هل تحرّر تصريحات أردوغان الثورية ذرّة من تراب فلسطين؟

هل تحرّر تصريحات أردوغان الثورية ذرّة من تراب فلسطين؟

مشاهدة

06/07/2020

لا أحد يفوق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحاته اللاذعة ضد إسرائيل، ولا أحد في المنطقة يفوقه في تحالفه معها، وهي معادلة أدركتها إسرائيل الحساسة تجاه التصريحات العربية، وقَبلت بها، مراعاةً لحاجة أردوغان لدغدغة مشاعر المسلمين والعرب باسم القضية الفلسطينية، طالما بقيت علاقاته مع تل أبيب قويةً.

اقرأ أيضاً: لماذا تستدعى فلسطين في مباحثات أردوغان بالدوحة؟

المعادلة السابقة تحفظ للطرفين مصالحهما، فعلاقات إسرائيل قوية بتركيا- أردوغان على جميع الأصعدة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية، بينما يجني أردوغان مكاسب عديدة، بترويج آلته الإعلامية الضخمة لتصريحاته على أنها صادرة من بطل لا يهاب في سبيل الحق لومة لائم، غير أنها تظل محض تصريحات، لا تصل إلى سياق العمل في سبيل فلسطين، أو تحرير ذرة رمل من ترابها.

أردوغان وإسرائيل: دفء متواصل

تجمع تركيا وإسرائيل علاقاتٌ قوية منذ تأسيسها، فهي ثاني دولة تعترف بإسرائيل سنة 1949، بعد الاتحاد السوفيتي، وظلت العلاقات تنمو بينهما منذ ذلك الحين، ولم يُعطلها وصول أحزاب الإسلام السياسي إلى الحكم في تركيا، أو وصول أردوغان إلى رئاسة الوزراء في 2003، ولم تشهد إلاّ ذبذبة عابرة عقب حادث سفينة مرمرة في 2010، لتعود بقوةٍ في 2016، بتنازل مهين لأردوغان عن مطالبه، والتي تَمثّل أهمها في فك الحصار عن غزة.

وجد أردوغان أنّ ثمن مغامرة سفينة مرمرة أكبر مما يحققه لنفسه ولتركيا، فقَبِل بالتطبيع الشامل مع إسرائيل لقاء 20 مليون دولار كتعويضات لأسر الضحايا الأتراك، الذين قُتلوا على السفينة، واعتذار إسرائيلي، وهو المكسب الوحيد لشعبيته في الداخل.

وضع قرار نتنياهو ضم أراضي من الضفة الغربية، التي ينوي اقتطاع 10 % من مساحة الضفة الغربية بموجبها، أردوغان أمام تحدٍ حقيقي، للبرهنة على صدق دعمه للقضية الفلسطينية

مقابل ذلك، وافق على وقف نشاط حركة حماس على أراضيه، وطرد القيادي صالح العاروري، وتنازل عن حقوق ضحايا السفينة، وتخلى نهائياً عن مطلب فك الحصار عن غزة، وهو الهدف الأساسي لرحلة السفينة، التي عرفت باسم "أسطول الحرية".

أما القضية الفلسطينية فلم تجن من مغامرات أردوغان شيئاً، سوى زيادة التعنت الإسرائيلي، بعد أن قصمت ظهر "البعبع" الذي طالما روجت له حماس والإخوان المسلمون على أنه من سيُلقي بإسرائيل في البحر.

ولم تجد أبواق أردوغان والإخوان شيئاً لتكتبه، لذر الرماد في الأعين، ومدح خطوات أردوغان سوى الاستعانة بآراء صحفيين إسرائيليين، ونشر تقرير بعنوان "خبير إسرائيلي: المصالحة مع تركيا إنجاز لأردوغان".

أما عن موافقة إسرائيل على إرسال تركيا مساعدات لقطاع غزة، فهو أمر لا يمثّل جديداً، إذ تقوم الدول العربية والمنظمات الدولية والاتحاد الأوروبي وغيرهم بتقديم المساعدات للفلسطينيين.

وتعليقاً على ذلك، يقول الباحث في الشؤون التركية كرم سعيد لـ"حفريات" إنّ الدعم التركي لحماس يأتي بضوء أخضر من إسرائيل، وهناك تنسيق بينهما على ترك هامش مناورة لأردوغان، ليُوظف ذلك في الداخل التركي، وأمام الشعوب العربية.

علاقات اقتصادية متينة

بلغ حجم التبادل التجاري التركي- الإسرائيلي لسنة 2019 ما يفوق 4.5 مليار دولار، وجاءت تركيا في المرتبة السابعة من حيث أعلى وجهات التصدير الإسرائيلية. وقبل ذلك شهدت العلاقات التجارية الثنائية نمواً كبيراً في أشد فترات الأزمة بين البلدين بين سنوات (2010-2016) إذ بلغ حجم التبادل بينهما في 2014 مبلغ 5.359 مليار دولار، مسجلاً أكبر حصيلة حتى الآن بينهما، وفق تقرير منشور على موقع "وزارة الشؤون الخارجية التركية".

وجاء في التقرير أنّ حجم التبادل التجاري الثنائي حقق مبلغ 4.448 في 2011، أي العام التالي لحادث السفينة مرمرة، ومبلغ 4.040 في 2012، 5.068 في 2013، 5.359 في 2014، و4.370 في 2015، (الأرقام السابقة بالمليار دولار).

اقرأ أيضاً: هل أفسد التنظيم الدولي للإخوان العلاقات الفلسطينية-الفلسطينية؟‎

يكشف ذلك عن نمو التبادل التجاري بين البلدين في سنوات الأزمة، ما يفضح ادعاء أردوغان وإعلامه بقطع العلاقات مع إسرائيل. ووفق تقارير صادرة عن الاتحاد الأوروبي فإنّ السوق التركي من أكبر خمسة أسواق تتعامل معها إسرائيل. وتساهم تلك العلاقات الاقتصادية في دعم القوة الإسرائيلية، بما ينعكس سلباً على الفلسطينيين، ويزيد من التعنت ضد حقوقهم.

 

تعاون عسكري وثيق

تدعم تركيا تطوير القدرات العسكرية الإسرائيلية، وتشغيل آلة القمع ضد الفلسطينيين، من خلال توقيع عقود متبادلة في التصنيع العسكري، تميل في غالبها للجانب الإسرائيلي، وهو ما ينعكس إيجابياً على زيادة الاستثمار في الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وزيادة قدرة الجيش الإسرائيلي، مما يؤدي إلى تطوير أدوات قمع أشد فتكاً، تستخدم ضد الفلسطينيين والدول العربية.

شملت الصادرات التركية تجهيزات للجيش الإسرائيلي، ومن ذلك تصدير الملابس والأحذية العسكرية. وفضلاً عن ذلك هناك صادرات أخرى يستخدمها الجيش الإسرائيلي بشكل غير مباشر في قمع الفلسطينيين، من الوقود والمنتجات الصناعية الأخرى.

الباحث كرم سعيد لـ "حفريات": تركيا ستسعى إلى استغلال القرارات الإسرائيلية دعائياً لصالحها، خصوصاً في ظل تراجع شعبية أردوغان وحزبه في الداخل

بجانب ذلك تُعتبر تركيا أكبر الموردين لإسرائيل في قطاع منتجات الإنشاء والبناء، والتي تُستخدم على نطاق واسع في إنشاء مستوطنات إسرائيلية جديدة، على أرضٍ فلسطينية مُغتصبة.

تُشكل واردات إسرائيل من الحديد التركي ركيزةً أساسيةً في قطاع التشييد، وفي قطاع الصناعات العسكرية، إذ بلغت 755.07 مليون دولار في سنة 2018، وفق موقع "tradingeconomics".

اختبار نتنياهو

وضع قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو بضم أراضي من الضفة الغربية، في قراره المعروف بـ "خطة الضم الجزئية" التي ينوي اقتطاع 10 % من مساحة الضفة الغربية بموجبها، الرئيس التركي أردوغان أمام تحدٍ حقيقي، للبرهنة على صدق دعمه للقضية الفلسطينية، إذ لم يزد في تصريحاته عن الاستنكار والرفض، ولم يهدد بقطع العلاقات الاقتصادية أو وقف التعاون الأمني مع إسرائيل أو غير ذلك.

ويوضح كرم سعيد لـ "حفريات" بأنّ تركيا ستسعى إلى استغلال القرارات الإسرائيلية دعائياً لصالحها، خصوصاً في ظل تراجع شعبية أردوغان وحزبه في الداخل، حيث إنّ مثل هذه القرارات تمثل رافعةً أساسيةً للنظام التركي، لكن في النهاية لن يتجاوز الرد حدود التصريحات اللفظية، مثل ما سبق من ردود فعل على الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وضمها لهضبة الجولان.

أمر ثانٍ يكشف عن تواطؤ أردوغان مع نتنياهو هو إحجام الأخير عن إدانة تركيا علناً، بسبب انتهاكاتها لحقوق قبرص واليونان في غاز المتوسط؛ فخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده نتنياهو مع نظيره اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، خلال زيارته لإسرائيل، أدان الأخير تركيا علناً، بينما أحجم نتنياهو عن ذلك، واكتفى بالقول: "لدينا مصالح مشتركة ونواجه تحديات مشتركة ولدينا فرص مشتركة استثنائية"، على الرغم من أنّ مصدر التحديات الوحيد هو الأطماع التركية.


الصفحة الرئيسية