أسامة سلوادي.. كاميرا تتحدى رصاص الاحتلال مع أنّ القلب يئن

أسامة سلوادي.. كاميرا تتحدى رصاص الاحتلال مع أنّ القلب يئن

مشاهدة

23/07/2019

لم يجل في خلد المصوّر الصحافي، أسامة سلوادي، ما ستؤول إليه الأحداث ليس في فلسطين فحسب؛ بل وفي حياته، التي ارتبطت أيّما ارتباط بالأرض المحتلة؛ إذ حدّدت له أقدار الأرض مسيرة طفولته ومن ثم مهنته، ولاحقاً إصابته وما بعد إصابته.

اقرأ أيضاً: مصور باكستاني يوثق مساجد خلابة ومليئة بالسكينة بالإمارات (صور)‎
رسَمَ الاحتلال الإسرائيلي أقدار الفلسطينيين، من دون أن يستشرهم في ذلك، ومن ثم عبِث في أدق تفاصيل حياتهم، وقد صبغت مقاومته ومحاولة دحره جهود الفلسطينيين ويومياتهم وحتى هواياتهم. وقد كان سلوادي من بين فلسطينيين اجترحوا طريقة مغايرة لمقاومة المحتلّ، كان هذا من خلال الصور التي لطالما كانت على مسافة صفر من نقطة الاشتباك في الانتفاضتين الفلسطينيتين والاشتباكات المستمرة.

وبعد إصابة سلوادي برصاصة استقرّت في جسده فأقعدته، لم يبرح أسامة المشروع الذي عكف عليه طوال سنيّ عمره؛ إذ بات قائماً على مشروع توثيقي كبير رأى جزء منه النور، في ما يتعلق بالزيّ الشعبي الفلسطيني، والحياة البرية في فلسطين من نباتات وحيوانات وطيور، بالإضافة للإرث المعماري في فلسطين، ليكمل في الحقول السابقة ما كان قد بدأه، وليبدأ بمشروع توثيق المطبخ الفلسطيني، الذي عانى انتحال الاحتلال الإسرائيلي كذلك.

سلوادي متحفظ في حديثه، يُفضّل الاقتضاب ويضيق في مرات كثيرة من محاولة التوسّع في السؤال. يُفضّل أن يجيب من خلال الصور التي يقنصها ويقدّمها للمتلقّي صيداً ثميناً؛ لتُضاف لملف المرافعة الفلسطينية حول الأرض ومكوّناتها وهويّتها.

هناك صراع شرس يدور الآن حول الهوية الفلسطينية وانتحال مكوّناتها التراثية من مأكل وملبس وصناعات من قبل العدو الصهيوني

في ما يلي الحوار الذي جرى مع أسامة سلوادي، المولود في رام الله في العام 1973، والذي عمِل مع وكالة الأنباء ووكالة جاما الفرنسيتان، ووكالة رويترز، بالإضافة لتأسيسه وكالة "أبولو" الخاصة بالصور الفلسطينية وهي الأولى من نوعها في هذا السياق، ومجلة "وميض" الخاصة بالتصوير في فلسطين وهي الأولى في هذا المجال كذلك، وعمله كمستشار في مؤسسة الرئيس الراحل ياسر عرفات في العام 2008؛ لتأسيس أرشيف بصري للأرض المحتلة:

- استطاع أسامة سلوادي خلق قصة نجاح من مأساة شخصية ألمّت به خلال الانتفاضة. ألم تشعر للحظة أنّ التصوير كان فأله سيئاً بالنسبة لك؟ ألم تفكر بتغيير المجال عقب إصابتك؟
عملت في التغطية الإخبارية حوالي خمسة عشر عاماً، وكانت تجربة مليئة بالمغامرة والمخاطر. على من يدخل هذه المهنة توقّع ما حصل لاحقاً، وخصوصاً في منطقة حرب واشتباكات. كنت أصوّر الانتفاضتين والاجتياحات والاشتباكات الدائرة بشكل شبه يومي، وقد كانت احتمالية الإصابة واردة دوماً، وبالفعل أصبت مرات عدة إصابات طفيفة، حتى نالت مني رصاصة في رام الله في العام 2006، فيما أنا أقف على شرفة مكتبي في رام الله، ذات نهار رمضاني.

ماذا عن مشروع توثيق التراث الفلسطيني بصرياً؟ هل تبنّته جهة بعينها في فلسطين؟
أعمل على توثيق التراث الفلسطيني بصرياً منذ حوالي خمسة عشر عاماً، وقد أنجزت عدداً من الكتب المصوّرة، منها "ملكات الحرير"، الذي صدر في العام 2012، والذي أحسبه شرارة ثورة الاهتمام بالتراث التي نراها اليوم في فلسطين؛ ذلك أنّ النجاح الكبير لهذا الكتاب تزامنَ مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فكنت أنشر صور الصبايا الفلسطينيات وهن يرتدين الأثواب التقليدية، ما جعل كثيراً من السيدات والفتيات يرغبن بلبس الزي الشعبي والتقاط صور فيه، ما أفضى لزيادة الطلب عليه، وصولاً لما نشهده حالياً من دخول التطريز والتراث في كثير من المشاريع والتصاميم الحديثة. أما بالنسبة لسؤالك حول إذا ما كانت هنالك جهة ما قد تبنّت هذا، فالإجابة هي لا. أتحمل أعباءً كبرى في كل مرة أهمّ فيها بإصدار كتاب أو إقامة معرض.

في ما يتعلق بتوثيق المطبخ الفلسطيني، كيف تأتّت لك الفكرة وماذا وجدت عند البحث؟ هل ثمة نتائج خرجت بها؟
مشروع توثيق الطعام أخذ مني كثيراً من الوقت للتحضير ودراسة الفكرة. كانت الفكرة الأساسية أن أوثق الطعام بنفس أسلوب التوثيق الذي انتهجته في كتب سابقة لي، أي من خلال التوثيق البصري المرفق به نبذة ومعلومات معروضة بطريقة مقتضبة ووافية في الوقت نفسه، لكن بعد البحث الطويل الذي استمر حوالي أربعة أعوام، وبعد استشارة أساتذة كبار في التوثيق الفلسطيني، توصلت لكون هذا المشروع لا بد أن يترافق وبحث أكاديمي معمّق وموسّع حول تاريخ الطعام. ولأنّ المطبخ الفلسطيني أساساً يقوم على الزراعة، فقد قرّرت دراسة تاريخ الزراعة في فلسطين والمحاصيل وما ينتج عنها من مأكولات. لذا، فقد تحوّل المشروع من توثيق بصري إلى بحث أنثروبولوجي يبحث سيرة الطعام وقصة الحضارة التي نتجت عن الثورة الزراعية.

هل تعاني القضية الفلسطينية من غياب التوثيق، من وجهة نظرك؟
تعاني القضية الفلسطينية من أشياء كثيرة لا حصر لها، على رأسها عدم الاهتمام بالأرشفة والتوثيق. أظن أنّ الشعب الفلسطيني لم يقدّم روايته للعالم بعد.

اقرأ أيضاً: تعرف إلى أبرز مصورات الحرب..‎ (صور)

هل ثمة ميزانية فلسطينية كافية لمشاريع التوثيق والأرشفة؟
ليس هنالك احتضان أو تبنّ لمشاريع التوثيق والأرشفة، ولا يوجد ميزانية فلسطينية لمثل هذا. أحمل على عاتقي مشروعاً قومياً يحتاج جهة وطنية لتنفيذه وليس فرداً، لكنّ هذا جزء من التزامي الأخلاقي والوطني. ثمّة دعم ضئيل من قِبل بعض الشركات الفلسطينية، لكنه ليس كافياً، ويحول هذا بالطبع دون المضيّ في تنفيذ كثير من الأفكار.

كفلسطيني داخل الأرض المحتلة، هل تجد صراعاً يومياً في ما يتعلق بانتحال الهُوية؟
بالفعل هناك صراع شرس يدور الآن حول الهوية الفلسطينية وانتحال مكوّناتها التراثية من مأكل وملبس وصناعات. يفعل الاحتلال كل هذا بإصرار، وبنيّة مسبقة عنوانها العريض والأهم هو انتحال الهوية. المعركة بين الفلسطينيين والاحتلال هي معركة هويّة.

هل تجد أن المتاحف الفلسطينية تؤدي الدور المأمول في حفظ التراث الفلسطيني وصونه من النسيان والضياع؟
هناك متاحف عدّة في الوطن والمنفى، خاصة بالشأن الفلسطيني، لكنها لا تمارس العمل المتحفي. أراها أقرب ما تكون لدور العرض الفني. ثمّة غياب في المنهجية والرؤية ولا توجد خطّة واضحة للاهتداء بها، والتوثيق البصري والشفوي وما إلى ذلك يحتاج لخطة واضحة وخطوات مدروسة ضمن إطار زمني، ويحتاج لإمكانيات مادية ولإيمان حقيقي بأهمية العمل.

الصفحة الرئيسية