هكذا فكّك المؤرخ ابن إياس أوهام الخلافة العثمانية

هكذا فكّك المؤرخ ابن إياس أوهام الخلافة العثمانية

مشاهدة

30/08/2020

جاء العام 1517 ليشهد نهاية حكم دولة المماليك وبداية حكم الدولة العثمانية، حيث كانت أعراض تآكل الدولة وفسادها واضحة للعيان؛ فالسلطان الغوري يعيّن الفاسد الذي يتلاعب في صكّ العملة، ويولي مشايخ العرب على الأوقاف والمقطعين، فيأخذ منه الضعف أضعافاً، وغيرها من مظاهر العسف والجور التي تؤذن بخراب العمران، كما قال ابن خلدون.

اقرأ أيضاً: العثمانيون وهدم فكرة الحضارة الإسلامية

 لكن أقصى ما تصوّره بسطاء المصريين أنّ معارك المماليك والعثمانيين باعتبارها جولة جديدة من جولات الصراع المستمر بين ممالك الإسلام، ستنتهي بانتصار، طومان باي، الذي بكوه حين التفّ حبل المشنقة حول عنقه، وظلّ يستصرخهم وهم من الصدمة مشلولون.

المؤرخ ابن إياس شاهداً على جرائم الاحتلال التركي

عاصر المؤرخ ابن إياس قصة هزيمة المماليك، ونهاية حكمهم على يد السلطان العثماني، سليم الأوّل؛ وكتب تاريخ مصر من ميلادها حتى كبوتها في عمله الموسوعي "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، وظلّ كتابه أرشيفاً أميناً يروي وقائع دخول العثمانيين إلى مصر.

غلاف الكتاب

ويوميات ابن إياس تنفي المزاعم والأساطير التاريخية، التي تروّجها الدولة التركية التي تسعى بشتى السبل لرسم صورة مثالية للدولة العثمانية، وللخليفة العثماني التقي الورع، ومحاولة ترسيخها في العقول، وهو ما يتنافى مع حقيقة سلطان مثل سليم الأوّل، الذي أرسل رسالة استفزازية إلى طومان باي يحطّ فيها من قدره، واختتمها واصفاً نفسه بأنّه خليفة الله في أرضه، وتوعده بأنّه إذا لم يدخل في طاعته؛ فإنّه سيدخل مصر ويقتل جميع من بها من مماليك، حتى يبقر بطون الحوامل، ويقتل الأجنة في بطونهن، وقد وفى سليم الأول بوعيده كما سنرى، وكطبع الخلفاء في ذلك الزمن الأغبر، أراد سليم الأوّل أن يضفي قداسة مزعومة على سلطته، فادّعى أنّه خليفة الله، في حين أنّ الخلافة هي إمامة المسلمين خلفاً للرسول الأكرم.

أراد سليم الأول أن يضفي قداسة مزعومة على سلطته فادّعى أنه خليفة الله

قبل دخول العثمانيين مصر استدعى سليم الأوّل رجال الدين، وعلى رأسهم شيخ الإسلام، زنبيلي علي أفندي، يطلب منهم فتوى تبيح غزو مصر، وقتال حكامها وأهلها؛ بحجّة أنّهم لا يعاونون العثمانيين على قتال الصفويين، وأنّ المصريين يختلطون بالشراكسة غير المؤمنين، وأنهم يسمحون لأهل الكتاب وغيرهم باستخدام عملة مرسوم عليها شهادة "لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله" وحملها، وقد يكونون على نجاسة، وخرجت الفتوى من فم الشيخ زنبيلي قبل أن يرتدّ طرف السلطان إليه، فأباحت قتال المصريين وقتلهم وترويعهم لتلك الأسباب التي أرادها خليفة الله على الأرض ـكما يزعم- السلطان سليم الأوّل.

عجلة التاريخ تدحض المزاعم التركية

لتبدأ عجلة الأحداث في الدوران سريعاً، ليهزم العثمانيون السلطان قانصوه الغوري في معركة مرج دابق شمال حلب العام 1516؛ نتيجة لخيانة بعض القادة للغوري، وعلى رأسهم خاير بك نائب حلب، حتى هُزم الجيش المصري ولقي الغوري حتفه تحت سنابك الخيل العثمانية، ثمّ تستأنف جيوش الخليفة المزعوم طريقها من غزة، كمقدمة لهزائم عديدة لجيش المماليك الذي قاده طومان باي، آخر سلاطين المماليك، وانتهت بدخول سليم الأوّل مصر.

لم ينسَ سليم الأول أن يضفي شرعية دينية على ما يفعل فدخل باب النصر مع آخر خلفاء الدولة العباسية

يذكر ابن إياس أنّه بعد دخولهم القاهرة: "صارت العثمانية تنهب ما يلوح لها من قماش وغير ذلك، وصاروا يخطفون جماعة من الصبيان المرد والعبيد السود، واستمرّ النهب عمالاً في ذلك اليوم إلى ما بعد المغرب، ثمّ توجهوا إلى شون القمح التي بمصر وبولاق، فنهبوا ما فيها من غلال...، فانفتحت للعثمانية كنوز الأرض بمصر، من نهب للقماش وسلاح وخيول وبغال وعبيد، وغير ذلك من كلّ شيء فاخر، واحتووا على أموال وقماش ما فرحوا بها قطّ في بلادهم".

عاصر المؤرخ ابن إياس قصة هزيمة المماليك، ونهاية حكمهم على يد السلطان العثماني، سليم الأوّل

وبنهب شون القمح والغلال، شهدت مصر أزمة غذائية لم تكن شهدت مثيلها منذ زمن، حتى أنّ ابن إياس يؤكد أنّ مصر لم تشهد شدة أعظم من تلك الشدة، منذ دخول عمرو بن العاص.

كعادة السياسيين لم ينسَ الخليفة أن يضفي شرعية دينية على ما يفعل؛ فدخل باب النصر مع آخر خلفاء الدولة العباسية، صاحب المنصب الصوري، الخليفة المتوكل على الله، ومعه قضاة المذاهب الأربعة، ونادى المشاعلية أنّ الأمن قد عاد للبلاد واستتبّ الأمر وفتح باب العدل، وبرغم ذلك يقول ابن إياس: "صاروا ينهبون بيوت الناس حتى بيوت الأرباع في حجة أنهم يفتشون على المماليك الجراكسة، واستمرّ النهب والهجم عمالاً في البيوت ثلاثة أيام متتالية، وهم ينهبون القماش والخيول والبغال من بيوت الأمراء والعسكر"، فيما بدأ الدعاء لسليم الأوّل على منابر المساجد.

تفرّغ جنود السلطان للبحث عن المماليك الهاربين، وعلى رأسهم طومان باي وذبحهم

تفرّغ جنود السلطان للبحث عن المماليك الهاربين، وعلى رأسهم طومان باي، وذبحهم، فكانوا يحضرونهم بين يدي ابن عثمان، الذي أمر بضرب أعناقهم، وصار العثمانية يكبسون الترب ويقبضون على المماليك الجراكسة منها، وكلّ تربة وُجد فيها مملوك جركسي حزّوا رأسه ورأس من بالتربة من الحجازيين وغيرهم، فضرب في يوم واحد 320 رأساً من سكان الصحراء، فالجنود ينفذون أوامر الخليفة بلا رحمة.

لم يراعِ العثمانيون حرمة المساجد، فحرّقوا مسجد شيخو بالصليبة، وهجموا على جامع الأزهر، وجامع الحاكم وجامع ابن طولون، واقتحموا مسجد السيدة نفيسة، وسرقوا محتويات الضريح، وحينما استقرّ سليم الأوّل بالقلعة، فكّك رخام القلعة والعواميد التي كانت في الإيوان الكبير، واقتحم جنوده قصور الأمراء وأوقاف المسلمين ينهبون رخامها، ثم نزل به في مراكب إلى إسطنبول.

لم يكتفِ العثمانيون بنهب الرخام، فعقدوا العزم على ترحيل مجموعة من تجار الوراقين، وتجار الشرب والباسطية وطائفة من البنائين والنجارين والمرخمين والمبلطين والحدادين، وغير ذلك من المعلمين، وقد وصل عدد العمال المهرة الذين جرى ترحيلهم إلى إسطنبول وفقاً لابن إياس، نحو ألف وثمانمئة عامل، وأدّى ترحيل ذلك العدد الضخم من العمال إلى فناء ما يربو على 50 حرفة.

خرجت الفتوى التي تبيح غزو مصر من الشيخ زنبيلي قبل أن يرتدّ طرف السلطان إليه

وعليه، بدأ خفوت القاهرة كحاضرة عربية إسلامية، بعد أن دخلت خريف العصر العثماني، وقد صدق وصف الشيخ بدر الدين الزيتوني بعد أن شاهد جرائم العثمانيين بحقّ القاهرة بأنّها: "أصبحت بالذل مقهورة من بعد ما كانت القاهرة"، وإن احتل العثمانيون مصر بالسلاح لقرون، فإنّ مصر كعادتها مارست نوعاً من المقاومة الصامتة، بالحفاظ على خصائصها الاجتماعية، ومناهضة محاولات التتريك التي مارسها المحتلّ لفترات طويلة.

الصفحة الرئيسية