هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي

هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي

مشاهدة

03/08/2019

أعادت أحداث العنف التي شهدها العالم مؤخراً والتي ارتبطت باسم التنظيمات "الجهادية" الظاهرة "الإسلاموية" إلى صدارة الاهتمام من جديد. واستأثرت دراسة الحركات الإسلامية بنصيب وافر من النتاج الفكري في العقود الثلاثة الأخيرة، سواء عبر المبادرات البحثية الفردية، أو من خلال المؤسسات الإعلامية ومراكز الأبحاث العربية والدولية المتخصصة.

إن المشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي

وفي سياق هذا الاهتمام المتزايد يأتي كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي" الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية عام 2002. وتأتي أهمية الكتاب من كونه يقدم إحاطة شاملة حول تجربة الحركات الإسلامية سعياً نحو فهم ملابسات نشأتها، وتقييم تجربتها، ورصد أثرها، واستشراف مستقبلها. ومن كونه عملاً جماعياً شارك في إعداده عدد من الأكاديميين المتخصصين في الدراسات الإسلامية؛ حيث ساهم كل باحث منهم بتغطية جانب من تلك التجربة من زاوية تخصصه ورؤيته على مدار 6 فصول متكاملة.

اقرأ أيضاً: "صواب".. موقع تونسي جديد يسعى لتفكيك الحركات الإسلامية

فقدم الباحث عبدالوهاب الأفندي في الفصل الأول "النشأة والمدلول وملابسات الواقع" استعراضاً للظروف والمتغيرات المحلية والعالمية والتحديات الجديدة التي ألقت بظلالها على الواقع الإسلامي، وشكلت الخلفية التاريخية التي ساهمت في ظهور الحركات الإسلامية من واقع أزمة مختلفة نوعياً عن كل الأزمات والانتكاسات السابقة التي مرت بها الأمة.

غلاف كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي"

فلم تتزعزع ثقة الأمة بنفسها كما زعزعتها فترة الهيمنة الأوروبية، وصدمة الحداثة الغربية، وتجربة الاستعمار الجديد. وقد ناقش الأفندي عدداً من الآراء والقراءات التي تصدت لتعريف الحركات الإسلامية وأسباب وملابسات ظهورها وفهم الظروف التي مهدت ورافقت نموها وانحرافها عن الدور الذي رسمته لنفسها. وخلص إلى أنّ "الحركات الإسلامية" هي: تلك الحركات التي تؤمن بشمولية الإسلام  لكل نواحي الحياة والتي تصدت لما تراه جهداً لازماً لتأكيد هذه الشمولية في وجه تراخي المجتمع وتقصير القيادات ومكايد الأعداء، وتدعي لنفسها دور القيادة الأخلاقية للمجتمع.

يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها

ويُفسِر انتشارها في الأرياف وهوامش المدن، والخلفية  الاجتماعية لكوادرها ومؤيديها؛ أنّها نشأت من أزمة مزدوجة: أزمة العلاقة بين "العلمانية الواقعية والإسلامية النظرية" التي تعيشها هذه المجتمعات، والأزمة الاجتماعية الاقتصادية التي أفضى إليها استبداد الدولة وفشل سياساتها التنموية وعجزها عن مواجهة التحديات الخارجية.

وقد أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية"، الليبرالية منها والاشتراكية والقومية، إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ، ووظيفة اجتماعية لابد أن تجد من يتصدى لها. الأمر الذي يؤكد أنّ الحداثة التي رفضتها تلك الحركات قد تركت ميسمها عليها، فهي نشأت في كنف الحداثة وأزمتها، واستجابة لتحدياتها ورد فعل عليها. وأرادت إيجاد مخرج من تلك الأزمة لكنها انتهت إلى أزمة خلقتها هي بوجودها وعجزها عن تحقيق الحسم.

 أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية" إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ

تشكل أطروحة حسن حنفي في الفصل الثاني "الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة" استمراراً منطقياً لسابقه بتأكيده على أنّ الدين كان باستمرار وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، وحركة اجتماعية تعبر عن المضطهدين والمهمّشين ضد قوى الطغيان، ووسيلة لتحرير الأوطان وتوحيد الثقافات. ويرى حنفي أنّ ثمة ثلاثة جذور للإسلام السياسي: جذر قديم يتمثل في الحركات السياسية والفكرية الإسلامية القديمة، سواء نشأت في كنف الدولة أو في معارضتها، وهي كلها نشأت في أجواء السياسة أو بدوافع وغايات اجتماعية سياسية، وجذر حديث تمثل في حركة الإصلاح الديني التي قامت بدافع سياسي كرد فعل على ضعف الخلافة العثمانية ثم انهيارها وعلى احتلال أراضي الأمة وتجزئتها ورداً على تخلف الأمة عن المدنية الحديثة، وخرج معظم الحركات الوطنية من عباءة الإصلاح الديني لكنها انحدرت إلى السلفية بعد فشل تجاربها، ومن هذا الجو المشبع بالروح السلفية تشرب حسن البنّا أفكاره  وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين، الذي خلفه سيد قطب في قيادتها. وجذر معاصر تمثل في فشل دول الاستقلال الوطني "الحديثة" في القيام بمسؤولياتها الدفاعية والسياسية والتنموية وتأرجح وتوتر علاقة تلك الحركات مع حركات الضباط الأحرار، وتبدل مواقعها ما بين المشاركة السياسية في السلطة أو السجون والمعتقلات.

يبني حسن حنفي أطروحته بتأكيده أنّ الدين كان وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي

ومن تضافر هذه الجذور الثلاث، تشكلت شعارات الإسلام السياسي حسب واقع الحركة في كل حال، وهي شعارات سلبية أكثر منها إيجابية وتدل على قدر كبير من الغضب والرفض، والهروب إلى البديل، والبحث عن المنقذ. وتجلت تلك الشعارات في "الحاكمية" و"الإسلام هو البديل" و"الإسلام هو الحل" و"تطبيق الشريعة الإسلامية"، وهي شعارات تعبر عن تأزم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتذبذب نشاط تلك الحركات وشعاراتها ما بين المشاركة السياسية والعنف من خلال جدل الشرعية واللاشرعية التي حددت علاقاتها مع النظم السياسية القائمة، نظراً لحداثة المجتمعات الإسلامية بالتجربة الديمقراطية.

 

 

ومن هذا الجدل يستشرف حنفي صورة مستقبل الحركات الإسلامية ما بين مزيد من العنف الهدام وبين برنامج يبني ولا يهدم، يحاور ولا يستبعد، ويقوم على توسيع المشاركة السياسية المشروطة بالديمقراطية.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟

تحت عنوان "التطرف والاعتدال لدى الحركات الإسلامية" يناقش عماد الدين شاهين الأسباب والدوافع التي حدت ببعض الحركات الإسلامية لتبني العنف وسيلة ومنهجاً لتحقيق أهدافها، والجهاد طريقاً  لمناهضة ما تسميه الدول الكافرة ومجتمعات الجاهلية. في حين سارت شقيقاتها على نهج الوسطية والاعتدال وتحولت إلى العمل السياسي أو العمل الاجتماعي الإصلاحي وقبلت المشاركة السياسية على أسس الديمقراطية وصناديق الاقتراع.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية

ويشير شاهين  إلى أنّ "التطرف ليس الدين، ولا يقتصر على الحركات الإسلامية وحدها، فثمة تطرف علماني وتطرف حكومي كذلك". كما أنه لا بد من التمييز بين التطرف الفكري الذي يعتبر من طبيعة الحركات التغيرية وثقتها بصحة أفكارها، وبين العنف والعمل المسلح من أجل فرض فكر ما على الآخرين بالقوة العارية. كما يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها المنظمة.

يرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها

ويخلص شاهين إلى أنّ جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب؛ الذي نشأ من عذابات السجون والقهر، وتلقفته فئة من الشباب المهمّش؛ كتعبير عن نقمتها ووسيلة لتغير واقعها المرير في الدول الناشئة بعد الاستقلال، والتي تبنت النموذج "الكمالي" التركي مع تفاوت في تطبيقه بين بلد وآخر؛ حيث يتناقض هذا النموذج  الذي فُرض بالقوة والعنف في علمانيته وتسلطه مع النظام الإسلامي. وقد وجد قطب أنّ المهادنة مع هذا النموذج والسكوت عليه سيمنح الدولة الشرعية التي تحتاجها ويرسخ دعائمها، لذا فقد دعا إلى إزالتها بسائر أنواع القوة وإقامة النظام الإسلامي. وهذه القطبية الحادة بين عنف الدولة وعنف المعارضة لن تفضي إلا إلى مزيد من العنف.

شاهين: جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب

يناقش أحمد الموصللي في الفصل الرابع "رؤية الحركات الإسلامية لمفاهيم الديمقراطية والتعددية السياسية في العالم العربي"، ومدى ملاءمة الفكر الإسلامي المعاصر للديمقراطية والتعددية من خلال استعراض الخطابات الإسلامية المعاصرة حول هذا الموضوع من جهة، وما تروجه وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية حوله من جهة ثانية. ويخلص إلى أنه ورغم المرجعية النصية المشتركة والشعارات المتماثلة في خطاب الحركات الإسلامية، إلا أنه كان هناك دائماً في فكر الحركات الإسلامية خطابان متزامنان: خطاب استئصالي استبعادي وهو لا يقتصر على تلك الحركات وحدها فقط، بل تمارسه أغلبية الأنظمة "العلمانية" في العالم الإسلامي، وخطاب استيعابي ينفتح على مفاهيم التعددية والديمقراطية وقبول الآخر، ويدعو إلى توسيع المشاركة وتوسيع دائرة الحريات السياسية.

السيد: القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة

إلا أنّ بروز الحركات "الجهادية ذات الخطاب الاستئصالي الاستبعادي على الساحة السياسة ودور النظم السائدة ووسائل إعلام مراكز القرار الغربي في إظهاره واستثماره لصالحها قد غيّب الخطاب الآخر ودفعه إلى الظل. ولا بد من البحث دائماً في الظروف التي تفضي بالخطاب الأصولي إلى التشدد والاستبعاد أو المرونة والاعتدال.
ينطلق فواز جرجس في الفصل الخامس في معالجة "دور الحركات الإسلامية في الاستقرار السياسي في العالم العربي" من العلاقة السببية ما بين طبيعة النظام القائم ودور قوى المعارضة وسلوكها. فالمعارضة امتداد طبيعي للثقافة والسلوك السياسي السائد في بلد معين وتعبر خير تعبير عن نوعية العلاقة وطبيعتها بين الدولة والمجتمع.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية

ويرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها، وبادرتها العنف ودفعتها نحو العمل السري والانقلابي والتآمري، مما زاد في غطرسة قيادات الحركات الإسلامية بعد شعورها بالتمكن والقوة فازداد خطابها عنفاً وتصعيداً وتحولت من رد الفعل إلى المبادرة والفعل، مستفيدة من ضعف شرعية النظم وفشل مشروعات التنمية في معظم الدول العربية.

 

 

وقد تغلبت إرادة القوة والسيطرة على منطق التعايش السلمي في تعاطيها وتعاملها مع النظم القائمة، بل ذهبت إلى تهديدهم وتكفيرهم وتحدي المنظومة العالمية بشكل انتحاري ودون حساب أي عواقب. وهذا الإقصاء المتبادل هو ما يفضي إلى عدم الاستقرار السياسي، واستمرار دوامة العنف، ومنع أي عملية تحول ديمقراطي ما لم تنجح الحركات الإسلامية بفك ارتباطها مع التيارات "الجهادية"، وتعلن صراحة رفضها للآليات والوسائل الدموية التي تستخدمها، وتجعل من الاهتمام بهموم المواطن الحياتية وبناء مجتمعات أكثر صلابة وثقافة وقدرة على مواجهة الاستبداد السياسي عملاً أهم من انتهاز نتائج المواجهة بين"الجهاديين"والنظم القائمة للوصول إلى السلطة، وأن تعيد النظر في أفكارها ومناهجها وتستفيد من تجارب غيرها وتكف عن تكرار التجارب الفاشلة.

تجذرت الحركات الإسلامية في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها

يقدم رضوان السيد في الفصل الأخير استخلاصاً حول "مستقبل حركات الإسلام السياسي في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية" انطلاقاً من مراجعة وجهات النظر التي تنبأت بقرب نهاية الحركات الإسلامية، بحكم فشلها في الوصول إلى السلطة بالقوة في أي بلد بعد التجربة الإيرانية وتكرار تجاربها المأساوية الفاشلة، وبحكم أنّ القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن مستقبل سياسي للحركات الإسلامية.

ويسعى السيد لتوسيع دائرة الحكم من خلال مراجعة الأصول الفكرية والثقافية لتلك الحركات باعتبارها ليست حركات سياسية فحسب، بل هي حركات إحيائية ذات صبغة دينية قبل أن تصبح السياسة من أولوياتها. وقد تأرجح فكرها وممارساتها ما بين الرفض المطلق إلى المهادنة فالتكيف والقبول مع المتغيرات العالمية الكبرى وكرد فعل عليها أو استجابة لها في كل مرة، وأنّ الحركات الإسلامية قد تجذّرت في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها في المدى المنظور.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: هل انتهى الشكل التقليدي للحركات الإسلامية؟

لكن ذلك رهن بقدرة الفكر الإحيائي الذي تحمله تلك الحركات على التحول من فكر هوية إلى فكر انتماء، وعلى التحرك من الهوية العقدية سريعة التأزم والانكماش إلى الانتماء الحافظ للمشروع عن طريق المشاركة بالعالم. فلم يعد من الممكن اليوم الاستمرار بالحديث عن الغزو الثقافي أو عن المشروع الحضاري العربي أو الإسلامي؛ فالمشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي، وبالإسهام في تغيير العالم وتقدمه، ولم يعد من الممكن تصور وجود جزر معزولة في عصر العولمة.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك حركات الإسلام السياسي في الأصل مشروعاً نهضوياً يحمل في طياته عناصر تغيير حقيقي؟


الصفحة الرئيسية