هل يذهب الدواعش للمريخ؟

هل يذهب الدواعش للمريخ؟

مشاهدة

25/03/2021

ماهر جبرة

"لو طبقنا الإسلام فسنعود لسبي النساء وأنتِ امرأة جميلة" كانت هذه هي الجملة التي استفزتني لدرجة جعلتني أنتظر أكثر من ساعة كاملة على إحدى غرف "كلوب هاوس" للرد على من قالها. الغرفة كانت تناقش فكرة تفسير النصوص الدينية بطريقة تناسب عصرنا. 

قيلت هذه الجملة على أنها طُرفة من شخص (سنرمز له بحرف ع)، يرى أن الإسلام الحالي لا يمثل الإسلام الصحيح وأنه لو توافرت القوة سيتم تطبيق الإسلام الصحيح، وعندها سنطبق أمورا اختفت في عصرنا الحالي نظرا لتجريم القوانين الحديثة لها مثل سبي النساء. 

"ع" قال هذا التعليق موجها كلامه لامرأة شابة، كانت تتحدث بلباقة ملحوظة عن ضرورة إعادة قراءة بعض النصوص الدينية، قائلا، "بكل صراحة لو لدينا القوة ولو طبقنا الإسلام فسنعود لسبي النساء وأنتِ امرأة جميلة"، في إشارة لأنه سيكون لها الأولوية في السبي. 

قال هذا مازحا أو ربما متخيلا أنها مزحة لطيفة، ورغم أن من تحاوره كانت من اللطف وكرم الأخلاق لدرجة أنها تعاملت مع الأمر بالضحك، إلا أن الموقف أغضبني بشدة. ببساطة لأن القضية أكبر بكثير من نقاش على إحدى غرف كلوب هاوس

"ع" يمثل تيارا يرى في نفسه أنه يمتلك الحقيقة المطلقة. فعندما حاول أن يلخص فلسفته في الحياة قال "الله حق والدين حق وأنا أطبق هذا الدين وأمثل هذه المفاهيم، لذا من حقي فرض هذه المعتقدات بالقوة. وإن ما يمنعني الآن فقط هو تطور دول الغرب التي لا يحكمها الإسلام ووجود حكام لا يمثلون الإسلام في معظم أنحاء العالم الإسلامي"، هذا على حد وصفه.  

رؤية "ع" ليست غريبة عليّ بالطبع، هي نفس الرؤية الصفرية الأحادية التي روج ويروج لها المفكرون التكفيريون، أمثال سيد قطب وعُمر عبد الرحمن. رؤية اختصرت آلاف المقالات والكتب والخطب التي تُشرعن التطرف، وتبرر نفي الآخر بل وقتله أحيانا باسم الحق المطلق. هي نفس الفكرة التي عبر عنها سيد قطب في كتابه الشهير "معالم في الطريق" عندما تحدث عن فكرة الحاكمية وقسم العالم لمعسكرين متحاربين، دار الإسلام ودار الحرب.

ما أزعجني هو الأريحية التي تحدث بها "ع" عن فكرة السبي (أسر واغتصاب النساء) بكل ما فيها من قبح وعنف وكأنه يناقش فكرة إنشاء "كوبري" أو إقامة مدرسة جديدة في إحدى القرى. ليس هو وحده من تحدث عن هذه الفكرة بأريحية، فقد دافعت عنها د. سعاد صالح الأستاذة الأزهرية المشهورة في فيديو من عدة سنوات، وقد كتبت مقالا للرد عليها سنة 2016

المدهش أن "ع"، وهو يروج للعنف الجنسي ضد النساء والعنف ضد الأقليات، طالبنا عدة مرات باحترام الرأي الآخر، عندما قلت له إن ما يقوله هو ترويج صريح للعنف. فمفهوم هؤلاء عن الحرية هو في حرية الذبح والقتل والإبادة. وإن مهاجمة هذه الأفكار من وجهة نظرهم تمثل "ازدواجية" من دعاة الليبرالية والحداثة الذين "يدعون" أنهم يحترمون حرية التعبير، على حد وصفهم!

ربما ما ساهم في غضبي هو أنني كنت قبلها بأيام أكتب نصا لفيديو عن رواية "أولاد حارتنا"، والتي تسببت في الاعتداء بسكين على الأديب المصري العظيم الحائز على جائزة نوبل في الأدب نجيب محفوظ. وفي أثناء بحثي عن شخصية من هاجم نجيب محفوظ، وجدت أنه لم يقرأ حرفا لنجيب محفوظ في حياته، بل كان يخطأ حتى في نطق اسمه مُطلقا عليه محفوظ نجيب على حد شهادة ضابط التحقيقات الذي حقق معه. 

محمد ناجي، الذي كان يعمل كفني إصلاح أجهزة كهربائية، كان يشارك ع في نفس منهجية أفكاره. فقد كان يرى محفوظ كافرا وخارجا عن الملة لأنه كتب رواية ربما يفسر البعض عددا من شخصياتها على أنهم رموز لشخصيات دينية. بل والأدهى أنهم يسقطون تصرفات شخصيات الرواية على شخصيات الأنبياء، متعاملين مع الأدب الرمزي وكأنه نص ديني! 

هذا الشاب كان يعتقد أنه ينفذ إرادة الله على الأرض، لدرجة أنه أعطى لنفسه الحق أن يقتل واحدا من أعظم من أنجبتهم مصر على مدار تاريخها. وقد كان كافيا بالنسبة له فتوى من مفتي الجماعة الإسلامية، الإرهابي عُمر عبد الرحمن، والتي أهدر فيها دم الأديب العظيم. 

وعلى قدر سعادتي بتطبيق كلوب هاوس وبقدرته على خلق فرص عظيمة للحوار، ولكنه أيضا يكشف عن كم التطرف الموجود في مجتمعاتنا. فقد تابعت في الأسابيع الماضية العديد من الغرف كثيرا منها ضمت مشاركين من مختلف الدول العربية وبالأخص دول الخليج. هذه الغرف جمعت في أحيانا كثيرة بين نقيضين. 

عقليات ذكية لشابات مثقفات وشباب مثقفين مُتصلين بالعالم ولديهم أفكار مُلهمة وقراءات عميقة ومتزنة للأحداث، وفريق آخر على النقيض تماما ما زال يعيش في وهم أستاذية العالم وفرض الخلافة وإقامة دولة الحق. فريق من الدواعش ربما ينتظر الفرصة المناسبة لتحويل أفكاره إلى ممارسات. دوره الأساسي هو خلق أكبر قدر من الضجيج لتعطيل أي نقاش هادف وتحويله لنقاش عبثي لمناقشة أمور يخجل المرء من ذكرها، مثل هل نترك النساء أحرارا أم نغتصبهن باسم الدين؟ وهل نقتل المثليين أم نتركهم ليعيشوا في سلام؟

هذا الفريق يرى أنه يمتلك الحق المطلق، هو من يقرر الصواب والخطأ. لا يفهم ولا يعترف بنسبية الأفكار ولا بتنوعها. فهم يعرفون كل شيء ولديهم رغبة عارمة في السيطرة على كل شيء وعلى البشر جميعا. هذا الوهم بامتلاك الحق المطلق أمر في منتهى الخطورة، فهو بذرة التطرف وأصله وهو عادة ما يسبق الذبح والقتل والدم في كل مرة.

ومن المُضحك والمُبكي في ذات الوقت أنه عندما عادت الكلمة للسيدة التي كانت تناقش "ع"، وقد سألها أحد المشاركين: ما العمل مع هؤلاء وأين نذهب من أفكارهم؟ قالت مازحة سنذهب للمريخ وسنتركهم هنا وحدهم على الأرض. ولكني بعد انتهاء الحوار، سألت نفسي سؤالا بسيطا، هل سيتركوننا في حالنا لو استطعنا فعلا الذهاب لكوكب المريخ واستيطانه؟ أم سيلحقون بنا لمحاولة فرض أفكارهم التي عفا عليها الزمن هناك أيضا؟

عن "الحرة"


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية