الانتخابات التركية تحت نير حالة الطوارئ: مواجهة شرعية القمع

11533
عدد القراءات

2018-06-20

تحمل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية، المزمع إجراؤها الأحد المقبل، وعود تغيير عاتية، معطوفة على موجة من التحولات الصعبة، على المستوى المحلي.

وتعيش تركيا في ظل أوضاع استثنائية مضطربة؛ تتمثل في حالة الطوارئ المستمرة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، في 15 تموز (يوليو) 2016، وقمع الحريات، وما أسفر عنه من حالات تضييق وقبض على الصحفيين، وفصلهم تعسفياً، وغلق مقراتهم الإعلامية.

القيود المفروضة على حقوق التعبير والتجمع وتشكيل الأحزاب في تركيا لا تتماشى مع إمكانية إجراء انتخابات ذات مصداقية

وطالت حملة القمع أحزاب المعارضة، وأدت إلى تراجع في الاقتصاد التركي، وانخفاض قيمة "الليرة" التركية، نتيجة ارتفاع في معدلات التضخم، الذي يترافق، دوماً، مع كل استحقاق انتخابي، بسبب المخاوف من تأثيرات نتائجه على الاستقرار السياسي.

إقليمياً، يستثمر أردوغان تقدم قواته على وحدات حماية الشعب الكردية، وطردهم من منطقة عفرين، في الشمال السوري، لحصد أصوات انتخابية، ودعم خطابه القومي، وتضخيم شعوره لدى الناخبين والتأثير عليهم.

الانتخابات التركية؛ البرلمانية والرئاسية، ستجرى وفق مقترح مفاجئ، صدر منتصف نيسان (أبريل) الماضي، من دولت باهشلي، رئيس حزب الحركة القومية، حليف الرئيس التركي، بهدف تقديم موعد الانتخابات، والتي كانت ستتم في نهاية عام 2019، واستجاب له أردوغان، فوراً.

أردوغان.. السلطة للأبد

تضع الانتخابات التركية، الفصل الأخير، في نقطة التحولات، التي شرع فيها أردوغان؛ حيث التحول من النظام البرلماني إلى الرئاسي، وتقليص السلطات في قبضته، بخلاف السابق، وهو ما مهد له في التعديلات الدستورية الشاملة الأخيرة، عام 2017، كما سيصبح من حق الرئيس، في النظام الأخير، تشكيل الحكومة، وإلغاء منصب رئيس الوزراء.

اقرأ أيضاً: هذا ما قاله مرشح الانتخابات التركية دميرتاش عن أردوغان

ومن ثم، لن يكون الرئيس؛ أي رئيس، مضطراً تقديم استقالته من حزبه السياسي، قبل موعد الانتخابات، كما في النظام البرلماني. ففي ظل النظام الرئاسي، فالانتخابات الرئاسية ستنعقد على مرحلتين، ويشترط حصول المرشح الفائز، في الجولة الأولى، على ما نسبته 50 في المائة +1 من مجموع الأصوات؛ أي أكثر من النصف، حتى لا يتم إعادة الانتخابات في مرحلة ثانية، خلال أسبوعين، في 8 تموز (يوليو) المقبل، من بين المرشحَين الحاصلين على أعلى نسبة من الأصوات.

وتشكل تحالفان، لخوض غمار المعركة الانتخابية؛ الأول بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، تحت مسمى "التحالف الجمهوري"، وينتسب لهذا التحالف مجموعة من الأحزاب الصغيرة، والتحالف الثاني باسم "تحالف الشعب"، ويندرج فيه حزب الشعب الجمهوري، والحزب الجيد، وحزب السعادة، والحزب الديمقراطي.

طعن في شرعية الانتخابات ونزاهتها

التحالفات السياسية التي تم تشكيلها، وستخوض المنافسة الانتخابية، في ظل هذا الكم الهائل من التحولات والتعقيدات، يشوبها الكثير من المخاوف والانتقادات، حول نزاهتها وشرعيتها، في ظل تمديد قانون الطوارئ وقمع حرية التعبير والصحافة، والقبض الخصوم السياسيين، في الأحزاب المعارضة، وغلق العديد من المؤسسات الإعلامية.

يستثمر أردوغان تقدم قواته على وحدات حماية الشعب الكردية وطردهم من عفرين في الشمال السوري لحصد أصوات انتخابية

فمن ناحية، حاول أردوغان، وضع قيود قانونية، على أحد الأحزاب الجديدة، المشكلة، مؤخراً، وهو الحزب "الجيد"، وزعيمته ميراي أكشنر، والذي حقق رصيداً جماهيرياً لدى الشارع التركي، وقد انشق عن حزب الحركة القومية، بعد التحاقه في تحالف مع الرئيس التركي وحزبه العدالة والتنمية، حيث حاول منعه من المشاركة في الانتخابات، بحجة عدم مرور ستة أشهر، على عقد مؤتمره التأسيسي الأول، بالإضافة إلى عدم حصوله على كتلة برلمانية، تؤهله للمشاركة في المنافسة الانتخابية.

هذا الأمر اضطر حزب الشعب الجمهوري، أكبر الأحزاب المعارضة، لضم عضوية نواب منه للحزب "الجيد"، حيث استقال 15 عضواً، والتحقوا بالحزب الجديد، وبالتالي، أصبح بمقدوره تقديم مرشحين، رئاسيين وبرلمانيين، وتجاوز العقبة التي جرى تمريرها، بهدف عرقلة مسيرته.

ومن ناحية أخرى، دعا مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين، الحكومة التركية، إلى رفع حالة الطوارئ على الفور، واعتبر "أنّ الانتخابات التي تجري في بيئة، تـُمس فيها الحريات الديمقراطية وسيادة القانون، ستثير التساؤلات حول شرعيتها، وتؤدي إلى مزيد من عدم اليقين وانعدام الاستقرار".

دعا زيد رعد الحسين، الحكومة التركية، إلى رفع حالة الطوارئ على الفور

مثلث القمع في تركيا

الحسين قال في بيانه أيضاً إنّ القيود طويلة الأمد المفروضة على الحقوق في التعبير والتجمع وتشكيل الأحزاب في تركيا، لا تتماشى مع إمكانية إجراء انتخابات ذات مصداقية.

وأعلنت الحكومة التركية، بعد يوم من دعوتها لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، في التاسع عشر من نيسان (أبريل)، أنها ستمدد حالة الطوارئ، للمرة السابعة، التي امتدت نحو 18 شهراً، جرى خلالها عزل 152 ألف موظف مدني، من وظائفهم، بصورة تعسفية. كما عزل وحوكم مدرسون وقضاة ومحامون، وألقي القبض على صحفيين، وأغلقت مواقع على الإنترنت وحجبت.

ووصف المفوض السامي المعارضة التركية، بأنها انحسرت بصورة كبيرة، خلال العامين الماضيين، في ظل إعلانات متعاقبة لحالة الطوارئ، والتواجد الأمني الكثيف والاعتقالات، خلال مظاهرات الأول من أيار (مايو)، ما يكشف عن ضيق مساحة حرية التجمع السلمي في البلاد.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى مرشّح حزب الشعب العلماني المنافس لأردوغان بالانتخابات التركية

وفي تقرير صدر، مؤخراً، عن الأوضاع في تركيا، فقد أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، عن القلق بشأن "تقويض قدرة المجتمع المدني والقضاء ووسائل الإعلام على أداء مهامهم، بسبب التجديد الروتيني لحالة الطوارئ"، وطالب بـ"استعادة النظام الدستوري، بشكل كامل والاحترام التام للحريات في القانون والممارسة".

ومن بين الحالات الموثقة، التي وردت في التقرير، وتعكس الانتهاكات التي مورست، من جانب السلطات التركية، احتجاز نحو 100 امرأة حامل أو حديثة الولادة، لأسباب تعود إلى اتهامهن، بـ"مساعدة أزواجهن، المشتبه في علاقتهم بمنظمات إرهابية".

ويشير التقرير الصادر عن الأمم المتحدة، إلى أنّ استفتاء نيسان (أبريل) 2017، وسع من الصلاحيات التنفيذية للرئيس رجب طيب أردوغان، لتمتد إلى الجهازين؛ التشريعي والقضائي، وهو ما يؤدي إلى التدخل في عمل القضاء، وتقويض الإشراف البرلماني على الجهاز التنفيذي.

المعارضة تتطلع لدخول البرلمان بهدف تعديل الدستور مجدداً وتقليص صلاحيات الرئيس

لماذا تبدو جولة الانتخابات البرلمانية هي الأصعب؟

في حديثه لـ"حفريات"، يشير الباحث في الشأن التركي، محمد حامد، إلى أنّ الانتخابات التركية، تجري في ظل حالة الطوارئ، المفروضة منذ آب (أغسطس) 2016، "بينما فقدت خلالها تركيا كل معايير دولة القانون، وقيم الديمقراطية، فانهارت كل أشكال حقوق الانسان وحرية التعبير، بصورة تامة، وهو ما يجعل العملية الإنتخابية، تفقد شرعيتها ونزاهتها".

ويضيف، كان أردوغان يرى في الانتخابات نزهة، "لكن ثمة تهديدات حقيقية لحزب العدالة والتنمية، الذي بقى في الحكم 15 سنة، ومن المتوقع عدم حسمها، من الجولة الأولى، كما من الممكن خسارة الانتخابات البرلمانية".

اقرأ أيضاً: الانتخابات المبكرة تشعل خلافاً بين تركيا والجمعية البرلمانية الأوروبية

ويوضح الباحث في الشأن التركي، أنّ المعارضة في تركيا تتطلع إلى دخول البرلمان، "بهدف تعديل الدستور، مجدداً، وتقليص صلاحيات الرئيس، والحصول على أغلبية، وهزيمة العدالة والتنمية، وبالرغم من أنّ النظام أصبح رئاسياً، وصلاحياته قليلة، لكنها، البوابة المتاحة أمام قوى المعارضة، لعبور أهدافها ومواجهة أردوغان وحزبه وتقويض سلطاته، فيكون بمقدورها في ظل النظام الجديد، تقييد صلاحيات الرئيس التشريعية".

ومن مزايا النظام الرئاسي، بحسب حامد، أنه يترك صلاحيات واسعة للسلطة التشريعية، بالإضافة إلى صلاحية سحب البرلمان الثقة من الرئيس، بشرط توفر غالبية الثلثين، "وهو أكثر ما يخشاه أردوغان، ويضطره إلى تأمين أغلبية في البرلمان، ويجعلها منافسة شاقة، خصوصاً، مع استطلاعات للرأي العام، تشير إلى تقدم حزب المعارضة، ميراكل أكشنر، في المرتبة الثالثة، بالإضافة إلى الأصوات المحتملة من الأكراد. فالمعارضة ليست ضعيفة، لكنها مشتتة، وغير موحدة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: