نبيل القروي: حظوظ برئاسة تونس رغم القضبان

تونس

نبيل القروي: حظوظ برئاسة تونس رغم القضبان

مشاهدة

07/10/2019

برز اسم نبيل القروي مثيراً لجدل واسع مايزال محتدماً في الشارع التونسي، منذ أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية في 27 أيار (مايو) 2019، لاحقته تهم تبييض أموال وتهرب ضريبي بدأت بتحقيق صحافي من إنجاز منظمة "أنا يقظ"، حوّلته إلى ملف قضائي متكامل مدعوم بالوثائق تقدمت به في شكاية العام 2016، غير أنّ ذلك لم يثنِ القروي عن مواصلة مشواره السياسي، وحصل رغم إيداعه بسجن المرناقية، على المرتبة الثانية في سباق الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، متأهلاً إلى الدور الثاني مع المرشح قيس سعيد.
قناة "نسمة"
نبيل القروي (56 عاماً) معروف كرجل أعمال يشتغل في مجال الإعلام والإعلان، عرفه التونسيون لمّا أطلق في العام 2007 قناة "نسمة" دون رخصة، وهي النافذة الإعلامية الموجهة أساساً إلى جمهور مغاربي، غير أنّ خطها التحريري بدءاً من اشتعال فتيل الثورة في 17 كانون الأول (ديسمبر) تحول للتركيز على البرامج السياسية، وصار بذلك واحداً من أبرز المؤثرين في المجال الإعلامي والإعلان في تونس.

اقرأ أيضاً: تونس.. هل خطفت الانتخابات الرئاسية الأضواء من قبة البرلمان؟
وكان قد تخرج من معهد التجارة بمرسيليا متخصصاً في التجارة وتقنيات البيع، اشتغل مع مجموعة "كنال بلوس" لعامين، وأسس في العام 2002 مع شقيقه غازي القروي مجموعة "قروي أند قروي" في تونس وفي بعض البلدان المغاربية.
وقفة للمطالبة بإطلاق سراح نبيل القروي

نداء تونس
في العام 2012 كان القروي واحداً من مؤسسي حزب "نداء تونس" الذي أسسه الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي بهدف الحدّ من تغول حركة النهضة التي كانت ممسكة بمقاليد الحكم في البلاد ضمن توليفة ثلاثية المعروفة باسم "الترويكا"، ووظّف قناته للدعاية لمؤسس الحزب وفتحها للمحللين والخبراء والإعلاميين لنقد نظام الترويكا وطريقتها في تسيير البلاد.
نقطة التحول
كان العام 2016 لحظة حاسمة في حياته؛ إذ فقد ابنه في حادث سير، فغيّر اسم جمعية خيرية كان قد أسسها في العام 2013 من "ناس الخير" إلى "خليل تونس"، واستقال من "نداء تونس" في العام 2017، وكثّف من أنشطة الجمعية، وأخد يغطي كافة أنشطتها ويبثها بشكل متكرر، صانعاً صورة "صوت تونس المنسية" و"نصير الفقراء" و"بو الزواولة" (أبو الفقراء والمعدمين)، بوعي مسبق، بالتركيز على الفئات المهمّشة والمنسية ممن لا تطالهم يد الحكومة، يقدم لهم المساعدات المتنوعة من أغطية وأدوية وأطعمة ومستلزمات حياتية متنوعة، فتصاعدت شعبيته وظهر في استطلاعات الرأي متصدراً لنوايا التصويت منذ بدايات العام 2019، وفي حزيران (يونيو) المنقضي أعلن ترؤسه لحزب جديد أطلق عليه اسم "قلب تونس" الذي ظهر في مراتب متقدمة في نوايا التصويت أيضاً.
نبيل القروي (يمين) وغازي القروي

تهم وقضايا وصراع مع الهايكا
في آب (أغسطس) 2016 قدمت منظمة "أنا يقظ" (I watch) ملفاً يضم 700 صفحة يتضمن وثائق تقول المنظمة إنّها دلائل على شبهات تبييض أموال وتهرب ضريبي لشركات نبيل القروي وأخيه وفروعها بالخارج، وفي تموز (يوليو) الماضي أصدرت الجهات القضائية على خلفية هذه القضية أوامر بمنع الأخوين القروي من السفر وتجميد أموالهما بعد أن وجهت لهما تهمة "غسيل أموال".

اقرأ أيضاً: تونس: هل تفقد حركة النهضة سيطرتها على البرلمان؟
وعلى خلفية مطلب برفع منع السفر وتجميد الأموال قررت دائرة الاتهام بالقطب القضائي والمالي رفض المطالب، كما قرّرت إصدار بطاقتي إيداع بالسجن ضد الأخوين القروي، وتم في اليوم نفسه إيقاف نبيل القروي وإيداعه سجن المرناقية بالعاصمة. مما أثار جدلاً واسعاً واتهامات لرئيس الحكومة بأنّه قرار سياسي لا قضائي، خصوصاً أنّ ذلك سيحول دون قيام القروي بحملته الانتخابية.
صراع مع رقابة الإعلام
زيادة عن هذا، كان القروي يخوض صراعاً آخر ضد الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) التي اعتبرت، في بيان لها، بتاريخ 25 كانون الثاني (يناير) 2019 أنّ قناة "نسمة" قد أمعنت وتمادت في عدم الالتزام بالقوانين والتراتيب الجاري بها العمل وتحولت إلى "جهاز دعاية وتضليل (...) تتحدى مؤسسات الدولة".

تصاعدت شعبية القروي وتصدر استطلاعات الرأي لنوايا التصويت منذ بدايات العام 2010

وأضافت الهايكا، في البيان ذاته، أنّ هذه القناة "تنتهك حق أطفال تونس ونسائها وشيوخها وتمّس من كرامتهم مستغلة في ذلك فقرهم وهشاشة وضعياتهم إلى حد تحويل هذا البؤس إلى مادة إعلامية مشهدية مهينة، كل ذلك في سبيل تضليلهم وتسول أصواتهم خلال المحطات الانتخابية القادمة"، مبينة أنّ هذا "التوجه المبرمج على وقع انتخابات 2019 يشكّل نسفاً لقيم التضامن ولقواعد الديمقراطية وتكريساً لأساليب "البروباغندا" والدعاية".
وانتهى مسلسل التنبيهات لقناة نسمة التي تبث خارج القانون وفق الهايكا إلى تنفيذ الأخيرة قراراً بحجز معداتها في 25 نيسان (أبريل) 2019، وهو ما أثار جدلاً واسعاً واعتبر كثيرون القرار سياسياً واعتداء على حرية الإعلام، لتعود القناة إلى البث بعد أيام دون تسوية وضعيتها إلى الآن.
حملة انتخابية خلف القضبان
ولئن كان الكثيرون قد تفاجؤوا بالنتيجة التي حققها القروي في الانتخابات الرئاسية، فإن نظرة إلى استطلاعات الرأي في مدة قريبة يظهر أنه كان مؤهلاً بما وظّفه من وسائل لبلوغ الدور الثاني من السباق نحو قرطاج، رغم أنّه خلف القضبان.

اقرأ أيضاً: أن يصبح السجين رئيساً يضع تونس أمام خيارات أحلاها مرّ
ويرى المحلل السياسي والإعلامي التونسي، باسل ترجمان، أنّ "وصول نبيل القروي لهذه المرحلة المتقدمة في الانتخابات الرئاسية ليس مفاجئاً، فهو كان في مقدمة استطلاعات الرأي التي نشرت منذ أكثر من ستة أشهر، ولم يأخذ أحد نتائجها على محمل الجد، هذه النتيجة التي حققها نبيل القروي لم تأتِ من فراغ، بل من عمل قام به في أعماق المجتمع المنسي في تونس الفقراء المجهولين للحكم والدولة، هو من ذهب لهم ونجح عبر جمعية "خليل تونس" في كسب ثقة الناس وتعاطفهم، وهذا شكّل دفعة كبيرة له في الانتخابات".

حصل رغم إيداعه السجن على المرتبة الثانية في المرحلة الأولى من سباق انتخابات الرئاسية

ويؤكد ترجمان، في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ "الاتهامات بالفساد وتبيض الأموال لم تؤثر فيه جراء ما وصلت إليه الأوضاع في تونس من تدهور، وخاصة في المستوى الاقتصادي والاجتماعي وفشل الحكومات المتعاقبة في حل أي مشكلة من المشاكل المجتمعية"، ورأى أنّ إيداعه السجن ساهم أيضاً في الرفع من شعبيته؛ "لأن عامل الوقت خدم لمصلحته، ومن أوقفه ساهم بالقيام بحملة انتخابية مجانية له، ومنحه عدداً كبيراً من الأصوات، التصويت لصالح القروي كان عقاباً لمنظومة الحكم الفاشلة ومحاولة البحث عن بديل اجتماعي يخفف معاناة الفقراء في تونس".
يتهمه منتقدوه بأنه "تحايل" على الفقراء و"تاجر" بمآسيهم ومعاناتهم

اتهامات وحظوظ الفوز
يتهمه منتقدوه بأنه "تحايل" على الفقراء و"تاجر" بمآسيهم ومعاناتهم، ونقل عبر شاشة قناته دموعهم وآلامهم وأوضاعهم المعيشية الرثة دون احترام لكرامتهم نساءً وشيوخاً وأطفالاً بعدم تغطية وجوههم على سبيل المثال.
ويرى ترجمان أنّ القروي "بالتأكيد استفاد من وسائل غير قانونية لخدمة حملته الانتخابية، ولكن التساؤل المهم: لماذا لم تمرر الحكومة قانون منع استعمال العمل الجمعياتي في الحملات الانتخابية إلا قبل شهرين من الانتخابات، رغم قدرتها على فعل ذلك منذ سنوات لكن حسابات السمسرة السياسية هي التي لم تمنع هذه الممارسات، والتي أصبحت أدوات عمل في الانتخابات".

اقرأ أيضاً: بين العزوف والمقاطعة… هكذا عاقب شباب تونس السياسيين
لكن رغم كل ذلك، يذهب ترجمان إلى أنّ حظوظ القروي في الفوز بكرسي قرطاج تبقى عالية، رغم إقراره بصعوبة التكهن بالنتيجة في ظل منافسة قوية بين مرشحي الدور الثاني، "من الصعب توقع مسبق النتيجة في ظل عدم تكافؤ الفرص بين المرشحين، ولكن المؤكد أنّ الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية سيكون صعباً بين المرشحين مع تراجع نسبة التصويت التي قد تنخفض بحدود سبع إلى عشر نقاط مقارنة بالدور الأول وهذا لا ينفي أنّه ينافس بجد للفوز بمنصب الرئاسة".
بروبغاندا واستثمار في البؤس
من جهته، يرى الصحافي والمحلل السياسي التونسي، نزار مقني، أنّ "نبيل القروي بدأ مبكراً السباق للرئاسة، واستعمل في ذلك كل ما يجيده وهو الاتصال؛ قام بكل أنواع الاتصال: بدأه اجتماعياً بجناحين؛ العمل الخيري وربطه بقناته لإضفاء البروبغاندا، ومن ثم أعطى لهذا العمل واجهته السياسية عندما أعلن ترشحه للرئاسة، وليوظف كل ذلك في تأسيس حزب ليدخل به الانتخابات التشريعية".
وأوضح مقني، في تصريح لـ "حفريات" أنّ القروي "أجاد لعبة التسويق للوصول إلى هدفه، ومن خلال هذا النجاح في استراتيجيته في الاتصال السياسي قفز لأولى المراتب في السباقات الانتخابية الرئاسية والتشريعية".
واعتبر أنّ القروي "المستثمر" يعتبر "اتصالياً في الفقر والبؤس. واستطاع من خلال ذلك أن يصبح أحد الأضلع الأساسية في المشهد السياسي التونسي من خلال خطاب شعبوي استعمل فيه الاجتماعي لهدم لكل ما هو سياسي".

الصفحة الرئيسية