ما سر غياب "خطر الإسلاموية" عن الانتخابات الفرنسية؟

ما سر غياب "خطر الإسلاموية" عن الانتخابات الفرنسية؟


21/04/2022

الحديث عن مسلمي فرنسا، على اعتبار أنّهم معادل مهم في الانتخابات أصبح واقعاً ملموساً، شهده الإعلام الفرنسي وارتفعت وتيرته قبل أيام من دخول الجولة الثانية من الانتخابات، وتصدّر الحديث عن الحجاب جولات المرشحين، تحديداً ماكرون ولوبان، اللذين خاطبا 10% من حجم المصوتين في الانتخابات الفرنسية على منصب الرئيس، طبقاً لمراكز استطلاعات الرأي الفرنسية، وهي التقديرات المعلنة لأصوات المسلمين.

الحديث عن مسلمي فرنسا لم يختفِ من المشهد، منذ عام 2015 وحتى الآن؛ حوالي 253 قتيلاً ومئات الجرحى، أرقام أحصتها الصحافة الفرنسية لضحايا العمليات الإرهابية الإسلاموية في البلاد، منذ بداية عام 2015، واكتمل المشهد المتأزم بجريمة قطع رأس مدرّس فرنسي بعد عرضه رسوماً كاريكاتيرية للنبي محمّد، عليه السلام، على التلاميذ، كانت صحيفة "شارلي إيبدو" قد نشرتها سابقاً.

تصاعد الأحداث الدموية ذات الطابع الديني دفع الحكومة الفرنسية لمواجهة جذور المسألة، مواجهة نتج عنها إغلاق عشرات المساجد في العامين الأخيرين في الداخل الفرنسي.

دور الجالية المسلمة في الانتخابات

ويطرح ذلك سؤالاً حول دور الجالية المسلمة في الانتخابات الفرنسية، وسط علاقة مأزومة تعيشها فرنسا مع ما سمّاه عليه الرئيس الفرنسي، المنتهية ولايته، إيمانويل ماكرون "الانفصالية الإسلامية"، وهو مصطلح أطلقته مجموعة من مثقفي فرنسا قبل سنوات في محاولة لتنبيه المجتمع الفرنسي إلى أنّ هناك مجتمعاً أوروبياً أصولياً موازياً للمجتمعات الأوروبية أظهر نفسه منذ عام 2015، تحديداً مع حادث قتل صحفيي "شارلي إيبدو".

حوالي 253 قتيلاً ومئات الجرحى، أرقام أحصتها الصحافة الفرنسية لضحايا العمليات الإرهابية الإسلاموية في البلاد، منذ بداية عام 2015

وبحسب "معهد إيفوب" لاستطلاعات الرأي؛ فإنّ أصوات المسلمين في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، التي أجريت في 10 نيسان (أبريل) الجاري، لم تذهب لا إلى ماكرون ولا إلى لوبان، بل حصد المرشح اليساري الراديكالي المدافع عن المهاجرين جان لوك ميلانشون على حصة الأسد، بما يقرب من 70%، فيما لم يحصل ماكرون سوى على 14% من أصوات المسلمين، وصوّت 7% منهم للوبان.

التصويت للمرشح اليساري

في ذلك السياق، يشير الباحث الفرنسي، من أصول عربية، وليد الحسيني، إلى أنّ مسلمي فرنسا صوّتوا في الدور الأول لميلانشون، موضحاً: "نسبة التصويت وصلت أكثر من 85٪ لهذا المرشح، التابع لحزب فرنسا الأبية، وحصل المرشح ميلانشون على المركز الثالث في الدور الأول، وبالمناسبة هي ليست المرة الأولى التي يترشّح فيها للانتخابات الرئاسية".

وأضاف الحسيني، لـ "حفريات": "فيما يتعلق بالدور الثاني في الانتخابات المنتظرة؛ فإنّ جميع الجمعيات الإسلامية والمراكز الإسلامية الكبيرة، مثل مسجد باريس وغيره، تدعو إلى التصويت لماكرون، كي يقطعوا الطريق على مارين لوبان واليمين المتطرف".

في سياق متصل، وعلى الرغم من التصعيد ضدّ الانفصالية الإسلامية، لم ينسَ المرشحون للانتخابات الفرنسية ضرورة التفرقة بين الوجود (الإسلامي) في الغرب، والسيطرة (الإسلاموية) على تنظيمات المسلمين ومجتمعاتهم.

المتابعون للحملة الانتخابية الفرنسية يلاحظون أنّ لوبان تحاول استمالة أصوات الناخبين، الذين صوّتوا لميلانشون، لأنّ برنامجها، على حدّ قولها، يلتقي مع برنامجه فيما هو سوسيو اقتصادي

الملاحظة السابقة أكّدها تغيّر خطاب المرشحين قبل وبعد الترشح للانتخابات الفرنسية، وتناولها المتخصصون في الشأن الفرنسي مؤخراً. وكتبت الباحثة في الشأن الفرنسي، شيرين الملواني، في مقال بجريدة "الأهرام" المصرية، بتاريخ 18 نيسان (أبريل)، تحت عنوان: "نظرة على الانتخابات الفرنسية": "الحقيقة أنّ ظاهرة "لوبان" تستحقّ التأمّل كمرشحة "التجمع الوطني اليميني المتطرف"؛ فقد غيرت لهجتها وعدّلت من وتيرتها، المُعتمدة منذ سنوات، في تحوّل تعجّب منه الجميع؛ فقد كانت قبل أسابيع قليلة تشنّ حملة خافتة، مع التركيز على زيارة بلدات صغيرة في "فرنسا المنسيين"، وعلى مسألة القدرة الشرائية، ووجدناها وقد تركت التصريحات الأكثر تطرفاً حول الهجرة والمهاجرين والإسلام والمسلمين إلى منافسها في صفوف اليمين المتطرف "إريك زمور"، في تحوّل كبير وذكي كمحاولة تلطيف صورتها مع المحافظة على برنامجها الدعائي.

 وتضيف الملواني: "المُطلع على المجريات من الداخل؛ سيجد أنّ "لوبان" تبذل كلّ شيء كي لا تجازف بإيقاظ صورة المرشحة الخطرة العنصرية؛ فهي لم تعد تضع اسمها على الملصقات، وفي منشوراتها تكاد لا تتحدث عمّا نادت به لسنوات، تريد أن تجعل الناس ينسون تنمّرها وتهديدها ووعيدها للمهاجرين، وهو ما زاد ترقّب الناخب الفرنسي للنتائج القادمة".

تنازلات الانتخابات

يؤكّد الحسيني الطرح نفسه: "خلال الحملات الانتخابية ما لاحظته هو تنازل الرئيس ماكرون عن الكثير من مبادئه من أجل الحصول على الأصوات"، موضحاً: "في حادثة جرت الأسبوع الماضي؛ سألت محجبة ماكرون: "هل يقبل أن تكون فيمنست ومحجبة؟"، فقال لها: "لا؛ وهذا شيء غريب، فمن المستحيل أن تكون فيمنست تؤمن بالمساواة وتقبل الحجاب الذي هو ضدّ المساواة بين الجنسين، وهي أحد أهم ركائز الفيمنست". طبعاً هذا الجواب من ماكرون مناسب للجولات الانتخابية، لكن عندما كان في الرئاسة كان رأيه مختلفاً تماماً".

وكان رأي ماكرون واضحاً قبل الانتخابات، وخلال فترة حكمه، حول الحجاب، بحسب الحسيني: "الحجاب ليس رمزاً للمساواة، وهو بمعناه تمييز على أساس الجنس".

من جانبها، تناولت لوبان الحجاب في مقابلات صحفية: "وضع الحجاب في الأماكن العامة في فرنسا يجب أن يعدّ مخالفة تستوجب أن تفرض الشرطة غرامة عليها تماماً مثل مخالفة المرور".

وقبل أيام تعرضت مرشحة اليمين المتطرف الفرنسية، مارين لوبان، لحملة سخرية في تونس والجزائر، جراء تصريحات بشأن الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة.

التصريح، الذي جانبه الصواب، جاء في سياق تبرير لسعيها لمنع الحجاب في الأماكن العامة في فرنسا، في حوار بثته إذاعة "فرنس إنتر" أكّدت خلاله؛ أنّ "الرئيس التونسي الراحل، الحبيب بورقيبة، منع الحجاب في الجزائر، ردّاً على سؤال بشأن أنّ فرنسا ستصبح أول دولة تمنع الحجاب في الأماكن العامة في حال تمّ إقرار مشروع لزعيمة حزب التجمع الوطني"، ويشير الخطأ لضعف المعرفة بالخريطة الجغرافية المغاربية للمرشحة الفرنسية.

الانقسام الفرنسي

لكن من أبرز مؤشرات القلق في الدور الأول؛ أنّ أكثر من نصف الناخبين صوّتوا لأقصى اليمين أو اليسار، وتشير إلى ذلك شيرين الملواني في مقال "الأهرام": "وهو ما يكشف حدّة الانقسام في المجتمع الفرنسي، ولا يبعث فقط على القلق بسبب فشل الرئيس ماكرون خلال ولايته الأولى في ردم الهوّة وعدم الثقة المتزايدة داخل فئات واسعة من المجتمع الفرنسي في السياسة وفي الوحدة الأوروبية، بل تُعَد الصدمة للساسة الأوروبيين الذين يهتمّون بالمشهد الفرنسي؛ أنّ نتيجة الانتخابات ترسم صورة بلد منقسم بشدة، فهناك أكثر من خمسين في المئة من الناخبين أدلوا بأصواتهم لمرشح يساري أو يميني شعبوي، مما يدعونا لتصنيف هذا الفعل بالمتطرف الصادم".

ويرى وليد الحسيني؛ أنّ الانتخابات الحالية لم تشهد حديثاً متزايداً عن خطر الإسلام السياسي مثل السابق "وإن كان هناك حديث قليل عن رموزه، مثل الحجاب في الأماكن العامة، لكنّه قليل مقارنة مع الانتخابات السابقة، وذلك بفعل ما حدث من قوانين الانفصالية الإسلامية وغيرها، والتي تمّت في عهد ماكرون سابقاً".

على الرغم مما سبق، يظلّ السؤال قائماً؛ هل ستميل الكفة كما حصل سابقاً لصالح الرئيس المرشح ماكرون؟ وهل سيؤثر الناخبون المسلمون، خاصة ذوي الأصول المغاربية، في هذه النتيجة؟

الباحث وليد الحسيني لـ "حفريات": الانتخابات الحالية لم تشهد حديثاً متزايداً عن خطر الإسلام السياسي، وإن كان هناك حديث قليل عن رموزه مثل الحجاب

عميد معهد العلوم السياسية والقانونية والاجتماعية بجامعة مونديابوليس بالدار البيضاء، الدكتور علي لحريشي، يرى أنّ هناك ثلاثة أقطاب متكافئة، هي: قطب الوسط اليميني الذي يمثله ماكرون، وقطب  يميني متطرف تمثله السيدة لوبان، وقطب شعبي يمثله السيد ميلونشون، مع الإشارة إلى أنّ هناك قطباً رابعاً يمثّله الممتنعون عن التصويت.

ويضيف لحريشي في تصريح لـ "حفريات": "مع تحليل المحتوى لهذه النتائج نجد أن عدداً كبيراً من أصوات المسلمين الفرنسيين كانت في صالح السيد ميلانشون ويتبعه السيد ماكرون، ويجب هنا أن نستحضر أنّ السيدة لوبان تدعو في برنامجها إلى سنّ قانون يمنع ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، وأيضاً بتضييق هامش الهجرة والتجنيس للأجانب ذوي الأصول الإسلامية، مع العلم أنّ مساندها في هذا الدور هو السيد زمور، الذي يبني خطابه على تطرف واضح وإقصاء لكلّ ما هو ليس فرنسياً "أصيلاً"، على حدّ قوله، خاصة إذا كان من ذوي الأصول المغاربية المسلمة".

ويلفت لحريشي إلى أنّه "تجب الإشارة أيضاً إلى أنّ السيد ميلانشون، الذي حاز على حوالي ٢٢% من أصوات الناخبين، دعا بوضوح إلى عدم التصويت للسيدة لوبان، واستناداً إلى استطلاعات الرأي التي تشير إلى أنّ السيد ماكرون له حظوظ أوفر للفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، رغم عدم رضى عدد كبير من الفرنسيين على الفترة الرئاسية السابقة، تبقى حظوظه أوفر للفوز".

رغم هذه الدلالات الواضحة، إلا أنّ كلّ المتابعين للحملة الانتخابية الفرنسية يلاحظون أنّ السيدة لوبان تحاول استمالة أصوات الناخبين، الذين صوّتوا للسيد ميلانشون: "تعلّل لوبان  أنّ برنامجها، على حدّ قولها، يلتقي مع برنامجه فيما هو سوسيو اقتصادي، مثل: سنّ التقاعد، والرفع من الحدّ الأدنى للأجور، ..إلخ. وأيضاً استمالة أصوات المصوّتين المسلمين؛ حيث إنّها أعربت عن إمكانية الرجوع نسبياً عن قانون الحجاب، بعد تداول شريط لقائها بسيدة مسلمة على قنوات التواصل الاجتماعي".  

مواضيع ذات صلة:

الانتخابات الفرنسية.. هل ثمة تغيير في استراتيجية مواجهة الإسلام السياسي؟

كيف اخترقت جماعة الإخوان الجالية المسلمة في فرنسا؟

تحذيرات من "انتخابات بلا ناخبين" في فرنسا.. ما الأسباب؟

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية