هل أصبح العنف قاعدة لدى الحكومة التونسية؟

هل أصبح العنف قاعدة لدى الحكومة التونسية؟

مشاهدة

27/06/2021

الاعتداءات الأمنية على المواطنين ناقوس آخر تدقّه المنظمات الحقوقية في تونس، وذلك على خلفية وفاة شاب في أحد مراكز الإيقاف، والاعتداء على قاصر وسحله بالساحة العامة، إضافة إلى الاعتداءات التي طالت عدداً من المتظاهرين لدى تنديدهم بالعنف الأمني، وهو ما خلّف غضباً لدى الشارع التونسي، فيما قرّرت منظمات حقوقية، إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في تونس)، مقاضاة رئيس الحكومة، الذي يشغل أيضاً وزير داخلية بالنيابة، وتحميله مسؤولية الأحداث الأمنية الأخيرة.

ويرى كثير من التونسيين أنّ حكومة المشيشي، المدعومة من حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة، من أسوأ الحكومات في سجل حقوق الإنسان منذ الثورة، فيما نادى سياسيون بإسقاطه، في الوقت الذي دعا فيه برلمانيون إلى مساءلة المشيشي داخل البرلمان.

القيادي في حزب العمال، الجيلاني الهمامي

ويتولى رئيس الحكومة هشام المشيشي (الذي أصيب مؤخراً بفيروس كورونا) وزارة الداخلية بالنيابة، وفي عهده ارتفعت وتيرة الانتهاكات، وعادت ممارسات التعذيب والقمع بشكل غير مسبوق، فيما يشدّد التونسيون على أنّ المكسب الوحيد الذي تحقق من ثورة كانون الثاني (يناير)، وهو حرية التعبير والتظاهر، بات مهدداً هو الآخر بالزوال.

لا يُعدّ فيديو ضرب الطفل وسحله وتجريده من ملابسه على أيدي رجال أمن سابقة أولى من نوعها؛ فلطالما احتج الشارع التونسي ضد القمع الأمني

وخرج مئات المتظاهرين في شارع الحبيب بورقيبة للتنديد بسياسة القمع الأمني، حيث استخدمت قوات الأمن قنابل مسيلة للدموع لتفريقهم.

 ومن جانبه، عبّر مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تونس عن قلقه الشديد من استمرار اتهام أفراد من الشرطة بارتكاب "انتهاكات جسيمة" لحقوق الإنسان بحق متظاهرين، داعياً السلطات لفتح تحقيقات لوضع حدّ للإفلات من العقاب.

انتهاكات مستمرة

ولا يُعدّ فيديو ضرب الطفل وسحله وتجريده من ملابسه على أيدي رجال أمن سابقة أولى من نوعها؛ فلطالما احتج الشارع التونسي ضد القمع الأمني الذي تقترفه عناصر الشرطة منذ كانون الثاني (يناير) 2011، كما يراه مراقبون شهادة أخرى على بشاعة العنف الذي ترتكبه عناصر الشرطة بشكل مستمر.

اقرأ أيضاً: قيس سعيد يلتقي بالغنوشي... هل بدأت التهدئة في تونس؟

هذا وقد تفاقمت الانتهاكات الحقوقية مؤخراً، مثل؛ سوء المعاملة والإيقافات العشوائية، وانتزاع الاعترافات أثناء الإيقاف، والتعذيب، وتواصل الاعتقالات والمحاكمات، حيث عاد التعذيب إلى أبشع مظاهره المُسجّلة في أوج حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وكان القاضي مكي عمار قد تعرّض، في الرابع من أبريل (نيسان) 2020، إلى أسوأ معاملة في السجن (بإدخال عصا في مؤخرته)، على خلفية فتحه قضايا تتعلّق بإحراق محاصيل زراعية وإدخال كميات من القمح الفاسد إلى تونس من دول أجنبية.

 المحلل السياسي والإعلامي، عبد الجبار المدوري

وفي أحداث لا تقل صدمة، تعرّض الشاب أحمد قم إلى الضرب المبرح من قبل عناصر الشرطة، فقد إثره إحدى خصيتيه. كذلك توفَّى الشاب عبد السلام زيان في السجن بعد أن منعته الشرطة من الحصول على دواء السكري، وذلك بعد ساعات من إيقافه بتهمة خرق التجول بسبب إجراءات فيروس كورونا.

 وتسبّب اعتداء شرطي تونسي على راعي أغنام في محافظة سليانة، كانون الثاني (يناير) 2021، في غضب واسع، وطالب كثيرون بتطبيق القانون على الشرطي، مذكرين بتفجر الثورة التونسية عقب صفعة تلقاها البائع الراحل محمد بوعزيزي من شرطية تابعة للبلدية.

هذا ورأى القيادي في حزب العمال، الجيلاني الهمامي؛ أنّ "الدولة دولة عنف"، مشدّداً، في تصريحه لـ "حفريات"، على أنّ العنف أصبح قاعدة عامة لدى حكومة المشيشي، منتقداً طريقة التعاطي الأمني مع المسيرة الوطنية المندّدة بالعنف الأمني.

النهضة والنقابات الأمنية في مرمى الانتقادات

ويسعى برلمانيون من مختلف الأطياف السياسية، بما فيها الداعمة للحكومة، إلى جمع التوقيعات الكافية لمساءلة هشام المشيشي، بوصفه وزيراً للداخلية بالنيابة ومطالبته بتقديم اعتذار رسمي من عائلات ضحايا العنف الأمني.

من جانبه، أكّد النائب عن حركة الشعب (قومية) هيكل المكي؛ أنّ نواباً من حركته ومن حزب التيار الديمقراطي (وسطي) بصدد الإمضاء على عريضة لسحب الثقة من هشام المشيشي، لافتاً إلى استعداد نواب من كتل برلمانية أخرى، من بينها الداعمة لحكومة المشيشي، التوقيع على هذه العريضة.

اقرأ أيضاً: 40 عاماً على إعلان تأسيس النهضة في تونس: تعددت الأسماء والهوية الإخوانية باقية

ويرى المحلل السياسي والإعلامي، عبد الجبار المدوري، في تصريحه لـ "حفريات": أنّ النقابات الأمنية تغوّلت وتمرّدت على الدولة، وأنّ المشيشي لم يستطع السيطرة والتحكم في هذه النقابات المنفلتة، موضحاً أنّ عدم اتخاذ وزارة الداخلية أو رئاسة الحكومة أيّ إجراء ضدّ كاتب عام نقابة الأمن الداخلي الذي دعا منظوريه بمحافظة صفاقس، في تصريح موثق، إلى مجابهة من أسماهم باليساريين وأعداء الإسلام، وكفّر من أسماهم باليساريين والحقوقيين، يوضّح اصطفاف بعضهم وراء أحزاب سياسية بعينها، مثل حركة النهضة، المتهمة بتكوين أمن مواز، وهو أكبر خطر يتربص بالانتقال الديمقراطي والبلاد، كما يوضح تدخل هذه النقابات في التسميات في وزارة الداخلية.

جمال مسلم، رئيس الرابطة التونسية لحقوق الانسان

 وأشار المدوري إلى ما قامت به النقابات الأمنية من ضغوط على القضاء لإخلاء سبيل زملائهم المتهمين، في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، لافتاً إلى أنّ ذلك سيبقى وصمة عار في جبين حكومة المشيشي وسابقاتها، بعد أن اقتحمت وحدات من البوليس مدججة بالسلاح، تدعمها النقابات الأمنية، مقرّ المحكمة الابتدائية في بن عروس بالعاصمة للضغط على القاضي للإفراج عن زميلهم الموقوف؛ حيث قرر قاضي التحقيق المتعهّد بالقضية، آنذاك، إطلاق سراح المتهم وهو مدير مركز أمن في منطقة المروج.

رئيس الرابطة التونسية لحقوق الانسان جمال مسلم  لـ "حفريات":  تونس لم تستطع القطع نهائياً مع دولة البوليس وكلّ أشكال العنف التي تسلطها على رقاب المجتمع

من جهته، يرى جمال مسلم، رئيس الرابطة التونسية لحقوق الانسان، في تصريح لـ "حفريات"؛  أنّ الممارسات القمعية التي تقوم بها المؤسسات الأمنية في تونس، نتيجة حتمية وتراكمية لعقود طويلة من سطوة القبضة الأمنية على المجتمع والدولة.

وأكد أنّ تونس لم تستطع القطع نهائياً مع دولة البوليس وكلّ أشكال العنف التي تسلطها على رقاب المجتمع، رغم ما أحرزته ثورة 2011 من مكتسبات مهمة.

جرائم أكثر بشاعة

المشاهد المتكررة التي  تداولها التونسيون على وسائل التواصل الاجتماعي لتورّط أعوان الأمن في الاعتداء على المدنيين، كان الشجرة التي تخفي هشاشة الديمقراطية التي تتأرجح بفعل الأزمات الاقتصادية المتتالية، خاصة في ظلّ المخاوف من عودة الاستبداد، رغم أنّ حركة النهضة، التي تصدّرت الحكم منذ 2011 إلى اليوم، لطالما قدّمت نفسها كحزب سياسي عانى الويلات من نظام بن علي.

النائب عن حركة الشعب هيكل المكي

وتبقى حادثة "الرش المصبوب" في ولاية سليانة حين كان القيادي بحركة النهضة علي العريض وزيراً للداخلية، إحدى فصول القمع البوليسي الذي يُتهم فيه العريض باستعماله القوة المفرطة أثناء الاحتجاجات، حيث واجهت قوات الأمن المتظاهرين المطالبين بالتنمية والمارة بمادة "الرش" المحرّمة دولياً، يومي 27 -28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012.

وقد اُصيب حينها عدد كبير من الشباب في مناطق مختلفة من الجسم، خاصة على مستوى الوجه والعين، وتراوحت نسب السقوط المستمرّ بين 0 و56 في المئة، بحسب المعاينات التي تمت على الضحايا في معهد الهادي الرايس لأمراض العيون.

الصفحة الرئيسية