أردوغان إذ يسرق النار في جدل المسجد والكنيسة

أردوغان إذ يسرق النار في جدل المسجد والكنيسة

مشاهدة

13/06/2020

لا يعدو الخلاف المحتدم حول متحف "آيا صوفيا" الأثري والتاريخي في تركيا، سوى أنه إطار تختبئ وراءه خلافات سياسية مستترة، وتوترات إقليمية عديدة، لا سيما بين تركيا واليونان، كما أنّ الجدل الذي يتردّد، بين الحين والآخر، حول تلك القضية، يعدّ حالة مزمنة ترافق الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، حيث يتمّ استدعاؤها في سياقات وتوقيتات محددة، بينما يؤدي من خلالها أدواراً تعبوية عبر الشحن الديني، واستمالة العناصر المحافظة من القوميين المتعصبين والإسلاميين الراديكاليين.
أردوغان وعقل الخديعة
ليست المرة الأولى، إذاً، التي تعود قضية متحف آيا صوفيا إلى دائرة الاستقطاب الديني والسياسي، والمسجل باعتباره أثراً تاريخياً ضمن التراث الإنساني العالمي، من جانب منظمة اليونسكو، كما أنّها ليست الحالة الوحيدة التي تتعرض فيها كنيسة بتركيا لتحويلها إلى مسجد عبر تاريخها الممتد؛ إذ إنّ "جامع العرب" في إسطنبول، كان في الأصل كنيسة بيزنطية، تأسست في القرن السادس الميلادي، وقد جرى تحويلها، بين عامي 1475 و1478، إبان الدخول العثماني للمدينة.

 

 

الرئيس التركي، الذي سجِّلت تصريحات سابقة له، تعود إلى عام 2013، يرفض فيها تحويل متحف أيا صوفيا إلى مسجد، بالإضافة إلى نفيه المتكرر لوجود نوايا حول ذلك الأمر؛ حيث قال إنّه غير منشغل بتغيير "وضع آيا صوفيا ما دام هناك صرح إسلامي عظيم آخر، في إسطنبول، شبه خاوٍ من المصلين، وهو مسجد (السلطان أحمد) الذي يرجع بناؤه إلى القرن الـ 17 الميلادي"، ارتدّ إلى النقيض، وذكر في تصريحات أخرى، أنّه يجب "اعتماد سياسة العين بالعين، وينبغي على تركيا أن تسمح الآن بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد"، وذلك إثر قرار الحكومة الألمانية بالاعتراف بالإبادة الأرمنية.
مناورات سياسية
لم تكن المبررات التي حالت برأي أردوغان بينه وبين تغيير وضع "آيا صوفيا" قد تبدّل منها أيّ شيء، لكن السياق الذي يسقط فيه أوراقه السياسية، بهدف الضغط أو الجذب أو المناورة، لحساب سياساته الشعبوية هو ما تغيّر.

قضية آيا صوفيا تبرز توجهات أردوغان البراغماتية، والتي تقوده باستمرار للتصريح ونقيضه، دون أن يكون له بالضرورة أفق ملموس

لذا، ظهر الرئيس التركي، في 29 أيار (مايو) الماضي، والذي تزامن مع ذكرى دخول العثمانيين لإسطنبول، من داخل متحف آيا صوفيا، وهو يقرأ سورة "الفتح"، التي لطالما عمد إلى الاستعانة بها واستغلالها في حروبه وصراعاته الإقليمية، لا سيما في شمال شرق سوريا، ومعركتي "غصن الزيتون" و"نبع السلام"، مما دفع اليونان لإدانة هذه الخطوة؛ حيث أعلن عزمه على اتّخاذ خطوات نحو إعادة فتح آيا صوفيا، للعبادة مرة أخرى.
الأمر ذاته ينطبق على ما جرى في آذار (مارس) العام الماضي، حين وقع هجوم إرهابي على أحد المساجد في نيوزلاندا، ما دفع الرئيس التركي لأن يصرّح: "البعض يطالبون بفتح آيا صوفيا للعبادة، لكن لا معنى للانجرار وراء استفزاز هذا الإرهابي الخسيس من منطلقات عاطفية، يجب ألّا نقع في مثل هذه الألاعيب، هذا أيضاً عمل استفزازي، لقد اضطررت لقول هذه التصريحات حتى نفسد هذه الألاعيب".

 

ما الذي تغيّر؟
ولئن يبدو حديث أردوغان، مجرد الحديث، محاولة للاصطفاف السريع مع قيم التسامح ضدّ الإرهاب والتطرف، إلا أنّه سرعان ما يحتشد في بؤرة هذه الحاضنة المتشددة، ويترك موقعه إلى الجهة المقابلة لأهداف أخرى مغايرة؛ إذ أعلن بعد أيام قليلة من تلك التصريحات التي أطلقها إبان هجوم نيوزلاندا، في أحد مؤتمراته الجماهيرية، التي تزامنت مع انتخابات المحليات، أنّ "الوقت حان لإعادة تسمية آيا صوفيا في إسطنبول بـ "مسجد آيا صوفيا"، مؤكداً أنّ "تحويله إلى متحف كان "خطأ كبيراً جداً".

الناطق الرسمي لوزارة الخارجية التركية حامي أقصوي: تلاوة القرآن في متحف آيا صوفيا لا تتعارض مع مكانة المتحف الأثرية

وتابع الرئيس التركي: "الذين سيأتون إلى آيا صوفيا سيزورون مسجد آيا صوفيا". كما وعد الناخبين في مؤتمره، بأنّه "بعد الانتخابات المحلية سوف نعكف على دراسة الأمر، ومن ثم، نقدم على خطوات على الصعيد القانوني، كي نجعل هذا الصرح مسجد آيا صوفيا، وليس متحف آيا صوفيا".
واستطرد: "هناك من يقف على بعد 16 ألفاً و500 كيلومتر، ويريد الاستيلاء على آيا صوفيا، لقد صبرنا كثيراً، وقد قلت ذلك من قبل، كما تعرفون آيا صوفيا تحولت من مسجد إلى متحف قبل مدة قصيرة. ولكن آن الأوان، إن شاء الله، بعد الانتخابات لنحول آيا صوفيا من متحف إلى مسجد من حيث الاسم، لدينا العديد من الخطط في هذا الشأن، وسنبدأ في تطبيق هذه الخطط".

 

 

كما وجه أردوغان في ذكرى الدخول العثماني لإسطنبول بضرورة وأهمية "إحياء الذكرى السنوية لفتح إسطنبول، بالتضرع إلى الله وتلاوة سورة الفتح في آيا صوفيا"، بينما رأى الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي، أنّ تلاوة القرآن في متحف آيا صوفيا لا تتعارض مع مكانة المتحف الأثرية حول العالم، ولا مع اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي والطبيعي، حسبما أوضح، وقد جاءت تصريحات الأخير ردّاً على إدانة اليونان لجهة استغلال المتحف لأغراض دينية ورسائل سياسية.
آيا صوفيا.. عبء التاريخ
تعدّ آيا صوفيا التي ظلت كاتدرائية لمدة 900 عام، قبل تحويلها إلى مسجد، لمدة 500 عام، أحد أهم المنشآت المعمارية البيزنطية في تاريخ القسطنطينية، والذي يتقاطع فيها السياسي بالتاريخي والديني؛ إذ تمّ بناؤها بين عامَي 532 و537، في عهد الإمبراطور جستنيان، لتكون بمثابة الكنيسة الرسمية للدولة البيزنطية. ورغم تهدّمها واحتراقها، إلا أنها شيّدت باعتبارها أكبر كنيسة للإمبراطورية الرومانية الشرقية، في الموقع نفسه الموجودة فيه حالياً ثلاث مرات، حسبما تذكر المصادر التاريخية، كما كان يتم تتويج الحكام الرومان فيها.

 

 

اقرأ أيضاً: #آيا_صوفيا يتصدر تويتر.. هل يتوقف أردوغان عن تسييس الدين؟
ومع الغزو العثماني، على يد محمد الثاني المعروف بـ "محمد الفاتح"، في القرن الخامس عشر الميلادي، وتحديداً عام 1453، تغيرت عاصمة الإمبراطورية الرومانية "القسطنطينية" إلى إسطنبول، كما تحولت "آيا صوفيا" إلى مسجد، يعكس نفوذ الدولة العثمانية؛ حيث صلى فيها "الفاتح" أول جمعة بعد الاستيلاء على المدينة.
بيد أنه خلال فترة حكم مصطفى كمال أتاتورك، تعرضت الكنيسة للإهمال، وتمّ إخفاء لوحات الفسيفساء بطبقات من الجص، وذلك قبل أن تتحول إلى متحف، لتعكس مرحلة تركيا الحديثة ودستورها العلماني.

تعدّ آيا صوفيا أحد أهم المنشآت المعمارية البيزنطية في تاريخ القسطنطينية
من جانبها، دانت لجنة الولايات المتحدة حول حرية الأديان في العالم موقف أردوغان وتصريحاته المتعلقة بمتحف آيا صوفيا، والتي وصفتها بـ "الاستفزازية"؛ حيث قالت إنّ "آيا صوفيا يحمل أهمية تاريخية وروحية عميقة للمسلمين والمسيحيين، على حدّ سواء، ويجب الحفاظ على وضعه كمتحف"، مؤكدة أنّ "تصريحات الرئيس أردوغان استفزازية وضارة بلا داع للأقليات الدينية في تركيا، وتتفاقم تأثيرات مثل هذا الإجراء بسبب تدهور مشهد الحرية الدينية والديمقراطية وحقوق الإنسان في تركيا".
وإلى ذلك، يرى الصحفي المصري، أحمد حسن، أنّ هناك سيولة في التصريحات التي يستخدمها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والتي تتماشى مع سياساته الشعبوية، حيث تتحول في هذا السياق إلى مجرد أداة سياسية مؤقتة وانتهازية، بهدف تحقيق أغراض سياسية محددة أو إخفاء أحلامه التوسعية، كما يتصورها، مع إحياء "العثمانية الجديدة"، فضلاً عن ارتباط مصالحه بقوى وجماعات متطرفة وتنظيمات إرهابية، مثل جماعة الإخوان، من جهة أخرى.

 

 

ويضيف لـ "حفريات": "تصريحات أردوغان حول غزة، يمكن مطابقتها بتصريحات أخرى، تعكس جميعها السلوك السياسي ذاته؛ حيث يخفي عبر القضية الفلسطينية التي يزعم تبنيها صلاته المتينة بإسرائيل، والتي تفضحها الشراكة الإستراتيجية على مستوى التجارة والسياسة وحتى التسليح، في حين أنّ فلسطين تحتل موقعاً متراجعاً عملياً فيما يتصل بالمساعدات الشحيحة التي تقدّمها أنقرة.
وعليه، تبدو قضية آيا صوفيا أكثر تعقيداً، بحسب حسن، لكنّها تبرز توجهات أردوغان البراغماتية، والتي تقوده باستمرار للتصريح ونقيضه، دون أن يكون له بالضرورة أفق ملموس وواقعي محدّد، كما أنّها تفضح ميله إلى كتلة القوميين المتعصبين، والإسلاميين المتشديين، باعتبارهما حاضنته الانتخابية.

 

 

الصفحة الرئيسية