هل التربية الإسبارطية ما تزال تحرس أبوابنا؟

هل التربية الإسبارطية ما تزال تحرس أبوابنا؟

مشاهدة

09/08/2021

إنّ ما يميّز المجتمعات ويمنحها هويّتها الثقافيّة، ويحدد طبيعة وشكل العلاقات التي تحكمها، هو نمط التربية الذي تنتهجه، وعلى الرغم من أنّ المعنى المعجمي للجذر (ربا) أي ازداد ونما هو ما يشكل نقطة الانطلاق في الرحلة التربوية، إلا أنّ كل مجتمع يتناوله ويشكله بما يناسب طبيعته، فمن خلال الإطلاع على أنظمة التربية في العصور القديمة تتضح السمات المشتركة لطرائقها التربوية، في نقل الإرث والخبرات من جيلٍ إلى آخر عبر التلقين أو المشاهدة أو التقليد، بالإضافة إلى بساطة محتواها ووضوح أهدافها التي تتعلق بضروريات الحياة، ومن بين الأنظمة التربوية القديمة في (بلاد الرافدين، وادي النيل، الصين، أثينا، إسبارطة)، يستوقفنا النموذج الإسبارطي لما اتسم به من عنفٍ مادّي واضح ومباشر، فهو لم يكترث إطلاقاً إلّا بنوع النمو الذي يناسب نظامه الهرمي والعسكري الصارم، ضارباً عرض الحائط كلّ ما يتعارض مع أهدافه وتوقعاته، لكن ماذا لو كان هذا النوع من التربية مستمراً؟ أو لنقل: ماذا لو أنّ وضوح النمط الإسبارطي وفجاجته هو ما تتستر عليه كافة الأنظمة التربوية وتخفيه في جذورها حتى الآن؟

 

كل ما يعني النظام الإسبارطي هو إعداد محارب مستعد لكافة العمليات الهجومية والدفاعية التي تتعرض لها البلاد، وتربية الفتيات تقتصر عند الإسبارطيين على تقوية أجسادهن لإنجاب جنود المستقبل

 

 تبدأ التربية الإسبارطية باختبار صلاحية المولود من حيث قوة احتماله، ومن ثم تتخلص من المواليد الضعفاء برميهم من أعلى الجبل، ويسيطر النظام الإسبارطي على التعليم بمراحله المختلفة، ويقصره على التعليم العسكري ومهارات القتال، بعيداً عن القراءة والكتابة والحساب، فكل ما يعني هذا النظام هو إعداد محارب مستعد لكافة العمليات الهجومية والدفاعية التي تتعرض لها البلاد، وتربية الفتيات تقتصر عند الإسبارطيين على تقوية أجسادهن لإنجاب جنود المستقبل، بيدَ أنّ هذا النمط من التربية يُعزى إلى عدة أسباب أهمها: الموقع الجغرافي ذو الطبيعة الوعرة مما يتطلب قوة الجسم والقدرة على الاحتمال، والنظام الاجتماعي الطبقي الذي أدى إلى حالة عدم استقرار في البلاد، والعلاقات السياسية الخارجية التي أدت إلى الاضطرابات والثورات الداخلية.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يتسع العالم للجميع؟

 فإذا كانت فكرة البقاء للأقوى، قد أدّت إلى نشوء هذا النوع من التربية، فإنّ التربية منذ ذلك الوقت وحتى وقتنا الحاضر لم تتجاوز في الواقع المفهوم الإسبارطي، وعلى الرغم من احتلال التربية الصدارة في الاهتمامات الاجتماعيّة والثقافيّة والنتاجات الفكرية للمجتمعات، فهي لم تتخلّص حتى الآن من أيديولوجيا السلطة، فمصلحة إسبارطة التي تقتضي تربية عسكرية لحماية ما يعتقدون أنه يجب حمايته، يقابلها اليوم مصالح أكثر تعقيداً وتداخلاً، في ظل أنظمةٍ تبرر غاياتها بكل الوسائل، وجميعها تلجأ إلى عصا التربية السحرية لتحقيق هذه الغايات، فمثلاً "الحرية التي تنادي بها التربية الجديدة هي حرية مستمدة من الحرية التي يمجدها النظام الرأسمالي، حرية المنافسة والمبادرات الفردية"، "والمدرسة في المجتمعات المتقدمة والمتخلفة يتم استثمارها باعتبارها جهازاً أيديولوجياً فعالاً، تمارس بواسطته الطبقة الحاكمة سلطتها وتروّج نسقها القيمي" بتعبير "صابر جيدوري"، "تجليات الأيديولوجيا في التربية".

اقرأ أيضاً: هل من أفقٍ للتربية الإعلامية في مجتمعاتنا؟

 إنّ كلّ الأنظمة الحديثة تعتمد فعليّاً على مقياسي الكفاءة والنجاح، اللذين يحددهما فقط نظام الإقصاء والاصطفاء، مما يعني أنها لم تتجاوز واقعياً النظم الإسبارطية، إنها تدعم نوعاً واحداً من المهارات وتعممها كمقياس لصلاحيّة الأفراد وجدارتهم، هذه المهارات التي تخدم آليات إنتاج السلطة وهيمنتها، ماتزال تنتمي إلى الجذور الأولى التي جعلت من الأفراد وسيلة لا غاية، ومن دون النظر إلى إنسانيّة الفرد وجوهره، كما أنها جعلت إمكانيات الأفراد تتحدد في اتجاه واحد باعتباره الطريق الوحيد للاعتراف بكفاءتهم وإمكانياتهم، وهذا ما يتناقض مع أهداف مُنظري التربية الإنسانية "كأوليفلي ربول" في كتابه "فلسفة التربية" حين عرّف التربية بأنها: "ما يسمح للطفل الاقتراب بالتدريج من الثقافة، ثقافة حرة متحررة من كل انشغال تجاري أو سياسي والتي لا غاية لها سوى نفسها". ما قصده "ربول" من ثقافةٍ متحررة من كل انشغال: أي ثقافة لا تقوم على الخوف.

اقرأ أيضاً: ما العلاقة بين غياب التربية الجنسية والعنف ضد المرأة؟

 مع كل النظريات التربوية الإنسانية والتراكمات البحثية التي من المفترض أن تؤدي إلى تأصيل مفهوم التربية واقعياً، فما تزال مفردات مثل (صناعة الأفراد، إعدادهم، تطبيعهم، برمجتهم، قولبتهم، نمذجتهم، تكييفهم، إنتاجهم..)، تحتل الجانب الأكبر في تناول مفهوم التربية، وفي منحه معنى تداولي يتفق عليه الجميع ويبررونه، فهذه المفردات التي تشكل حجر الزاوية في تربيتنا وفهمنا للتربية، هي ما تفضي إلى قالبٍ واحد، يتشكل من طينة الانصياع للأوامر والطاعة والولاء لشتى الأنظمة التي تحكم عالم اليوم، والتي حددت طريقاً واحداً ورغبات فارغة لكل أفرادها، هذه المحددات التي مانزال تتغلغل في قلب أنظمتنا التربوية، كانت السبب الأهم في فشل النظام الإسبارطي وسقوطه، وبالإمكان أن نجزم أنها نفس العوامل التي تساهم اليوم في انهيار القيم الإنسانيّة وسقوطها، إننا نعيد إنتاج التاريخ بالحماقة نفسها التي بنته.

 

إنّ كلّ الأنظمة الحديثة تعتمد فعليّاً على مقياسي الكفاءة والنجاح، اللذين يحددهما فقط نظام الإقصاء والاصطفاء، مما يعني أنها لم تتجاوز واقعياً النظم الإسبارطية

 

بالتأكيد لا يمكن إغفال التطور التاريخي والنظري لمفهوم التربية وأهدافها وأهميتها ومنهجيتها واستراتيجياتها، والاهتمام والانهمام التربوي الكبير للمفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع في سبر أغوارها، ولكن يمكننا أن نرى أنّ هناك دائماً ما يحول بين حرية التفكير بإنسانية الفرد، وبين العمل على تحقيق هذه الإنسانية، بمعنى أن يصبح هذا التفكير واقعياً ملموساً، سواء في الوعي الجمعي للمجتمعات، أو في وعي الفرد وسلوكه اليومي، فالأيدولوجيا وهي الأداة الأهم في يد كل سلطة، تقرر آليات بناء الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني، وتستثمر كافة أذرعها المؤسساتية وأولها المؤسسة التربوية، لتشكيل الواقع على مقاس سيطرتها وتسلطها ومصلحتها.   

لم تعد الأنظمة الحديثة بحاجة إلى جبل إسبارطة لتمارس عمليات الاصطفاء، ولا إلى تربية عسكرية واضحة ومباشرة لتثبيت دعائم سلطتها، فالعنف العاري الفج لا يواكب لوائح وشرائع حقوق الإنسان التي تدعمها ظاهرياً، ولهذا استبدلته بما أطلق عليه "بيير بورديو": بالعنف الرمزي، والذي عرّفه في كتابه "إعادة الإنتاج" بأنه "عنف غير فيزيائي يتم أساساً عبر وسائل التربية وتلقين المعرفة والأيديولوجيا، وهو شكل لطيف وغير محسوس من العنف وهو غير مرئي ولا محسوس بالنسبة إلى ضحاياه، ويتمثل في اشتراك الضحية وجلادها في التصورات والمسلّمات نفسها عن العالم، حيث يتجلى في ممارسة قيمية ووجدانية وأخلاقية وثقافية تعتمد الرموز وأدوات في السيطرة والهيمنة، مثل اللغة والصورة والإشارات والدلالات والمعاني". ما لم تتخلص التربية من إرثها العنفي، لن يكون هناك مجال لوعي جديدٍ، ستبقى البشرية تراوح بين تطلعاتها الإنسانيّة وعجزها عن تحقيق هذه التطلعات. 

الصفحة الرئيسية