتأمين تصدير الحبوب من روسيا وأوكرانيا بداية الطريق نحو حل هذه المشكلة، لكنه ليس بديلاً من أن تواجه أفريقيا تحدياتها وتتحول نحو الزراعة بشكل يحل مشكلة الأمن الأفريقي الغذائي"، وفق الطويل.

وتنوه الطويل إلى أنّ "الصراع الدولي على أفريقيا قد يكون بوابة لمكاسب دول القارة في حال انتبهت النخب الحاكمة لضرورة بلورة تحالف بشأن التعامل مع هذا الصراع ومواجهته بأجندة مشتركة، بما يصعب على الطرف الدولي الاستغلال ويدفعه لبناء شراكات إستراتيجية تكون فيها المغانم والمنافع لصالح الأفارقة ولو نسبياً".

 

مواضيع ذات صلة:

ما أبرز ملامح المشهد السياسي الفرنسي؟

إخوان فرنسا: عقود من الانتشار والتغلغل والازدواجية

ما سر غياب "خطر الإسلاموية" عن الانتخابات الفرنسية؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية