هل توحّد أطماع أردوغان الليبيين؟

هل توحّد أطماع أردوغان الليبيين؟


06/01/2020

فعلها مجلس النواب الليبي؛ إذ قرّر، في جلسة السبت الرابع من كانون الثاني (يناير) الجاري، إلغاء مذكرتَي التفاهم الموقَّعتين بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق غير الدستورية، فايز السراج، وإحالته إلى القضاء بتهمة الخيانة العظمى، بالتزامُن مع دعوة قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، للنفير العام في مواجهة العدوان التركي، وباتهامه، الرئيس التركي، بالمغامرة لإحياء الإرث العثماني في ليبيا والمنطقة العربية، مطالِباً الليبيين بالتوحّد وحمل السلاح ضدّ المستعمر، رداً على اعتزام أنقرة إرسال قوات إلى العاصمة طرابلس.

جاء قرار مجلس النواب الليبي بمثابة إعلان رسمي ديمقراطي من النواب الليبيين رفضهم القاطع لأحلام أردوغان التوسعية في المنطقة العربية، متخذاً من ليبيا موطئ قدم لبلاده بعد أن تذرَّع بموافقة شكلية للبرلمان التركي، الخميس 2 كانون الثاني (يناير) الجاري، على مذكرته التي تتيح إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا دعماً لحكومة فايز السراج، الموالية لتركيا، ليس لتوحيد ليبيا وتطبيق الديمقراطية وحفظ النظام والأمن في أراضيها؛ بل لأنَّ أنقرة تبذل قصارى جهدها في مساعدة حليف لها، السراج، في سياق دعم مطالباتها في التنقيب عن الغاز شرق البحر المتوسط، والعمل على إزعاج مصر وتطويق حدودها الغربية، دعماً لفلول جماعة الإخوان المحظورة، الموالية لتركيا، والمنسقة مع حكومتها، فيأتي قرار مجلس النواب الليبي وفي هذا التوقيت الحسّاس بمثابة الضربة القاضية لبتر أحلام أنقرة، ووأد أطماعها التوسعية.

اقرأ أيضاً: لماذا يسعى أردوغان لإقحام تونس في الأزمة الليبية؟

لا أدلّ على هذا من أنّ البرلمان الليبي سيطالب مجلس الأمن بعقد جلسة طارئة لمناقشة التدخل العسكري التركي، وهو ما وجد صدى له بشكل مباشر وسريع عندما وجّه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تحذيراً غير مباشر إلى تركيا، من إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، مؤكّداً في بيان؛ أنّ "أيّ دعم أجنبي للأطراف المتحاربة في ليبيا لن يؤدّي إلا إلى تعميق الصراع"، مجدِّداً دعوته إلى "وقف فوري لإطلاق النار في البلاد، وعودة جميع الأطراف إلى الحوار السياسي".

قرار مجلس النواب الليبي رفض ديمقراطي قاطع لأحلام أردوغان التوسعية في المنطقة

أي إنَّ قرار مجلس النواب الليبي يعطي حافزاً قانونياً سليماً لرفض ممارسات فايز السراج وحكومته، التي تتحالف مع أردوغان عبر توقيع مذكرات تفاهُم غير قانونية، تخالف الاتفاق السياسي الليبي الموقَّع بالصخيرات، في كانون الأول (ديسمبر) 2015، الأمر الذي يربك، بلا شكّ، التحركات التركية الرامية إلى إرسال قوات من الجيش التركي مدعومة بعناصر من مرتزقة في سوريا، لغزو ليبيا، ومساعدة السراج في معارك قواته ضدّ قوات المشير خليفة حفتر في طرابلس، وهي المعارك التي أوشكت على نهايتها، بتقدّم ملموس لقوات حفتر.

توقيت مثالي

قرار مجلس النواب الليبي جاء في وقته تماماً؛ فهو أولاً يعبِّر عن رغبة نواب يمثلون الشعب الليبي، وثانياً؛ يستند إلى وجوه قانونية لا يختلف عليها أحد، وثالثاً: يكشف زيف وأوهام أردوغان الذي بمحاولات تدخّله في الشأن الليبي، إنما يكشف نفسه وأطماعه؛ إذ إنّ ليبيا تبعد عن تركيا أكثر من ألف وخمسمئة كيلومتر، فهي لا تتقاسم معها أي حدود، برية أو بحرية، ما يطرح تساؤلات عن طبيعة التدخّل التركي في ليبيا، ويشي بأنّ هذه التدخلات إنما تأتي بهدف السيطرة على آبار النفط الليبي الغنية بمخزون إستراتيجي ضخم، في وقت تستهلك فيه تركيا الطاقة المستورَدة بكثافة هائلة؛ إذ تشير الأرقام إلى أنّ تركيا تستورد، سنوياً، نفطاً ومواد طبيعية وصناعية من الطاقة بنحو 50 مليار دولار، فهي تعتمد على الخارج في تأمين أكثر من 75% من احتياجاتها من مواد الطاقة سواءً من النفط أو الغاز.

اقرأ أيضاً: أردوغان… والأحلام والأوهام

كما تأتي هذه التدخلات تعبيراً واضحاً، وترجمة حقيقية لأطماع أردوغان في منطقة شرق المتوسط الغنية بالغاز الطبيعي، وقد قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية مخزون الغاز في حوض شرق البحر المتوسط بأكثر من 345 تريليون قدم، وهي كميات يمكن أن تتجاوز الاحتياطات الأمريكية نفسها، ويتضمّن هذا الحوض كميات ضخمة من الاحتياطيات النفطية وسوائل الغازات، كما أنّ تركيا تستهدف استفزاز مصر تحديداً، في محاولة بائسة منها لفكّ الخناق عن جماعة الإخوان المحظورة، ومحاولة الضغط على الحكومة المصرية للدخول في مصالحة مع الجماعة، أو على الأقل المساومة بورقة ليبيا وأمن مصر الغربي، وهو ما تعيه الحكومة المصرية، ويتحفّز لإفشاله بكلّ الطرق، حتى لو عن طريق المواجهة العسكرية مع نظام أردوغان.

في التلاعُب بورقة الإسلام السياسي

لقد نجح نظام أردوغان في التلاعُب بورقة الإسلام السياسي في المنطقة، عبر استثمار الحركات الراديكالية الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المحظورة، من خلال لعبة المصالح المشترَكة، واستخدام خطاب سياسي شعبوي، يلتحف بالشعارات الرنّانة، والدوغما، والعبارات الدينية التي تدغدِغ مشاعر الوعي الجمعي العربي؛ كالدفاع عن قضية القدس وتحرير الأراضي الفلسطينية، رغم أنّ تركيا تُعدُّ أكبر دولة في الشرق الأوسط لها علاقات سياسية وتجارية، بل وعسكرية، مع إسرائيل.

التدخلات التركية تشي بأطماع السيطرة على مخزون الطاقة الإستراتيجي الضخم لليبيا في المتوسط

في الوقت الذي احتوى فيه نظام أردوغان لحركات الإسلام السياسي في الداخل التركي، سعى لتصدير آثارها المدمِّرة إلى محيطه العربي، ما يؤكد أنّ أيّ خلل سياسي أو اجتماعي أو ثقافي باسم الدين، إنما يتم عبر هذه الجماعات التي تم توظيفها تاريخياً بهذا الدور منذ نشأتها.

يقيناً، لن يرتضي نظام أردوغان ولن يستسلم لقرار مجلس النواب الليبي، فهدف تركيا محاولة الإبقاء على حكومة فايز السراج لأطول فترة ممكنة، حتى تكسب تلك الحكومة مواقع سياسية وعسكرية على أرض الواقع، تمكّنها بعد ذلك من فرض كلمتها ونفوذها إذا ما جلس الفريقان، حفتر والسراج، على طاولة المفاوضات فيما بعد!

الصفحة الرئيسية