هل ينجح "الإرباك الليلي" في اقتلاع المستوطنين من جبل صبيح؟

هل ينجح "الإرباك الليلي" في اقتلاع المستوطنين من جبل صبيح؟

مشاهدة

28/06/2021

ما إن ينتهي الشبان  بقرية بيتا، جنوب مدينة نابلس، من مواجهة جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال ساعات النهار، ويرخي الليل عباءته، تتكاثر كرات اللهب ويقرع بعضهم الطبول، يصدحون بأعلى أصواتهم بالأغاني الوطنية، فيما يشعل آخرون إطارات السيارات بهدف إزعاج المستوطنين داخل مستوطنة "أفيتار" المقامة أعلى جبل صبيح، ضمن فعاليات الإرباك الليلي، فيما يراقب كبار السنّ الوضع من بعيد، لينبّهوهم من خطر الجنود المتربصين بهم.

اقرأ أيضاً: الاستيطان.. جريمة ضد الإنسانية

هذه الأفعال تندرج تحت اسم "الإرباك الليلي"؛ التجربة مستوحاة من سكان قطاع غزة، إذ نشطت خلال فعاليات مسيرات العودة، عام 2018، التي استمرت لمدة عامين، وكان الهدف منها تخفيف حدة الحصار على قطاع غزة، وإتاحة حياة كريمة لسكان القطاع.

ويستخدم الشبان المشاركون بفعاليات "الإرباك الليلي" بالقرب من مستوطنة "أفيتار" مكبرات الصوت والأضواء، وأشعة الليزر الملونة، إضافة إلى إشعال إطارات السيارات، وإصدار أصوات مزعجة بواسطة مكبرات الصوت، وذلك لترهيب المستوطنين وبثّ الرعب في قلوبهم، وتحويل حياتهم إلى جحيم وإجبارهم على إخلاء تلك المستوطنة.

يقع جبل صبيح ضمن المنطقة "ج" التي نصّ عليها في اتفاقية أوسلو

ويقع جبل صبيح ضمن المنطقة "ج" التي نصّ عليها في اتفاقية "أوسلو"؛ حيث تشكّل تلك المناطق نحو 61% من أراضي الضفة الغربية، ويبلغ ارتفاع قمة الجبل 570 متراً، وهو يأتي ضمن أعلى القمم في مدينة نابلس، وتقدَّر مساحته بحوالي 840 دونماً، ويسيطر المستوطنون حالياً على مساحة 20 دونماً من أراضيه، معظمها لأهالي يتما وقبلان، وتعود ملكيته لفلسطينيين من القرى الثلاث، يملكون وثائق قانونية تثبت ذلك.

اقرأ أيضاً: هل تتراجع إسرائيل حقاً عن إقامة مستوطنة على جبل صبيح في الضفة الغربية؟

وأقام الاحتلال والمستوطنون بؤرة استيطانية على الجبل، في محاولة للسيطرة عليه، وكمقدمة لإقامة مستوطنة كبيرة في المنطقة، إذ يحاول المستوطنون فرض أمر واقع من خلال تسريع توسيع البؤرة وإقامة منازل خرسانية في المنطقة.

على أعلى قمم تلال بيتا وجبالها، يسير عبد الرحمن (اسم مستعار) ليصل إلى أقرب نقطة من مستوطنة" أفيتار"، برفقة عدد من الشبان، ليبدؤوا فعاليات الإرباك الليلي، وإصدار الأصوات المزعجة وإشعال الإطارات، فهذا الجبل أصبح مبتغاهم الوحيد الفترة الأخيرة.

واجب وطني

ويقول عبد الرحمن، في حديثه لـ "حفريات"، وهو يخفي وجهه خشية الملاحقة الأمنية: "مشاركتنا بفعاليات الإرباك الليلي واجب وطني على كلّ مواطن فلسطيني بالضفة الغربية، حتى لا ينعم المستوطنون بالأمان، إذ إنّنا لن ننهي تلك الفعاليات حتى إخلاء البؤرة الاستيطانية، وعودة جبل صبيح للفلسطينيين، للقضاء على حرب الأمكنة التي تمارسها سلطات الاحتلال منذ احتلال فلسطين".

فكرة تنظيم فعاليات "الإرباك الليلي" بالضفة الغربية، تحديداً بمنطقة جبل صبيح ببلدة بيتا، جاءت نتيجة إصرار أبناء البلدة على إخراج المستوطنين من تلك البؤرة وتفكيكها

ويضيف: "منذ انطلاق فعاليات الإرباك الليلي يستهدفنا الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر، ويلاحقنا، حيث استشهد خمسة من رفاقنا، إضافة إلى إصابة العشرات بالرصاص الحي، ورغم ذلك إلا أننا مستمرون في مقاومة الاستيطان، فنحن نشعل إطارات السيارات حتى يتطاير دخانها نحو المستوطنة، ونتعمد إصدار أصوات مزعجة، حتى لا يهنئوا بالعيش على أرضنا التي سلبوها منا".

اقرأ أيضاً: هذه أبرز محطات الاستيطان قبل "الدولة اليهودية"

يواصل حديثه: "نحن مضطهدون من قبل سلطات الاحتلال، ولا نتملك أيّة وسيلة للدفاع عن أنفسنا، وأرضنا التي تسلَب على مرأى العالم، دون أن يتحرك أحد؛ لذلك اتجهنا نحو أساليب المقاومة الشعبية، ومنها "الإرباك الليلي"، والتي أثبتت فعاليتها في غزة قبل عامين، ونحن في قرية بيتا يد واحدة لمواجهة الاحتلال، ولا يمكن لنا أن ننام بأمان وتلك البؤرة الاستيطانية متواجدة أعلى جبل صبيح".

أطماع متكررة

 من جهته، يقول مدير مكتب مقاومة الجدار والاستيطان، شمال الضفة الغربية، مراد شتيوي، في حديثه لـ "حفريات": "أطماع المستوطنين في جبل صبيح برزت قبل 3 سنوات، عندما أقاموا عليه بؤرة استعمارية، لكن تمّت إزالتها بفعل المقاومة الشعبية، والتي تتبناها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بالتنسيق  مع فصائل العمل الوطني، وتكررت الأطماع مرتين، وفي المرتين تمّت إزالة البؤرة بالطريقة نفسها".

مدير مكتب مقاومة الجدار والاستيطان، شمال الضفة الغربية، مراد شتيوي

 يضيف: "هذه المرة كان هناك إصرار كبير من قبل المستوطنين على إنشاء هذه البؤرة، مستغلين العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، وانشغال العالم بتلك الأحداث فبنوا وحدات استيطانية وصل عددها خلال الثلث الأول من حزيران إلى (40) وحدة بكامل البنى التحتية من كهرباء وماء وشوارع معبدة، حيث إنّ أهمية هذا الجبل تكمن في أنّه مرتفع بالدرجة الأولى، ويأتي بموقع متوسط لقرى قبلان ويتما وبيتا في جنوب نابلس".

مدير مكتب مقاومة الجدار والاستيطان، شمال الضفة الغربية، مراد شتيوي، لـ "حفريات": أطماع المستوطنين في جبل صبيح برزت قبل 3 سنوات، عندما أقاموا عليه بؤرة استعمارية

يتابع: "تشهد المنطقة تحوّلاً وطنياً كبيراً في استحداث وسائل جديدة بالمقاومة الشعبية، تتمثل بمشاركة الآلاف من أبناء بلدة بيتا والقرى المجاورة، بالتنسيق مع هيئة مقاومة الجدار وفصائل العمل الوطني، كما تمّ استحداث وحدات "الإرباك الليلي" التي يبدأ نشاطها بشكل يومي من ساعات الغروب حتى ساعات الفجر، يتخللها إحراق إطارات، وتسليط كشافات الليزر وإصدار أصوات عالية بالقرب من البؤرة، والتي أطلق المستوطنون عليها اسم "أفيتار".

مخطط استيطاني

ويبيّن أنّ الاستيلاء على جبل صبيح يعدّ استكمالاً للمخطط الاستيطاني الذي يبدأ من كفر قاسم ومستوطنة (أورانيت، شعري تكفا، القناة، برقان، أرئيل، تفوح، معاليه أفرايم ثم فصايل، وهذا الخطّ يقطع الضفة الغربية عرضياً فيفصل شمالها عن وسطها، وجنوبها على امتداد طريق رقم (5).

اقرأ أيضاً: إسرائيل تحوّل أقدم مطار فلسطيني إلى أضخم حيّ استيطاني

يشدّد: "إصرار سكان قرية بيتا، والقرى المجاورة لها، على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بأدوات وأساليب بسيطة، مثل "الإرباك الليلي"، يعدّ عهداً جديداً في مواجهة المشاريع الاستيطانية، وطرق مواجهتها؛ إذ إنّ تلاحم كافة سكان بلدة بيتا، بكبارها وصغارها ونسائها، ومشاركتهم بالمواجهات ليل نهار دون ملل او تراجع، يدلّ على أنّهم سوف ينتصرون ويسترجعون أراضيهم التي سلبت منهم.

يستخدم الشبان المشاركون بفعاليات "الإرباك الليلي" مكبرات الصوت والأضواء وأشعة الليزر الملونة، إضافة إلى إشعال إطارات السيارات

ويبيّن محمد دويكات، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وأحد قادة المقاومة الشعبية في بيتا؛ أنّه منذ اليوم الأول الذي استولى فيه المستوطنون على جزء من جبل صبيح وأقاموا بؤرة استيطانية، بدأت القوى والفصائل الفلسطينية بتنظم الفعاليات المتصاعدة للتنديد بذلك، وانتفض أبناء القرية وهبوا للدفاع عن أرضهم، والتصدي للمشروع الاستيطاني الذي يحاولون فرضه على أرض الواقع".

طريقة مناسبة

ويخبر "حفريات"؛ بأنّ فكرة تنظيم فعاليات "الإرباك الليلي" بالضفة الغربية، تحديداً بمنطقة جبل صبيح ببلدة بيتا، جاءت نتيجة إصرار أبناء البلدة على إخراج المستوطنين من تلك البؤرة وتفكيكها، فكانت تلك الطريقة الأنسب، كونها من أبرز الأساليب التي اتبعها الشباب الثائر في قطاع غزة، وكان لها تأثير كبير في سكان مستوطنات غلاف غزة.

اقرأ أيضاً: أردوغان يستغل ملف الاستيطان للمزايدة السياسية

ويشير إلى أنّ "المقاومة الشعبية في بلدة بيتا موحّدة بالميدان؛ إذ إنّ كلّ أبناء البلدة والبلدات المجاورة يخرجون ويشاركون بالفعاليات التي تقام، والموضوع لا يقتصر على الشبان فحسب؛ بل إنّ الشيوخ والأطفال يشاركون، وحتى النساء يشاركن في إعداد الطعام لإيصاله للمرابطين على الجبل.

يبدأ عمل فرق الإرباك الليلي بعد صلاة المغرب، وتتواصل حتى ساعات الصباح، فهم يعملون بشكل معمّق، وتلك الأفعال  تجعل من إقامة المستوطنين شيئاً مستحيلاً، حيث إنّ المقاومة الشعبية لا تقتصر على يوم واحد؛ بل هي مستمرة بشكل يومي، ولن تنتهي إلا بانتهاء احتلال الجبل" يقول دويكات.

وينوّه إلى أنّ الممارسات القمعية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بحقّ أبناء بلدة بيتا، من خلال إغلاق الطرق الرئيسة والمنافذ التي يخرجون ويدخلون منها، لن تثنيهم عن مواصلة نضالهم.

الصفحة الرئيسية