هل أضحى جبل الشعانبي ومغاراته وكراً لعتاة الإرهابيين؟

تونس

هل أضحى جبل الشعانبي ومغاراته وكراً لعتاة الإرهابيين؟

مشاهدة

10/03/2020

سجلت قوات الجيش والأمن في تونس، خلال الأسبوع الماضي، نجاحات أمنية مهمة في منطقة القصرين، التي تُعدّ الأكثر خطورة في البلاد؛ حيث تتمركز في بعض مناطقها الجبلية المحاذية للحدود مع الجزائر، منذ عام 2013، مجموعات إرهابية على غرار كتيبة "عقبة بن نافع" التابعة لتنظيم القاعدة، وكتيبة "جند الخلافة" التابعة لتنظيم داعش الإرهابي.

اقرأ أيضاً: عملية قاسم الريمي.. ما أهم تداعيات استهداف قيادات القاعدة باليمن؟

ووفق ما ورد في وسائل إعلام، ومنها صحيفة "إندبندت"؛ فقد نجحت "الوحدات المختصة لقوات الحرس الوطني"، قبل أيام، في قتل القيادي في كتيبة "جند الخلافة"، بسام الغنيمي، المُكنّى "أبو صخر الزقموط"، الذي التحق بالمجموعات الإرهابية، خلال عام 2014، وانضم إلى كتيبة "عقبة بن نافع" التابعة لتنظيم القاعدة، قبل أن ينشقّ عنها، ويلتحق بكتيبة "جند الخلافة" خلال عام 2015، كما قُتل في العملية ذاتها الإرهابي محمد الحاجي، المتورط في جرائم عدّة.

وصرّح المتحدث الرسمي باسم الحرس الوطني، العقيد حسام الدين الجبابلي؛ بأنّ "الإرهابي بسام الغنيمي يُعدّ من كبار قياديي تنظيم داعش، وشارك في عمليات إرهابية عدّة، استهدفت الجيش التونسي، وقتل وذبح مدنيين عُزّل في منطقة سفوح جبل الشعانبي".

اقرأ أيضاً: داعش يواصل هجماته مجدداً ضدّ القاعدة.. لماذا الآن؟

ورداً على النجاحات الأمنية؛ فقد قادت الجماعات الإرهابية هجوماً استهدف تشكيلات أمنية في منطقة البحيرة، بالقرب من السفارة الأمريكية، يوم الجمعة الماضي، ما أسفر عن مقتل الانتحاريَّين، وإصابة 5 جنود توانسة، ما قتح المجال للحديث عن التمركزات التي يتواجد بها الإرهابيون، ومنها جبل الشعانبي، ومغاراته ومخابئه التي تضمّ عتاة الإرهابيين.

 كتيبة "عقبة بن نافع" التابعة لتنظيم القاعدة

من الجبل إلى العاصمة

بتتبع كلّ العمليات الإرهابية التي وقعت بتونس خلال الأعوام الماضية، وُجد أنّ كلّها انطلقت من المنطقة الحدودية الليبية، ومحافظة أم القصرين، القريبة من الحدود الجزائرية، كما أنّ كلّ مخابئ الإرهابيين كانت بمنطقة جبل الشعانبي الوعرة.

العمليات الإرهابية التي وقعت في تونس خلال الأعوام الماضية وُجد أنّ كلها انطلقت من المنطقة الحدودية الليبية

أول الأحداث العنيفة كان يوم 18 أيار (مايو) 2011، مع مواجهات مسلحة مع عناصر من تنظيم يسمى "قاعدة المغرب الإسلامي"، وقعت في منطقة "الروحية" بولاية "سليانة".

أخطر الهجمات بالشعانبي؛ هو الذي وقع في شهر رمضان، بتاريخ 16 تموز (يوليو) 2014، وأسفر عن مقتل 15 عسكرياً بالجيش التونسي، بينهم ثمانية جرى ذبحهم ساعة الإفطار والتمثيل بجثثهم.

كما وقع هجوم على كمين "بولعابة"، في 8 شباط (فبراير) 2015، الذي باغت حكومة الحبيب الصيد بعد إعلانها بثلاثة أيام فقط، وأعلنت كتبية عقبة بن نافع مسؤوليتها عن 8 هجمات أخرى في جبل الشعانبي وحده.

ووفق ما ورد بموقع قناة "العربية"؛ فإنّ الهجوم الأبرز الذي شهدته تونس خلال الأعوام الأخيرة، هو ذلك الذي استهدف متحف باردو، في 18 آذار (مارس) 2015، عندما اقتحم مسلحان أهم المتاحف في العاصمة، الأمر الذي أدّى إلى مقتل 22 شخصاً، أغلبهم من السياح الأجانب، وجرح 45 آخرين، وقد قتلت القوات الخاصة المسلحين الاثنين داخل المتحف.

اقرأ أيضاً: ما الذي تكشفه ردّة فعل تنظيم القاعدة على مقتل سليماني؟

وفي 26 حزيران (يونيو) 2015، تعرضت مدينة سوسة الساحلية لهجوم، أسفر عن مقتل 38 سائحاً وجرح 39 آخرين، بعد أن هاجم مسلح أحد الفنادق في شواطئ المنتجع السياحي مرسى القنطاوي، وقد قتلت قوات الأمن الجاني أثناء الهجوم.

وفي 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، فجّر مسلح نفسه في حافلة في شارع محمد الخامس بالعاصمة تونس، ليقتل 12 شخصاً من الأمن الرئاسي التونسي.

منطقة "الروحية" بولاية "سليانة"

كتيبة عقبة بن نافع
في دراسة نشرها مركز "كارنيجي"؛ فإنّ كتيبة عقبة بن نافع باتت أقوى وأكثر نشاطاً أكثر على صعيد العمليات، في أوائل العام 2013، وربما يعود سبب ذلك إلى تسنّم موسى أبو داوود، أحد أهم قياديي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، دفّة القيادة، والذي أحكم سيطرته على الوحدات في تونس، وعلى وحدة قوية تتألف من 150 إلى 200 عنصر، وتتمركز في أجزاء متجاورة من شرق الجزائر، وتحديداً في الشعانبي، في شباط (فبراير) 2013.

طبيعة العلاقة الميدانية بين العناصر الإرهابية وقوات الجيش التونسي لا تخرج عن دائرة "الكرّ والفرّ" رغم تحسّن المؤشرات

وفي العامين 2013 و2014، وفق الدراسة ذاتها، شنّ المتشدّدون هجوماً على مراكز عسكرية وأمنية وثكنات في تونس، فنفّذوا عمليات في بلدات ومدن عدة، ووسّعوا نطاق عملياتهم شمالاً وشرقاً، وفي ولاية جندوبة، نصَبَ المتشدّدون حاجزاً مزيّفاً على الطريق، وهو تكتيك معروف في الصراع الجزائري، ما أسفر عن مقتل حارسين.
وفي الكاف والقصرين، أقدم متشدّدون على اختطاف واغتيال وقطع رؤوس عناصر من قوات الأمن، وفي حين كانت معظم الهجمات تفتقد إلى الحنكة في التخطيط، ضمّت بعض الكمائن المعقّدة أعداداً كبيرة من المقاتلين، وقد وصل بهم المطاف إلى القيام حتى بمداهمة منزل وزير الداخلية في مدينة القصرين، ما أدّى إلى مقتل أربعة حرّاس.

وفي 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2013، فجّر انتحاري نفسه في أحد شواطئ مدينة سوسة، بعد أن فشل في اقتحام فندق "رياض النخيل"، ولم يسفر الهجوم عن سقوط أيّ قتيل أو جريح سوى منفّذه.

اقرأ أيضاً: معسكرات الإخوان والقاعدة وداعش في ليبيا: خزانات التوحش

في أيار (مايو) 2013، أدّت عبوة ناسفة يدوية الصنع إلى جرح عريفين من الجيش في جبل الشعانبي، وتسبّبت هذه الحادثة بوقوع الإصابات الأولى، فيما بات يُعدّ أكثر التهديدات تواتراً وفتكاً في غرب تونس، وبين 2013 و2017، تمّ الإبلاغ عن 39 هجوماً، على الأقل، بالعبوات الناسفة، في القصرين والكاف وجندوبة، ما أسفر عن مقتل أو إصابة أكثر من 100 جندي وحارس.

الشعانبة هل تنتهي المخابئ؟

وفق كتاب "السلفية الجهادية في تونس.. الواقع والمآلات"، الصادر عن "المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية"، التابع لمؤسسة رئاسة الجمهورية في قرطاج، يبعد جبل الشعانبي عن تونس العاصمة نحو 280 كيلو متراً باتجاه الجنوب الغربي، ولا يفصله عن الحدود الجزائرية سوى 80 كيلو متراً، لكنّه، وفق مصادر إعلامية تونسية، يضمّ بين جنباته تنظيم "أنصار الشريعة" قبل إعلانه محظوراً، عام 2013، وهو الذي كان يسيّر قوافل إلى العديد من المناطق الفقيرة المهمشة المحرومة، وحيث كانت تأخذ معها، إلى جانب أفكارها المتطرفة، مواد غذائية لتوزيعها على سكان هذه المناطق الجبلية التي تصعب مراقبتها، لطبيعة مرتفعاتها وكهوفها وغاباتها الكثيفة، ولاتصالها بالمرتفعات في الجزائر، وهو ما تحدث عنه الرئيس السابق، السيد الباجي القايد السبسي، خلال تدخله في افتتاح جلسات حزبه "نداء تونس"، حيث قال: "إمكانية تحول تونس إلى قاعدة خلفية للإرهاب الدولي، فبعد التدريب انتقلت الجماعات الإرهابية، سواء الموجودة داخل تونس، أو القادمة من مالي، إلى مرحلة الجهازية القتالية، لتبدأ العمل الميداني للمواجهة مع أجهزة الجيش في جبل الشعانبة الذي يمتدّ بين القصرين مروراً بجندوبة".

اقرأ أيضاً: داعش والقاعدة في السواحل الأفريقية: الشتات الإرهابي واحتمالات المواجهة

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ العبوات الناسفة التي كانت تستخدم في العمليات الإرهابية كانت تصنع محلياً داخل مخابئ جبل الشعانبة، باستخدام زجاجات بلاستيكية أو حاويات مملوءة بنِترات الأمونيوم، أو مادة "تي إن تي"، أو أيّ نوع آخر من المتفجرات، وموصولة بصفائح ضغط أو هواتف، وتكون معظمها عبارة عن ألغام صغيرة الحجم مضادّة للأفراد، رغم أنّ المتشدّدين يمتلكون أيضاً أجهزة أكبر لاستهداف الآليات، وغالباً ما يتم العثور على مواد أساسية تدخل في تركيبة العبوات الناسفة في معسكرات المتشدّدين.

عدد من الخبراء أكدوا أنّ طبيعة العلاقة الميدانية بين العناصر الإرهابية وقوات الجيش التونسي لا تخرج عن دائرة "الكرّ والفرّ"، رغم تحسّن المؤشرات وتسجيل نقاط استباقية للداخلية التونسية، التي أعلنت أنّ الشعانبي منطقة عمليات، لكن بسبب طبيعة الجغرافيا الوعرة والمخابئ الموجودة في الجبال المجاورة، مثل جبل سمامة، القريب من قرية بولعابة، وجبل السلوم، ومغيلة، وورغة القريب من محافظة الكاف، وجندوبة.

اقرأ أيضاً: القاعدة تحث فروعها على اتباع إستراتيجية متغيرة

لقد مكّنت الجغرافيا الجماعات الإرهابية من التزود بحاجاتها والاختفاء بالمخابئ، وكذلك الحصول على معلومات تتعلق بتحركات الجنود والأمنيين وبمناطق وجودهم، وفق الباحث المختص، مصطفى زهران، في تصريح لـ"حفريات".

يقول زهران: إضافة إلى وعورة المنطقة فإنّ عدم وجود تنسيق أمني بين دول شمال أفريقيا، مثل ما كان يحصل قبل عام 2011، مكّن هذه التنظيمات من استخدام الجغرافيا الوعرة والمخابئ، في الاستمرار طوال الوقت والقيام بعملياتها.

الحلول الأمنية، وإن كانت تحقق نجاحات في التصدي للظاهرة الإرهابية بتونس، إلا أنّ الجغرافيا أحياناً قد تقف مثل العدو في مواجهة جميع الخطط والإستراتيجيات الوطنية.


الصفحة الرئيسية