أثيوبيا: رعب التفكّك ينذر بتغيير خريطة القرن الأفريقي

أثيوبيا: رعب التفكّك ينذر بتغيير خريطة القرن الأفريقي

مشاهدة

22/02/2018

في الخامس عشر من هذا الشهر، بعد ثلاثة أعوام من الاحتجاجات المتواصلة على حكومته، من قبل المجموعات العرقية المهمَّشة في البلاد، التي راح ضحيتها الآلاف، وشُرِّد مئات الآلاف، أعلن رئيس الوزراء الأثيوبي هيلي مريام ديسالين، استقالته، في خطوة لم تكن متوقَّعة.

الدولة التي تضمّ أكثر من 80 مجموعة عرقية، وتنخر المظالم العرقية والتاريخية في صميم كيانها الوجودي، على نحوٍ يجعل من المتعذَّر الاستمرار والبقاء، مع أنّها تتبعُ نظاماً فيدرالياً، قائماً على أسس إثنية يقضي صلاحيات واسعة للأقاليم، إلى درجة الأحقية في الانفصال، تشهد منذ ثلاثة أعوام، سلسلة احتجاجات من قبل المجموعات العرقية "الأرومو" و"الأمهرة"، الذين يشكّلون 65% من مجموع سكان البلاد، ويتظاهرون ضدّ المجموعة الحاكمة التيغراي، التي تمثّل حوالي 6% من سكان البلاد، وتهيمن على القطاعات السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد.

ورغم التصعيد، الذي وصل لحال إعلان الطوارئ في البلاد منذ ستة أشهر، وقلق كثيرين من أنّ بقاء الدولة الأثيوبية بات على المحك، ما يزال سيناريو انهيار الدولة غير مرجَّحٍ في الوقت الراهن، والسيناريو الأكثر ترجيحاً؛ هو حلقة مفرغَة طويلة الأجل، من الصراع السياسي والإثني، والركود الاقتصادي الذي يشلّ مفاصل الدولة والاقتصاد.

أعلن رئيس الوزراء الأثيوبي هيلي مريام ديسالين، استقالته، في خطوة لم تكن متوقَّعة

قبل أن تحلّ الكارثة

انهيار الدولة في أثيوبيا، يعني تغيّر شكل القرن الإفريقي الذي نعرفه، إلى شكل أكثر فوضية ودموية، لكنّ ذلك وجه من الوجوه فقط؛ ففي وجوه أخرى، الانهيار يعني نهاية المظالم التاريخية لكثير من العرقيات التي قامت الدولة الأثيوبية على هضم حقوقهم، القومية والإثنية والاقتصادية، لعقود، بل لقرنٍ من الزمان.

ما يزال سيناريو انهيار الدولة غير مرجَّحٍ، والسيناريو الأكثر ترجيحاً؛ هو حلقة مفرغَة طويلة الأجل، من الصراع السياسي والإثني

ربّما تنبّه رئيس الوزراء المستقيل إلى خطورة مسار الانهيار، حين تقدّم باستقالته من أجل تفادي الكارثة، والتدابير التي أعلنها، في مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي، مثل إطلاق سراح عدد من النشطاء السياسيّين، من بينهم زعيم المعارضة ميريرا غودينا، الخطوة التي عدّ مسؤولون حكوميون، في ذلك الوقت، أنّ المقصود منها؛ توسيع الحيز السياسي، وتعزيز حوار حقيقي مع المعارضة السياسية، ومع الحركات الاحتجاجية العرقية. لكنّ المشكّكين (بما في ذلك غالبية المتظاهرين)، رأوا أنّ هذه الخطوة رمزية إلى حد كبير، بل وربّما كانت محسوبة لزرع الفتنة داخل المعارضة؛ حيث تمّ الإفراج عن بعض الأفراد، وليس آخرين، سيما أنّ الشخصيات الأكثر تأثيراَ بقيت وراء القضبان.

إلى الآن، تبدو هذه الخطوات غير كافية لمسار تفادي خيار الانهيار، وهو ما يظهر من الخطوة التي تلت من جانب الحكومة الأثيوبية، وهي إعلان حالة الطوارئ في البلاد.

انهيار الدولة في أثيوبيا، يعني تغيّر شكل القرن الإفريقي الذي نعرفه، إلى شكل أكثر فوضية ودموية

حالة الطوارئ عصا الدولة الأثيوبية

بعد يوم واحد من استقالة ديسالين؛ أعلنت الحكومة الأثيوبية حالة الطوارئ، لستة أشهر، في جميع أنحاء البلاد، وعدّت ذلك محاولة "لتيسير طريق الإصلاح السياسي"، وهي حالة الطوارئ الثانية التي تعلن في البلاد في أقل من عام.

ومن المتوقَّع أن يصادق البرلمان في الأيام القادمة على صلاحيات جديدة، تسمح للحكومة بنشر قوات جاهزة للقتال في المراكز المدنية، خاصة المدن والبلدات التي تعدّ بؤر الاحتجاجات في الأعوام الثلاثة الماضية.

ويعطي الدستور الأثيوبي لمجلس الوزراء الصلاحية باتخاذ قرار بشأن حالة الطوارئ، ممّا يسمح للحكومة بتعليق الحقوق والحريات الأساسية، في ظلّ ظروف محدّدة للغاية، والشرط الأساسي الذي يجب الوفاء به، قبل فرض مثل هذه الحالة الطارئة، هو وجود حالة ترقى إلى "انهيار القانون والنظام الذي يعرّض النظام الدستوري للخطر، وتتعذّر السيطرة عليه من قبل أجهزة إنفاذ القانون العادية".

لكن، حسب ما يكتبه الأستاذ الجامعي الأثيوبي، أول ك. آلو، فإنّه إلى هذه اللحظة، مهما كانت الحالة السياسية في البلاد خطيرة، "لا يوجد تهديد وشيك للمصالح الحيوية للدولة، كي تعلن الدولة حالة الطوارئ، بالتالي، فإنّ هذه الحالة الطارئة، شأنها شأن الحالات المسبوقة لدى الدولة الأثيوبية، لا تتعلق بحماية النظام الدستوري بقدر ما تتعلق بإعادة إنتاج العنف، وإضفاء الشرعية عليه، بهدف القضاء على الخصوم السياسيين".

حالة الطوارئ في أثيوبيا لا تتعلق بحماية النظام الدستوري بقدر ما تتعلق بإعادة إنتاج العنف وإضفاء الشرعية عليه

يستند أول ك. آلو، في تحليله، إلى تنظير الفقيه القانوني الإيطالي، جورجو أغامبين، في كتابه "حالة الاستثناء"، الصادر عام 2005؛ حيث يرى أغامبين أنّ حالة الطوارئ من هذا القبيل، هي نوع من "الحرب الأهلية القانونية التي تسمح بالقضاء المادي، ليس فقط على الخصوم السياسيين، لكن على فئات كاملة من المواطنين، الذين لسبب ما، تعدّهم الدولة غير صالحين للاندماج بالنظام السياسي".

تتمثّل إحدى السمات المهمة لحالة الطوارئ في أثيوبيا، في التقاطع بين سلطات الطوارئ والهوية العرقية، حسب ما يشرح آلو؛ حيث تستخدم النخب الحاكمة سلطات الطوارئ للحفاظ على امتيازاتها الاجتماعية والإثنية، وبينما كان القمع المنظَّم حول العنف وعدم المساواة العرقية، منذ فترة طويلة، السمة المميزة للدولة، فإنّ حالة الطوارئ الجديدة تضيف بعداً مميزاً، وأكثر خطورة لهذه المشكلة.

ونتيجة لذلك؛ يبيّن آلو، "في هذه الدولة المتنوعة التي تنظم الأحزاب السياسية في الغالب على أسس عرقية، حيث الهوية الإثنية تعدّ المبدأ الأساس للمنافسة السياسية، فلا يمكن النظر إلى حالة الطوارئ بشكل مستقل عن القمع القائم على أساس الإثنية".

من سيترأس الحكومة المقبلة؟

تشير التكهنات، إلى أنّ الشخص الذي سيحلّ محلّ ديسالين، الذي لا ينتمي إلى التيغراي، لكنّه يعدّ أداة لنخبة جبهة تحرير التيغراي، هو شخصٌ من مجموعة الأورومو، في المؤتمر المقبل للحزب الحاكم، في غضون ثلاثة أسابيع، واسم ليما ميجيرسا، رئيس ولاية أوروميا الإقليمية، هو محور التركيز الرئيس لهذه التكهنات.

هذه الإشاعات هي مجرّد تكهنات، لكنّها لو تحقّقت، فعلى الأرجح ستؤدّي إلى جولة أخرى من الاحتجاجات، وبما أنّ أغلب المعارضة التي تقف وراء الاحتجاجات تقيم في الخارج، وتستخدم مواقع مثل الفيسبوك للتحريض على التظاهر، فإنّ فشل أي حوار سياسي، ليس من المستبعد أن يجعل الأجهزة الأمنية الأثيوبية تطلق العنان لقوات الأمن، ما سينتج صراعاً دموياً فظيعاً، ومن نافل القول: إنّ "القبضة الأمنية لن تنهي الانتفاضة".

بعد يوم واحد من استقالة ديسالين؛ أعلنت الحكومة الأثيوبية حالة الطوارئ، لستة أشهر، في جميع أنحاء البلاد

أمريكا... أكبر الخاسرين

في طبيعة الحال؛ إنّ واشنطن تعدّ الخاسر الأكبر في أيّ خطر يهدّد استقرار الدولة الأثيوبية، فمنذ نهاية الحرب الباردة، برزت أثيوبيا بوصفها الشريك الأساسي لدى الولايات المتحدة في شرق أفريقيا، في عملياتها المزعومة الرامية إلى "الحرب على الإرهاب".

وحسب ما تكتبه الصحافية "بروان برواتن"، المتخصصة بشؤون القرن الإفريقي، فإنّ خيار تفكّك الدولة الأثيوبية سيشكّل كارثة على المصالح الأمريكية في المنطقة، وما هو مثيرٌ للاهتمام في تاريخ واشنطن الطويل، المتمثل في تقديم الدعم المالي إلى الحزب الحاكم في أثيوبيا، والتعاون الوثيق بين الأجهزة العسكرية والاستخبارية في البلدين، هو رفض المسؤولين الأمريكيين، منذ زمن طويل، انتقاد السجل السيء لحقوق الإنسان لدى النظام في تصفية وسجن الآلاف من المدنيين.

تمضي بروان بالقول: إنّ "صمت واشنطن بشأن تدهور حقوق الإنسان، والحالة الأمنية في أثيوبيا، كان يقوم على عدّة حُجج، إحداها: كون أثيوبيا شريكاً لا غنى عنه في "الحرب على الإرهاب"، منذ أوائل هذا القرن. والثاني: قيام رئيس الوزراء السابق، والعقل المؤسس للحزب الحاكم، ميليس زيناوي، بنسج صداقات شخصية دافئة مع كبار صنّاع السياسة الأمريكيين، الذين دافعوا، في وقت لاحقٍ، عن نظامه من النقد العام. وثالثاً: وكما هو الحال في رواندا، عدّ صنّاع السياسة الغربيون أثيوبيا "قصة النجاح الأفريقية"، وسيلة لتسهيل استمرار المعونة والاستثمار في القارة، بالتالي؛ لفت الانتباه إلى أنّ سرد حقوق الإنسان كان غير ملائم لمصالحهم الاقتصادية.

الطريق الوحيد المتاح أمام النخبة الحاكمة في أثيوبيا لتفادي أيّ تفكّك قادم، هو سلسة من التنازلات السريعة والعميقة

تخلُص بروان إلى القول: "بوسع واشنطن أن تحاول الضغط لإقناع جبهة تحرير تيغري الشعبية، بإجراء إصلاحات ذات مصداقية وذات مغزى، لكنّ التاريخ الدبلوماسي المتقلّب لواشنطن مع أديس أبابا، يشير إلى أنّ هذه الجهود لن تؤدّي، على الأرجح، إلى أية نتيجة".

ومن غير الواضح أيضاً، ما هي الإصلاحات التي تسترضي المحتجين، في ظلّ وجود دعوات إلى قوات الأمن الأثيوبية إلى مغادرة أورومو وأمهرة، ومناطق أخرى (بما في ذلك المنطقة الصومالية أو "أوغادين").

فمثلاً، لا أحد يطالب بإجراء انتخابات جديدة وفق التدابير الديمقراطية؛ لأنّ النظام الأثيوبي معروف عنه تزوير الانتخابات، وبشكل مفضوح، فقد فاز الائتلاف الحاكم في الانتخابات البرلمانية لعام 2015، بنسبة مئة في المئة في غرفة البرلمان، البالغ عددهم 547 عضواً، وكذلك في عام 2010، فاز بنسبة 99.6 من الأصوات.

القرن الأفريقي: خرائط جديدة

القرن الأفريقي أمام بوابة تشكّل جديد؛ فقد شهد إنشاء ثلاث دول في العقود الثلاثة الأخيرة فقط، هي: صوماللاند 1991، وإيرتريا 1993، وجنوب السودان 2011، والاحتمالات مفتوحة أمام خيار تشكّل جديد في المنطقة.

إنّ الطريق الوحيد المتاح أمام النخبة الحاكمة في أثيوبيا لتفادي أيّ تفكّك قادم، هو سلسلة من التنازلات السريعة والعميقة من جانب جبهة تحرير تيغري الشعبية، وإطلاق عمليات شاملة للتوزيع الاقتصادي والسياسي للجماعات العرقية المتنوعة في هذه الدولة، التي يرزح 90% من أبناء عرقياتها تحت التهميش السياسي والاقتصادي.



الصفحة الرئيسية