ميليشيات طهران وتهريب النفط العراقي: طلبات السفير الإيراني أوامر

ميليشيات طهران وتهريب النفط العراقي: طلبات السفير الإيراني أوامر

مشاهدة

18/10/2020

تتعدد الحيل التي تمارسها إيران بهدف الالتفاف على العقوبات الأمريكية، والتي تشكل ضغوطاً جمة على اقتصادها، وكذا نشاطاتها الاستثمارية والتجارية، المشروعة وغير المشروعة؛ إذ إنّها تستخدم ميلشياتها في الخارج باعتبارها أدوات سياسية وأمنية لتمرير بضائعها ومنتجاتها، ومن بينها الأسلحة، بواسطة عمليات التهريب من خلال المعابر الحدودية والأنفاق، خاصة، وأنّها جعلت عدداً من الأسواق في البلدان العربية رهينة لاقتصادها، لاسيما سوريا والعراق ولبنان.

السفير الإيراني إيرج مسجدي زار البنك المركزي العراقي، في الأول من الشهر الجاري، لتفقد دائرة مراقبة المصارف، المسؤولة عن التحويلات الخارجية، ومراقبة البنوك وشركات الصيرفة

ففي ميناء خور الزبير، في محافظة البصرة، جنوب العراق، يجري تهريب النفط الموجود بالمحافظة إلى إيران، من خلال ميلشيات "عصائب أهل الحق"، إحدى الفصائل التابعة لهيئة الحشد الشعبي، المدعومة من إيران.

وكشفت بيانات موقع "لويدز ليست إنتليجنس"، المتخصص في المعاملات البحرية، أنّ أربعين ألف برميل من النفط العراقي ومشتقات البترول، يتم تهريبها من خلال الميلشيات الولائية إلى دول الجوار، موضحاً أنّ "إيران تمكنت من تحميل 2.1 مليون طناً من النفط، في كانون الثاني (يناير) الماضي، وهو ما يقترب من ضعف الكمية، عام 2019، والتي بلغت نحو 1.3 مليون طن.

العراق في قبضة الحرس الثوري

وأشار التقرير المنشور عبر المنصة المتخصصة في المعاملات البحرية، إلى أنّ إجمالي الحمولات التي تم رصدها في العام الماضي، بلغت 23.8 مليون طناً، مقارنة بنحو 11.4 مليون طناً، قبل فرض العقوبات الأمريكية على إيران؛ حيث تستخدم سفن الشحن وثائق مزورة تبين أنّ العراق هو مصدر الشحن، إضافة إلى الاستعانة بالناقلات التي تعطل نظام تحديد الهوية التلقائي، وذلك أثناء مرورها أو اقترابها من الميناء، وكذا بمجرد تحركها من مضيق هرمز، بغية إخفاء هوية السفينة ومصدرها؛ حيث يعبر من خلال المضيق الذي تسيطر عليه طهران في الخليج العربي، نحو 35 في المئة من صادرات النفط العالمية، كما لفت الموقع ذاته إلى أنّ هناك أربع ناقلات نفط تقوم بخرق العقوبات الأمريكية، من خلال استخدامها علم بنما، وشركات وهمية في جزر العذراء ببريطانيا.

وبالتزامن مع المعلومات الموثقة التي أعلنت، مؤخراً، تورط ثلاث شركات عراقية في بيع وتهريب النفط، كشفت بيانات رسمية من الحكومة العراقية، عن تعرضها لخسارة فادحة، حيث فقدت نحو تسعة مليارات دولار، على خلفية ارتباطها بعقود واتفاقيات رسمية مع شركات وأطراف سياسية، مقربة من إيران، والأخيرة، وفرت الملاذ والغطاء السياسي والقانوني لهذه الأطراف وتلك الجهات.

اقرأ أيضاً: محاكمة دبلوماسي إيراني ببلجيكا: سفارات طهران وكر لتصفية المعارضين

وبحسب موقع "العربية" الذي انفرد بوثائق ومستندات رسمية حول هذا الأمر، كُشف النقاب عن تورط ثلاث شركات عراقية، تعمل في مجال نقل النفط، وتعود لعائلة واحدة تحتكر عقود بيع المنتجات النفطية، وذلك حسبما أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية، بمديرية تحقيق بغداد، الأمر الذي دفع رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، نهاية العام الماضي، إلى إصدار أمر نيابي بتشكيل لجنة مؤقتة للتحقيق في عقود المشاريع النفطية، وعقود توزيع منتجاتها، وعقود شركة تسويق النفط، في الفترة بين عامي 2015 و2019.

اقرأ أيضاً: ملالي طهران .. فلسطين ليست (أولاً)

كما طالبت الكتلة العراقية الحرة، قبل عدة أعوام، عندما أثيرت تلك القضية، بوضع نصوص قانونية تحظر تهريب النفط العراقي بشكل صريح؛ إذ صرحت عضو الكتلة، عالية نصيف، بأنّ "قانون العقوبات تطرق إلى مسألة تهريب النفط بشكل عام، ولكون هذه الجريمة أصبحت شائعة اليوم، فلذلك لا يمكن الركون إلى نصوص عامة، بل يجب وضع نصوص صريحة للقانون، تتضمن تجريم هذا الفعل وتوضح الإجراءات المترتبة على مرتكبيه. ودعت إلى ضرورة وضع نصوص قانونية صريحة ومفصلة تجرم تهريب النفط، لكون الاتفاقات الدولية جرمت هذا الفعل الذي يحصل بين دولة وأخرى، لكنها لم تفرض عقوبات على مرتكبيه، بل تركت الأمر للقوانين الداخلية للبلدان".

فاتورة باهظة وأثمان غالية

وفي ظل هذه الأعباء التي تقع تحت وطأتها بغداد، بلغت حجم ديون العراق المستحقة لإيران نحو أربعة مليارات دولار، وهي الديون التي نجمت عن شراء العراق للغاز، والمشتقات النفطية الإيرانية الأخرى، وكذا استيراد الطاقة الكهربائية، وعليه، قالت وسائل إعلام إيرانية، إنّ بغداد وطهران توصلتا إلى إتفاق لتسديد الديون الإيرانية المستحقة على العراق، والتي تعيق العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة تسديدها منذ سنوات. "

وفي غضون ذلك، زار، قبل أيام قليلة، محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، بغداد، والتقى مجموعة من المسؤولين العراقيين؛ من بينهم وزير المالية العراقي، علي علاوي، ومحافظ البنك المركزي العراقي، مصطفى غالب، وذلك بهدف الوصول إلى اتفاق "حول الإفراج عن أصول إيران المالية ليتسنى شراء البضائع الأساسية في البلاد".

د. عبد السلام القصاص لـ"حفريات": إيران لعبت دوراً إستراتيجياً في تفكيك مؤسسات العراق، واختراقها عبر وكلائها، استناداً إلى أيديولوجيا مذهبية وطائفية، باتت رأس حربة لفرض الهيمنة

وبينما قالت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا)، إنّ "رئيس الوزراء العراقي أعرب عن ترحيبه وارتياحه لهذا الاتفاق ووعد بمتابعة تنفيذه أسبوعياً"، إلا أنّ ثمة مصادر عراقية أوضحت لموقع "الحرة" عدم الوصول إلى آلية لتسديد الديون، مضيفاً أنّ "الجانب الإيراني أمل أن تؤدي التغييرات في الحكومة العراقية وتعيين محافظ جديد للبنك المركزي العراقي إلى تسهيلات في دفع الأموال لإيران".

وأردف المصدر للموقع الأمريكي أنّ "الجانب العراقي أبلغ الإيرانيين بأنّه سيلتزم بالآليات القديمة لتسديد الديون، بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران".

اقرأ أيضاً: مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل أم بين واشنطن وطهران؟

وتعتمد الآليات القديمة على خصم مستحقات الجمارك على السلع الإيرانية، وكذا الرسوم التي تتعلق بمجموعة من الخدمات؛ حيث تستخدم بغداد الغاز الإيراني لإدارة محطات توليد الكهرباء، لتخفيف أزمة الطاقة التي تعاني منها، إضافة إلى السماح لإيران بشراء سلع بالعملة المحلية من السوق العراقية، بحسب المصدر الذي أوضح أنّ "العراق دفع رسوم الحج للحجاج الإيرانيين في أحد الأعوام، وخصم المبلغ من مجموع الديون المستحقة عليه لإيران". كما حاول العراق دفع مبالغ لإيران عن طريق الصين، بحسب المصدر ذاته، والذي قال إنّ "الأموال عادت إلى العراق بعد عدم تمكن البنك المركزي الصيني من إيصالها إلى إيران".

الشراكة العراقية الإيرانية.. الربح والخسارة لمن؟

وفي هذا السياق، قال الكاتب العراقي، داوود الفرحان، إنّ التطور المثير والخطير، اليوم، هو الزيارة الاستثنائية التي قام بها السفير الإيراني، إيرج مسجدي، إلى البنك المركزي العراقي، في الأول من الشهر الجاري، لتفقد دائرة مراقبة المصارف، المسؤولة عن التحويلات الخارجية، ومراقبة البنوك وشركات الصيرفة وتنفيذ العقوبات الأمريكية ضد إيران؛ حيث حاول السفير الحصول على اعتماد مستند، يخص عقداً لصالح وزارة الإسكان والتعمير، من خلال شركة إيرانية بقيمة 95 مليون دولار، لحساب بنك "بابل الأهلي" الموضوع تحت الوصاية؛ بسبب سوء خدماته، وعدم دفعه ودائع المواطنين، وهروب مالكه إلى خارج العراق.

وتابع: "المشكلة أنّ الشركة الإيرانية موضوعة على القائمة السوداء من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، والمجموعة الدولية المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وطالب السفير البنك المركزي بتغيير الموقف السلبي من البنك سيء السمعة، وضمان فتح الاعتمادات وتحويل الأموال إلى الشركة الإيرانية. والمعلومات المتوفرة أنّ الصفقة المشبوهة ستمرر؛ لأنّ طلبات السفير الإيراني أوامر، ولو طلب زيارة خزينة البنك المركزي التي حرمت من زيارتها لما اعترض أحد".

اقرأ أيضاً: هل يتجرع خامئني "كأس السم" لإنقاذ طهران؟

وبحسب الباحث المصري في العلوم السياسية، الدكتور عبد السلام القصاص، فإنّ إيران لعبت دوراً إستراتيجياً في تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، واختراقها عبر وكلائها، استناداً إلى أيديولوجيا مذهبية وطائفية، باتت رأس حربة لفرض الهيمنة على مقدرات وثروات الشعب العراقي، وبالتالي، فإنّ عمليات السطو المنظم للنفط العراقي، تجري في سياق مخطط ممنهج، يتيح لنظام الملالي اختراق أسيجة العقوبات الأمريكية، وممارسة جملة من الأدوار المشبوهة، تصب في خدمة الاقتصاد الإيراني.

اقرأ أيضاً: انتخابات حماس القادمة: ولاءات لأنقرة وطهران.. متى تلتفت الحركة لوطنيتها؟

ولفت القصاص في حديثه لــ"حفريات"، إلى أنّ طهران سعت لتخريب الاقتصاد العراقي، حيث بلغ الدين العام نحو 135 مليار دولار، إضافة إلى ضعف البنى التحتية، وعدم توفر الكهرباء، ما جعل بغداد مضغوطة، طوال الوقت، في حالة من التبعية السياسية والإقليمية، وهو الأمر الذي تبرز تجلياته، من خلال تصريح للأمين العام للغرفة التجارية الإيرانية العراقية المشتركة، حميد حسيني، بخصوص تدشين شركة لتسديد الديون لطهران، مقرها العراق، حيث سيتم تسديد المديونية من خلال شراء العراق مواد وسلع أساسية وليس عن الدفع النقدي.

وحول تسديد المديونية العراقية المستحقة لإيران، من خلال الحصول على بضائع وسلع أساسية، سواء كانت منتجات غذائية أو أدوية، عوضاً عن دفع الأموال النقدية، فإن الباحث المصري، يشير إلى أن أحد أسباب ذلك العلنية والظاهرية، تتمثل في العقوبات الأمريكية على طهران، لكن الحقيقي، حسبما يرى، هو استنزاف واستغلال ثروات الدولة العراقية، وكذا حل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، والتي نجمت عن العقوبات الهائلة ضدها، والمتسببة في حالة الاحتجاجات الشعبية في المدن الإيرانية، والعاصمة، طهران.

الصفحة الرئيسية