هل عودة سيف القذافي لحكم ليبيا خيار موسكو؟

هل عودة سيف القذافي لحكم ليبيا خيار موسكو؟

مشاهدة

24/06/2020

منذ عام 2017، تتناول وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أخباراً حول احتمال عودة سيف الإسلام القذافي لحكم ليبيا، كأحد الحلول المطروحة لفضّ النزاع المسلح الدائر في البلاد، منذ إطاحة القذافي عام 2011، وبحسب تقرير نشرته عدة شبكات إخبارية، منها قناة "العربية"، في آذار (مارس) عام 2018، يفيد بترشح سيف القذافي إلى رئاسة الجمهورية الليبية، فإنّ الأخبار قد عادت من جديد، بعد تراجع قوات المشير خليفة حفتر، التي ما تزال مسيطرة على سرت والجفرة.

سيف ليبيا القذافي

لثلاثة أعوام؛ أثار الرجل الذي حكمت المحكمة الجنائية الدولية بارتكابه جرائم ضدّ الإنسانية، بالاشتراك مع والده الراحل، ضجّة في وسائل الإعلام التي طال حديثها عن احتمال عودته إلى الحقل السياسي، الذي أعلن اعتزاله في بثّ مباشر على التلفزيون الحكوميّ، في آب (أغسطس) عام 2008، قائلاً: "لقد قررت الانسحاب وعدم التدخل في شؤون الدولة"، قبل أن تطيح بوالده الاحتجاجات الشعبية، في شباط (فبراير) عام 2011، ثمّ عاد بعد أيام من اندلاع التظاهرات في ليبيا ضدّ حكم والده، ليخاطب الأمة الليبية بشأن الاضطرابات في البلاد، في خطاب متلفز غير مكتوب، محذّراً من الحرب الأهلية والفقر إذا وقف الشعب، إلى جانب المتظاهرين المناهضين للحكومة الليبية، وسجّل الابن الثاني لمعمر القذافي، أحد أبرز أبنائه، حضوراً على الساحة السياسية، ولطالما كان يعدّ وريثه، قبل أن يطاح بحكم العائلة، وعودته للساحة السياسية، بعد الاحتجاجات التي خرج خلالها، أكثر من مرة، معلناً أنّ انتصار الزعيم على المتمردين أمر حتمي، وهو ما لم يحدث أبداً.

سيف القذافي ذو الميول الديمقراطية والداعم لحفتر سيكون الاختيار الأمثل لمحاولة السيطرة على الفوضى والإرهاب اللذَين يجتاحان ليبيا

وقبل مقتل والده، في آب (أغسطس) 2011، ظهر سيف القذافي في فندق ريكسوس، لتكذيب ادعاء المتمردين بأنّه وأخويه محتجزون، وفي مقابلة وجيزة أجراها مع ماثيو تشانس، مراسل شبكة "CNN"، قال إنّ والده والعديد من إخوته في أمان في طرابلس، إلى أن تمّ احتجازه في أواخر 2011، وحكم عليه بالإعدام غيابياً، في تموز (يوليو) 2015، ثمّ أعلنت كتائب أبو بكر الصديق، في حزيران (يونيو) عام 2017، الإفراج عن سيف القذافي، المعتقل منذ ستة أعوام، وقد أتى هذا الإفراج، بحسب زعمهم، بموجب قانون العفو العام، الذي أصدره البرلمان الليبي، إلّا أنّه لم يتم الإعلان عن مكانه منذ ذلك الوقت، لاحتياطات أمنيّة.

 بعد تفاقم الصراع الليبي؛ ظهر سيف مرة أخرى في تسجيل مصور يعلن فيه نيّته الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية الليبية، لتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تغريدات ومنشورات تؤيد هذا القرار، وترى في عودة الرجل النهاية الأمثل لحرب طال أمدها، ووقف التدخل الخارجي الذي تقوده أنقرة، للسيطرة على موارد ليبيا التي يتطلع إليها أردوغان طامعاً.

روسيا.. محاولة للسيطرة على الموقف

لا شكّ في أنّ ليبيا لا تتصدر قائمة أولويات الكرملين في السياسة الخارجية، ورغم أنّ هيمنتها على سوريا، أصبحت أمراً واقعاً، ظلت الدولة، الواقعة في قلب الشمال الأفريقي، معقلًا مهماً للدبلوماسية الروسية على مدى العقد الماضي، بل لعبت دوراً في تشكيل السياسة الخارجية لروسيا في المنطقة، ورغم أنّ الوجود والتأثير الروسي في ليبيا يعود إلى عدة عقود، إلا أنّ الحرب الأهلية الليبية كان لها دور بارز في ترسيخ سياسة روسيا غير التدخلية، وبرز ذلك عقب اندلاع الاحتجاجات عام 2011؛ حين دعا رئيس لجنة الشؤون الخارجية الليبية روسيا إلى الاعتراض على قرار مجلس الأمن  1973 (2011)، الذي أعلن فيه المجلس استنكاره للعنف ضدّ المحتجين، باعتبار أنّ مثل هذا القرار سيؤدي إلى تغيير النظام وانهيار الدولة الليبية، ورغم المراسلات المكتوبة الموجهة مباشرة إلى سيرجي لافروف، فقد القذافي معركته لفرض النفوذ في الدقيقة الأخيرة، لصالح فرنسا وقطر، اللتين مارستا ضغوطاً كبيرة، من أجل التقاعس الروسي، بحجة أنّ قوى الناتو ستقتصر على إنشاء منطقة حظر طيران وحماية المدنيين من القصف.

الخطر اقترب من روسيا، تحديداً في تموز (يوليو) من العام 2019، بعد أن اعتقلت قوات حكومة الوفاق، بقيادة فايز السراج، مواطنَين روسيَّين هما: "ماكسيم شوغالي، وسامر علي"، اللذين يقودان فريقاً بحثياً في علم الاجتماع، والمتواجدَين في ليبيا منذ عام 2011، وقد مارست روسيا للإفراج عنهما كافة الضغوط السياسية، حتى قرر أصدقاء شوغالي إنتاج فيلم وثائقي يحكي معاناة الشعب الليبي التي يتقاسمها معه ماكسيم، في فيلم يحمل اسمه، عرضته شبكة RT" " الروسية، في أيار (مايو) الماضي، لكن ما يزال شوغالي، ومترجمه الخاص، في سجن معيتقية منذ أكثر من عام، لتعلن الحكومة التركية مؤخراً، وبعد تقدم حكومة الوفاق التي تدعمها، أنّ المعتقلَين سيتم ترحيلهما إلى تركيا للتحقيق معهما من قبل الاستخبارات التركية، في قضية تجسس، ويأتي هذا التعسف بحقّ المعتقلَين الروسيَّين، بعد إعلان روسيا وقوفها ضدّ الإرهاب الذي تدعمه حكومة الوفاق، وبدء تعاون روسيا مع المشير خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي، عندما شنّ الأخير "عملية الكرامة" لإخراج الجماعات الإرهابية من مدن ليبية، مثل بنغازي.

هل تدعم روسيا عودة آل القذافي؟

بالنسبة إلى موسكو؛ فإنّ دور حفتر في محاربة داعش والقاعدة والميليشيات التي تقف وراء "عملية فجر ليبيا" جعل المشير يستحق القيام بدور مركزي في السياسة الليبية، واتصال جيد للحفاظ عليه، عندما تمّ التوقيع على اتفاقية الصخيرات، في كانون الأول (ديسمبر) 2015، والتي تمّ الاعتراف فيها بحكومة الوفاق الوطني كحكومة وحدة وطنية، كانت وزارة الخارجية الروسية فاترة بشأن العملية السياسية، التي اعتبرتها متعجلة وهشة، بحسب ما كتبت وكالة "سبوتنيك" الروسية، وبالنسبة إلى فيتالي تشوركين، سفير روسيا لدى الأمم المتحدة، كان الواقع على الأرض مختلفاً تماماً عن جوهر المفاوضات السياسية، في رأيه؛ إذ كانت ليبيا، وما تزال، تعاني من القتال الذي كان مدعوماً بالتمويل الأجنبي، والتنافس على الموارد الطبيعية والتدخل التركي الذي قلب الموازين، ووفق تقرير نشرته شبكة "بلومبيرغ" الأمريكية، في أواخر آذار (مارس) الماضي؛ فإنّ مسؤولين روساً اجتمعوا بسيف القذافي، الذي يساند الجيش الوطني الليبي والمشير حفتر؛ إذ شكّك التقرير في نوايا موسكو فيما يخصّ عودة سيف القذافي إلى ليبيا ليحكم البلاد التي طال أمد نزاعها،  خاصة أنّ الرجل الأربعيني، الذي له باع طويل في السياسة الليبية، وذو الميول الديمقراطية، سيكون الاختيار الأمثل لمحاولة السيطرة على الفوضى والإرهاب اللذَين يجتاحان البلاد، كما سيعمل على الحدّ من النفوذ الغربي والتركي، اللذين يهويان بليبيا إلى القاع، بحسب ما أفاد التقرير.

لكنّ نوايا روسيا لم تتكشف بعد في هذا الشأن، ولا أحد يعلم مدى صحة ما جاء في التقرير، ويأتي إعلان العديد من القبائل الليبية، في مقدمتها قبائل ترهونة، رفضها لحكومة الوفاق، وتأييدها لقرار الرئيس المصري بحماية الحدود الغربية مع ليبيا من الاحتلال التركي، الذي يرفضه الشعب، كتغيير في موازين القوى، بعد أن ظنّت تركيا وحكومتها في ليبيا، أنّ الأمور قد استقرت لهم.


الصفحة الرئيسية