لماذا تستدعى فلسطين في مباحثات أردوغان بالدوحة؟

لماذا تستدعى فلسطين في مباحثات أردوغان بالدوحة؟

مشاهدة

04/07/2020

استدعت كافة البيانات وتصريحات المسؤولين في تركيا وقطر القضية الفلسطينية، التي تشهد منحنى حيوياً بخطة الضم الإسرائيلية، لتصوير أنّها مثلت محوراً رئيسياً في اللقاء الذي جمع بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد في الدوحة، خلال زيارة قام بها الأوّل لقطر أول من أمس واستغرقت يوماً واحداً.

اقرأ أيضاً: بماذا وصف وزير الخارجية القطري العلاقات مع تركيا؟

الإعلامان، التركي ـ القطري، أرادا أن يوهما الرأي العام العربي بأنّ القضية الفلسطينية، التي وإن شهدت تراجعاً في الحضور الشعبي حالياً في ظلّ الأزمات التي تتعرض لها المنطقة، والتي تظل راسخة في الوجدان الشعبي لكونها القضية الأم، هي السبب كي يطير أردوغان، الذي تربطه علاقات وطيدة بإسرائيل، إلى قطر، في أول زياراته الخارجية في ظل كورونا.

تتحدث البيانات والمسؤولون عن خطة الضم ورفض الدولتين لها، وكأنها احتلت مساحة خلال اللقاء الذي لم يصطحب فيه أردوغان وزير خارجيته حتى، وهو المخوّل بالأساس للتحرّك على صعيد الأمور الخارجية، بفرض أن تركيا تؤرّقها القضية الفلسطينية بالفعل، فيما اصطحب وزير المالية والخزانة ووزير الدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات، وهؤلاء هم من يلعبون الدور الرئيسي في تحركات وخطط تركيا حالياً في المنطقة.

وعملياً فالأدوار الدبلوماسية لم تعد حاضرة لدى تركيا، التي تلعب أدواراً عسكرية مباشرة في ليبيا وسوريا وربّما قريباً في اليمن، ما أرهق الخزينة التركية التي تحتاج إلى دفعة من الاتفاقيات مع الخزينة القطرية، وهذا ما أسفرت عنه الزيارة، وفق مراقبين.

الدبلوماسية لم تعد حاضرة لدى تركيا التي باتت تلعب أدواراً عسكرية مباشرة في ليبيا وسوريا ما أرهق خزينتها

فهدف اللقاء كان "اقتصادياً ـ عسكرياً"، سواء فيما يتعلق بدعم التدخل التركي في ليبيا أو اليمن أو توسعة القاعدة التركية في الدوحة، إذا ما نفّذت الولايات المتحدة قرارها السابق بتخفيض تواجدها في الشرق الأوسط، وترتب عليه انسحاب الولايات المتحدة من قاعدة العديد.

وسبقت زيارة أردوغان إلى الدوحة مجموعة تغريدات لرئيس الوزراء القطري السابق، حمد بن جاسم، ينتقد فيها رغبة الولايات المتحدة بالانسحاب من الشرق الأوسط، محذراً إياها من مصير يضاهي المصير البريطاني حالياً؛ حيث قال عبر "تويتر": "السياسة الجديدة التي يبدو أنّ الولايات المتحدة تتجه بموجبها إلى الانسحاب من بعض مناطق العالم، أو تقليص وجودها العسكري فيها، ربما تكلف القوة الأعظم في العالم كثيراً... ويعلل الأمريكيون هذا التوجه بالأعباء الاقتصادية المترتبة على وجود قواعدهم العسكرية في أنحاء العالم".

وأضاف بن جاسم: "هم يطالبون الدول التي توجد فيها هذه القواعد بأن تتحمل تكاليف تشغيلها، ربما يحكم هذه السياسة بعض المنطق من ناحية اقتصادية في المنظور القريب، ولكن في المنظور المتوسط والمنظور بعيد المدى، فإنّها ستفقد أمريكا قوتها العالمية التي كانت تجلب لها الكثير من المزايا الاقتصادية والمالية المباشرة وغير المباشرة".

اقرأ أيضاً: قطر تتناسى الاستعمار العثماني وتتحالف مع أردوغان

وتابع "ومما لا شك فيه أنّ دولاً مثل الصين وروسيا، والهند مستقبلاً، ستملأ هذا الفراغ، عندها سيكتشف الساسة في أمريكا أنهم فقدوا الكثير من المزايا السياسية والعسكرية والاقتصادية بسبب منظورهم الضيق (...)، كما علّمنا التاريخ فإنّ قواعد اللعبة تتغير تغيراً كبيراً كلما حدث انسحاب للقوة العالمية، ومثال ذلك القوة العسكرية البريطانية التي كانت لا تغيب الشمس عن قواعدها في العالم، وكانت تجني الكثير من المصالح بفضلها، اليوم نرى كيف تتقطع أوصال الجزيرة البريطانية بعد انسحابها وأفول شمسها".

لم تصدر قطر وتركيا أيّة خطة تصعيدية في وجه إسرائيل إذا ما أقدمت على تنفيذ الضم، فيما أسفر اللقاء عن اتفاقيات اقتصادية

وتعكس تغريدات حمد بن جاسم القلق الذي يساور السياسيين القطريين من انسحاب قد يكون وشيكاً للقوات الأمريكية من قطر، ما يعني الحاجة إلى تعويضه سريعاً، ووقتها لن تجد الدوحة غير الحليف التركي، ومن جانبها ستسارع أنقرة، ذات الخطط التوسعية في المنطقة، إلى غرس شوكة جديدة كبيرة في العضد العربي.

وفي الوقت الذي تتنامى فيه المخاوف والمؤشرات من رغبة تركيا بإحياء مشروعها العثماني القديم بمشروع توسعي جديد، وتنامي التنديدات العربية بالتدخل التركي في سوريا والعراق واليبيا واليمن، يصف أمير قطر العلاقة بين الدوحة وأنقرة بـ "الإرث الحضاري المشترك"، ويقول إنّ ذلك الإرث "أسّس لتعاون بنّاء في تنمية منطقتنا واستقرارها".

وتابع تميم، وفق تغريدة نقلتها وكالة "الأناضول" التركية: "بمناسبة زيارة الأخ الرئيس أردوغان، نشير بارتياح إلى عمق علاقات الشعبين القطري والتركي".

في غضون ذلك، قالت وكالة الأنباء القطرية إنّ اللقاء بين الرئيسين بحث "العلاقات بين البلدين وسبل تعزيزها، لا سيما التعاون في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتجارة والطاقة والدفاع، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين".

‏وذكرت أنّ الرئيسين "أكّدا عزمهما على دفع العلاقات بين البلدين إلى مستويات أكثر تعاوناً وتكاملاً في جميع المجالات".

اقرأ أيضاً: لماذا زار أردوغان قطر؟.. طبيعة الوفد المرافق قد تجيب

وعند الحديث عن الملفات الإقليمية، افتتحت وكالة الأنباء القطرية حديثها بفلسطين حيث قالت: كما ناقشا "أبرز تطوّرات الأوضاع في كل من فلسطين وليبيا وسوريا واليمن، وتبادلا وجهات النظر بشأن القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك". 

وعلّق وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن على الزيارة بأنّ "من أهم الملفات التي كانت حاضرة الملف الفلسطيني، وتحديداً ما يتعلق بخطة الضمّ التي يقوم عليها الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ من الضفة الغربية، مؤكدة أنّ قطر وتركيا تعلنان بوضوح رفضهما هذه الخطة".

استدعاء فلسطين في الصف الأول، عند توصيف اهتمامات أردوغان وتميم، استمرار لتصدير صورة تتنافى مع الواقع لتجميل المشروع التركي ـ القطري الإخواني

وفيما لم تصدر أيّة خطة أو تحركات أو اتفاق على تصعيد في وجه إسرائيل، التي تربطها علاقات اقتصادية وعسكرية متينة بأنقرة والدوحة، إذا ما أقدمت على تنفيذ خطة الضم، فإنّ اللقاء الذي استمرّ على مدار 3 ساعات، بحسب وكالة الأناضول، أسفر عن اتفاقيات اقتصادية، بعضها استكمال لتعاون سابق، واتفاقات أخرى "غامضة".

ويعكس ذلك أنّ استدعاء فلسطين ووضعها في الصف الأول، عند توصيف اهتمامات أردوغان ـ تميم، إنما هو استمرار لتصدير صورة تتنافى مع الواقع، تحاول تجميل المشروع التركي ـ القطري الإخواني، في المنطقة، وتصويره على أنه مشروع "لدعم المضطهدين والمهمّشين والدفاع عن المقدّسات".

في حين تؤكد الممارسات الفعلية على الأرض أنّ الدور ما هو إلا رغبة في الاستحواذ، كما هو الوضع في ليبيا.

وتقف تركيا وقطر في الخندق ذاته في الأزمة الليبية، بل يرى مراقبون يعتمدون على تقارير استخباراتية واعترافات لموقوفين من الميليشيات المسلحة أنّ الخزينة القطرية هي المموّل الرئيسي للمشروع التركي في ليبيا.

وتدعم الدولتان حكومة الوفاق، وتضخّ تركيا المقاتلين المحسوبين على بعض الفصائل السورية، في المعركة، برواتب 2000 دولار شهرياً، ووصل عددهم لنحو 15 ألف عنصر، بحسب المرصد السوري، في وقت تعاني فيه الليرة التركية من انهيار غير مسبوق منذ أعوام.

اقرأ أيضاً: ماذا تحمل زيارة أردوغان إلى قطر؟

وكانت قطر أعلنت، في أيار (مايو) الماضي، عن رفعها اتفاقية لتبادل العملة بين الدوحة وأنقرة إلى 15 مليار دولار، بعدما كان الاتفاق الذي وُقّع في العام 2018 يقتصر على 5 مليارات دولار؛ أي إنّ أنقرة سارعت إلى ضخ 10 مليار دولار في السوق التركية لدعم الليرة.

لقاء أردوغان يعكس تأزّماً في الوضع وليس انبساطاً ويبدو أقرب إلى لقاء المضطر القلق، الباحث عن مخرج في ملفاته الكثيرة العالقة

وجاءت الزيارة الأخيرة لتوقيع ذلك الاتفاق، وهو الشقّ المعلوم في نتائج الزيارة، فيما يظل الآخر الخاص بـ "مذكرة التفاهم بين هيئة مركز قطر للمال ومكتب التمويل التابع لرئاسة الجمهورية التركية"، بحسب البيان المشترك الصادر عن الدوحة عقب الزيارة، غامضاً، طارحاً التساؤل عن طبيعة التفاهمات الاقتصادية التي تمرّ من مكتب تابع مباشرة لأردوغان وليس من الوزارات المختصة.

اقرأ أيضاً: دعوى قضائية جديدة ضد قطر... ما القصة؟

كما وقّع الطرفان اتفاقيات بشأن التعاون الصناعي والتكنولوجي، وكذلك مذكرات تفاهم بين وكالة ترويج الاستثمار في دولة قطر ومكتب الاستثمار التابع لرئاسة الجمهورية التركية، وفي مجال التخطيط المدني بين البلدين، وفي مجال المعايير بين هيئة الأشغال العامة (أشغال) في دولة قطر ومعهد المعايير التركي (تي إس إي) في الجمهورية التركية، وإعلان نوايا مشترك بشأن إنشاء مختبر لتسهيل التجارة وتعزيز حماية المستهلك، بحسب الأناضول.

لقاءات الأزمة

التقى الرئيس التركي ونظيره القطري 26 مرّة خلال الأعوام الماضية، أبرزها تلك المتعلقة بالأزمات، حيث تكشف اللقاءات وقتها عن تأزم يستدعي تدخل الشريكة الأخرى لإنقاذ الموقف والدعم، هذا ما حدث خلال الزيارة السريعة لتميم إلى أردوغان بعد ما يسمّيه محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016، وهذا ما تكرّر أيضاً بعد القرار الرباعي العربي "الإمارات ـ السعودية ـ البحرين ـ مصر" من مقاطعة قطر.

الأمر ذاته تكرّر الشهر الماضي، حين سارع أردوغان إلى الاتصال هاتفياً بتميم، بعدما لوّحت مصر بالتدخل العسكري المباشر في ليبيا، لردع الميليشيات المسلحة المدعومة من أنقرة، إذا ما حاولت تجاوز خط "سرت ـ الجفرة"، الذي وصفته مصر بـ"الخط الأحمر".

النيّة المصرية لردع أيّ محاولات تهدّد أمنها القومي ضربت خطط تركيا التوسعية، وأدّت مع ضغوط دولية إلى تجميد الموقف حالياً على الأرض، ما يمثل إحباطاً للرئيس التركي الذي يسعى إلى وضع يده على حقول النفط في أسرع وقت ممكن. وارتبط تدخل تركيا في ليبيا باتفاقية تسمح لها بالتنقيب في المياه الإقليمية الليبية في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

لذا، فإنّ اللقاء الأخير، الذي كسر به أردوغان كافة قواعد التباعد الاجتماعي التي يفرضها فيروس كورونا، يعكس تأزّماً في الوضع وليس انبساطاً، ويبدو أقرب إلى لقاء المضطر القلق، الباحث عن مخرج في ملفاته الكثيرة العالقة.


الصفحة الرئيسية