هكذا تغلغلت تيارات الإسلام السياسي في موريتانيا.. ما علاقة قطر وتركيا؟

هكذا تغلغلت تيارات الإسلام السياسي في موريتانيا.. ما علاقة قطر وتركيا؟

مشاهدة

10/12/2020

ثمة تجليّات متعددة لقوى وتنظيمات الإسلام السياسي، بدت فيها كأداة في فضاء الصراع الإقليمي والدولي، منذ اعتمدت واشنطن على الدين لأداء دور وظيفي متجدد، بغية مواجهة نفوذ موسكو الأيديولوجي إبّان الحرب الباردة، وهو ما استغلته جماعة الإخوان المسلمين للتمدد والحركة على أكثر من مستوى.

اقرأ أيضاً: إخوان موريتانيا في 2019.. صراعات وانشقاقات وفساد
هذا وقد شهدت مناطق الهامش نوعاً من التحرك الخاص للجماعة، في ظل غياب الضغط السياسي، وغلبة روح التدين التقليدي، مع تردي الأوضاع المعرفية، وسطوة التقاليد القبليّة، ما منح الإخوان ظهيراً مكّنهم من الانتشار، ومن ثم اقتحام المجال السياسي بقوة، وتمثل الحالة الموريتانية نموذجاً كاشفاً في هذا السياق.

 

المراكز والزوايا الإسلامية حاضنة للمشروع الإسلاموي
مارست الزوايا الدينيّة والمعاهد الإسلاميّة التقليدية في موريتانيا، والتي يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر الميلادي، دوراً في احتضان أفكار جماعات الإسلام السياسي، والترويج لها، خاصة، وأنّ ثمة ملمحاً مؤثراً للزوايا يتصل بإعداد الدعاة، تاريخيّاً، وسط الصحراء، لخدمة الرسالة الدينية.

اقرأ أيضاً: موريتانيا الغزواني.. بين تجار الدين والسياسة
ويتصف نمط التدين في موريتانيا بالتصوف، بيد أنّ الحركة الإسلامية التي نشطت في عقد السبعينيات، عمدت إلى كسر طبيعة التدين السائد في المجتمع، بدعوى أنّ التصوف مخالف للدين، الأمر الذي فتح ثغرات تسللت منها قوى الإسلام السياسي، لملء الفراغات الموجودة، والتمدد في المساحات الجديدة.

شهدت مناطق الهامش نوعاً من التحرك الخاص للجماعة في ظل غياب الضغط السياسي وغلبة روح التدين التقليدي

وترافق تموضع تيار الإسلام السياسي على خريطة الحركات السياسية في موريتانيا، مع تأسيس حركة الإصلاحيين الوسطيين، منتصف السبعينيات، بينما ظهرت الجماعة الإسلامية كأول تنظيم للتيار الإسلامي، في العام 1978؛ إذ جاءت هذه الولادة من رحم أنشطة المراكز الدينية، كما تطور التنظيم بالتزامن مع تأسيس تنظيم "حاسم"، في العام 1990، ثم ظهور حزب الأمة، وكذا، حزب  "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية-تواصل-"، والأخير يستمد أفكاره ومرجعيته العقدية من أدبيات المرشد المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، ومقولات سيد قطب، وهو بمثابة الذراع السياسي للإخوان المسلمين في موريتانيا.
وعليه، بدأت تتبلور التيارات الاسلامية في موريتانيا، وتتصل بينها المسافات رغم تباين السياقات والأزمنة، التي كوّنت كل طرف وصنعت كل فصيل؛ حيث بدأت اللحظات التدشينية في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وصوّبت الحركة ثقلها السياسي نحو الجامعات والمعاهد التربوية والتعليمية، وتأثرت بجملة الفكر الإسلامي الوافد من المشرق العربي وآسيا وبقية الدول المغاربية؛ حيث استلهمت شخصيات إسلامية موريتانية الكثير من أفكار حسن البنا، وسيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، وراشد الغنوشي.

اقرأ أيضاً: الصراعات والانشقاقات تضرب أوصال إخوان موريتانيا
وتتمايز تيارات الإسلام السياسي في موريتانيا نحو تيارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في تنظيم الإخوان المسلمين، والثاني، يتمثل في التيار السلفي، والأخير ينقسم إلى تيار السلفية الجهادية، والسلفية الإصلاحية، مما يشي بانحصار الأمر في تيارين يشكلان قوى الإسلام السياسي في موريتانيا، تتباين مواقفهما وأهدافهما من العمل السياسي بشكل عام، والممارسة الديمقراطية، بشكل خاص، في ظل خريطة الحركات السياسية وأجواء التعدد الحزبي والانفتاح السياسي الذي عرفته نواكشوط، في حقب تاريخية عديدة، ووسط ظروف محلية ومتغيرات اقليمية ودولية تركت آثارها واضحة على مسار الحياة السياسية فيها.

 

الدولة والإخوان.. بين محاولات الاحتواء والمواجهة
الملمح الرئيس الذي يمكن طرحه على الدوام، فيما يتصل بتتابعية الأنظمة السياسية الموريتانية، هو أنّها حرصت على المراوحة بين التوجهات الإسلامية في السياسة، والإدارة المدنية للشأن العام، كونها مقاربة تكتيكية لطبيعة عمل الإسلام السياسي أمام المكون العلماني، وريبتها الشديدة من الظاهرة الإسلامية، بشكل عام، الأمر الذي ارتبط طوال الوقت بعلاقات الدولة الإقليمية والدولية، في محيطها العربي والشرق الأوسطي، فضلاً عن ارتباطاتها بالعمق الإفريقي، الذي احتاج منها تعاطي براغماتي ومرونة كبيرة.

اقرأ أيضاً: منشقون يكشفون ارتباط "إخوان" موريتانيا بداعش
في إطار ذلك، تستقر ذهنية السلطة السياسية في موريتانيا نحو ضرورة مواجهة تنظيم الإخوان؛ إذ أوضح الرئيس السابق ولد عبد العزيز، في أحد تصريحاته اللافتة، أنّ تنظيم الإخوان يشكل خطراً كبيراً على موريتانيا واستقرارها. كما نُسب إليه تصريح آخر يهاجم فيه حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، قال فيه: "إنّ أعضاء التجمع مجموعة من المتطرفين، الذين يرتدون رابطات عنق، لكنهم سرعان ما يستبدلونها بالأسلحة؛ عندما لا يستطيعون الوصول إلى أهدافهم".

لعبت الزوايا الدينيّة والمعاهد الإسلاميّة التقليدية بموريتانيا دوراً في احتضان أفكار جماعات الإسلام السياسي وترويجها

ومن جهته، يوجه رئيس حزب تواصل، محمد محمود ولد سييدي، انتقادات لاذعة لنظام الرئيس السابق، وطالب بمحاسبة مَن وصفهم بـ"المفسدين في العشرية الماضية الذين نهبوا خيرات البلاد، ووضعهم في السجن".
ويعد حزب "تواصل"، الذي جرى تدشينه في صيف العام 2007، نتيجة لفشل تيار الإسلام السياسي خلال العقود الماضية في الانخراط في العملية السياسية، والحصول على الشرعيّة الدستورية، وبالتالي، جاء الحزب للحصول على هذا الاعتراف المفقود والشرعية من الدولة، بيد أنّه يحمل في طوره الجديد جملة دلائل على مسار التحولات السياسية والاجتماعية، التي شهدتها موريتانيا، مطلع القرن الواحد والعشرين، فضلاً عن عدد من المتغيرات التكتيكية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على عدد من دول المنطقة، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ونشوب حرب أفغانستان؛ إذ مهدت على إثرها مساحات حركة لعدد من حركات الإسلام السياسي في المنطقة.

 

حزب تواصل.. هل هو أداة قطر الخفية؟
نسج تيار الإسلام السياسي في موريتانيا علاقات وثيقة مع الحركات الإسلامية الأخرى، فضلاً عن كون حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، يدخل في تبعية مباشرة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين؛ حيث استثمرت قطر فيه، وفق ما ورد في تقارير صحفية أشارت إلى التمويلات الضخمة التي نجح الحزب من خلالها في تكوين بنية اقتصادية، تمثلت في مؤسسات تجارية كبيرة، بالإضافة إلى أموال الزكاة، وهو ما مكّن الحزب من الإنفاق الهائل على حملته الانتخابية الأخيرة، في أيلول (سبتمبر) 2018، ورغم ذلك مُني بهزيمة كبيرة.

اقرأ أيضاً: "إخوان" موريتانيا بين مطرقة الانشقاقات وسندان إغلاق الجمعيات
ويواجه الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي حظي بتأييد واسع من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في الاستحقاق الانتخابي الأخير، حزيران (يونيو) العام 2019، والذي أسسه الرئيس السابق، العام 2009، عقب فوزه بولايته الرئاسية الأولى، مخططات الدوحة، وفق تقارير صحفية، الرامية إلى دعم الإخوان المسلمين، واصطف في مواجهتها، وكان الرئيس السابق قد قطع العلاقات الدبلوماسية معها، وصرح بأنّه ليس نادماً على ذلك؛ إذ إنّ ما قامت به قطر تجاه بعض الدول العربية يعادل "ما فعلته ألمانيا النازية"، حسب وصفه وتعبيره، فأسهمت في خراب ليبيا وسوريا واليمن.

الحركة الإسلامية عمدت منذ السبعينيات لكسر طبيعة التدين الصوفي السائد بدعوى أنّه مخالف للدين

ثمة رأي استقر في ذهنية الإدارة الأمريكية في السنوات التي سبقت "الربيع العربي"، يرى بأنّ تلك الدول تطالع قمة دورة مشروعها السياسي الذي تبلور منذ عقد الخمسينيات، والمتمثل في ثنائية كفاح الجماهير والنخب الحاكمة لنيل الاستقلال الوطني، وإقامة الدولة الوطنية على عقد اجتماعي، يرتكز على مبدأ الحاكم القابض على السلطة بكافة تفاصيلها دون مشاركة من الشعب، وبالتالي فإنّ الأمر يحتاج إلى أجواء من الديمقراطية وبلوغ مساحات الحرية والمساواة.
وعليه، خاضت واشنطن الصراع لحساب مصالحها في العواصم العربية، عبر أطرافها العديدة، واستهدفت ضرورة التغيير دون أن تتقاطع تيارات الإسلام السياسي مع ذلك الصراع أو تخرج منه، وإنّما تحظى برعاية قوى إقليمية تحافظ على المسافات المطلوبة وتراعي المصالح الأساسية، والتي تمثّلت فيما صاغته الدوحة عبر منصتها الإعلامية من أفكار وتوجهات، فضلاً عن الدعم المالي واللوجيستي لتلك الجماعات.

 

الاستراتيجية التركية في موريتانيا
من جهة أخرى، يعد الانخراط التركي في الداخل الموريتاني من خلال حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، جزءاً من رؤية أنقرة الاستراتيجية للتغلغل في مناطق عدة في الداخل الأفريقي:؛ إذ تمثل نواكشوط المدخل الرئيسي والبوابة الاستراتيجية في إفريقيا، فضلاً عن كونها المعبر الرئيس نحو بلدان المغرب العربي من بوابتها الخلفية، الأمر الذي يسمح لها بإدارة رؤيتها الجديدة التي ترى في إفريقيا عمقاً استراتيجيّا، يضاف إليها القواعد العسكرية في الصومال وجيبوتي.

مثلت العلاقة بين حزب تواصل مع الدوحة وأنقرة جانباً من الحالة الوظيفية التي تؤديها تلك الأطراف

مثلت العلاقة بين حزب تواصل، من ناحية، والدوحة وأنقرة، من ناحية أخرى، جانباً من الحالة الوظيفية التي تؤديها تلك الأطراف لتحقيق جملة من الأهداف الإقليمية والمصالح السياسية، وبالتالي، تشهد العلاقات بين أنقرة ونواكشوط، تطوراً مستمراً، تعكسه الزيارة التي قام بها الرئيس رجب طيب اردوغان لموريتانيا، مؤخراً، وهو أول رئيس تركي يزور نواكشوط، حيث قام الجانبان بتوقيع عدة اتفاقيات بين البلدين في مجالات المعادن والصيد والاقتصاد البحري والسياحة، بالإضافة لمذكرة تفاهم في مجال الزراعة، واتفاقية تتصل بحماية وتعزيز الاستثمارات بين البلدين.
تسعى أنقرة من خلال نشاطها في الداخل الموريتاني، إلى إحكام السيطرة على كافة مؤسسات فتح الله غولن، حيث قامت السلطات الموريتانية بتسليم عدد من المدارس التابعة لمنظمة غولن، والتي كانت تنشط في موريتانيا لإدارة وقف المعرف التركي، الأمر الذي يهدف إلى توسيع الدور الإقليمي لها، وفي ظل وجود حليف سياسي ينشط في مقاعد المعارضة-حزب تواصل- ومستعد لأداء كافة الأدوار الوظيفية المطلوبة منه، في ظل صراع إقليمي لا تبدو له نهاية في المستقبل القريب.

الصفحة الرئيسية