
يعيش العالم الافتراضي منذ بداية منافسات "الكان" الأفريقي التي أقيمت في المغرب على تبادل المشاحنات والانتقادات ما بين الدول العربية المشاركة في العرس الأفريقي. هذه المشاحنات أبانت عن اصطفافات جماهيرية كبيرة، ما بين البلد المنظم المغرب وباقي الدول العربية التي أقصيت بشكل متتابع، وحولت المقابلات الرياضية إلى فسحة للتنفيس عن عقود من الشحن الإيديولوجي الذي تعرّضت له شعوب شمال أفريقيا. هذا التنفيس لم ينحصر على الدول العربية في شمال أفريقيا، بل امتدّ ليقدّم صورة مماثلة لدول أفريقية.
لقد ظلّ المخيال العربي يظن لعقود أنّ الشعوب تختلف مع طبيعة الأنظمة، وأنّها تميل إلى رأب الصف العربي الإسلامي، وهو اعتقاد كان يزكّيه بشكل كبير خطاب النخبة المثقفة. غير أنّ إعادة الهيكلة السياسية التي يعرفها العالم اليوم، وانفتاح المجتمع العربي على العالم الافتراضي، أوضح أننا أمام مرحلة أخرى تختلف بشكل كبير عمّا كنا نعتقده ونبني عليه قراءتنا للوضع العربي. فالشعوب لم تعد تمثل هاجسًا رقابيًا على أنظمتها بقدر ما أصبحت بمعنى ما، وبنسبة كبيرة، مُعبّرة وعاكسة لطبيعة أنظمتها السياسية. فصرنا أمام تصنيف يرفع من الهوية الوطنية ليس بناءً على مقوماتها الذاتية، بل بناءً على قدرتها على التنافس العدائي مع الدول التي تشاركنا الهوية الثقافية، لكنّها تنفصل عنّا في الانتماء الوطني، فتمّ شحن الدولة الوطنية بهواجس سياسية تتعدى حدودها الجغرافية، كأننا أمام تناقض لا يقبل بالجمع ما بين الهوية الوطنية والقومية العربية.
ذهنية ثورية خارج الحدود
مفهوم الذهنية هنا يحيل على نمط من التعاطي مع مفهوم الثورة في السياق العربي؛ فقد مثلت العقود الخمسة ما بعد الحركات التحررية العربية مرحلة للرفع من الفكر الثوري المرتبط بتغيير الأنظمة السياسية العربية. فالثورية هنا لا تعني تلك الحمولة الظرفية التي تنقل مجتمعًا بعينه "من - إلى"، حيث عملية الانتقال تحمل بُعدًا معياريًا إيجابيًا لصالح الشعوب بالدرجة الأولى، بل إنّ الثورات العربية التي رفعت شعارات طوباوية وآمالًا تغييرية لم تغير سوى جلد السلطة، لأنّ التغيير ارتكز بشكل كبير على طبيعة النظام لا على واقع الشعوب. وبهذا لم تتحقق ثورة بنيوية ترفع من قيمة اقتصاد وتنمية الدولة، بقدر ما دخلت في دوامة إيديولوجية توسعية تؤجل المساءلة الداخلية.
إنّ الثورات العربية على مرّ العقود التحررية لم تكن ثورية بمعناها الاقتصادي والتنموي، بل كانت ثورية سلطوية وشعبوية تتغذى على الاصطفافات الجماهيرية والآفاق المستقبلية الواعدة، ممّا رسم تجربة تاريخية لم تستطع التماهي مع واقعها الاجتماعي، بقدر ما استعانت بشعار الوحدة العربية لاستجداء الشعور الجماهيري العربي. لأنّ منطق تحقق الوحدة كان رهين توافق الإيديولوجيات السياسية، لا القبول باختلافها. لهذا غفلت هذه الأنظمة عن البناء الداخلي واكتفت بتغيير البنية الفوقية، لتخلق بالمقابل بنية تحتية تعيد انعاش الجانب السلطوي بشكل أكثر حدةً وتعصبًا.
المخيال العربي يظن لعقود أنّ الشعوب تختلف مع طبيعة الأنظمة، وأنّها تميل إلى رأب الصف العربي الإسلامي، وهو اعتقاد كان يزكّيه بشكل كبير خطاب النخبة المثقفة.
لهذا، فإنّ الذهنية الثورية الجماهيرية قادرة على تجديد العهد وبث روح هذه الأنظمة عبر تشكيل الرأي العام. وهو ما يخدم العطالة السياسية العربية، ما دام أنّ الوعي بهشاشة التغيير وضبابية الأنظمة الثورية يمثل تهديدًا وجوديًا لها.
إنّ توتر العلاقات بين دول الجوار ليس وليد اليوم، بل له رواسب تاريخية دشنتها، بمعنى ما، الحركات الثورية وطبيعة التوجهات القطبية التي أبانت عن تقسيم للجغرافيا العربية، وفق رؤية ثورية تحدد الانتماء إلى الجماعة وفق تشابه العقيدة الإيديولوجية. هذه العقيدة التي ولدتها سياقات دولية للقرن الماضي التي ارتبطت بالفكر الاشتراكي وامتداد الاتحاد السوفياتي؛ ورغم أنّها، بمعنى ما، انتهت، بعد تبعات الحرب الباردة وانهيار جدار برلين، وانحصار العديد من الأنظمة العربية الثورية، إلا أنّ الذهنية الثورية التي غرستها الأنظمة لعقود في وعي شعوبها، أعيد إنتاجها بشكل يعبّر عن انسجام ما بين الأنظمة والشعوب.
وهو ما يمكن أن نصفه بالوعي الوصي؛ وهو الوعي الجماعي الذي يسير وفق اصطفافات ممنهجة وموجهة نحو هدف بعينه. صحيح أنّ الجماهير لا تعي هذه الغاية بقدر ما تسير وفق شحنة عاطفية طاغية، هذه العاطفة التي تعبّر عن إخفاق تنموي وسياسي وطني. ومن هنا أصبحنا أمام رأي عام جماهيري يغطي على صوت النخبة المثقفة ويهمشها لصالح منطق الأغلبية التي تدعمها السلطة السياسية بناءً على فجوات الفعل الديمقراطي.
إنّ الراهن العربي - خصوصًا الشمال أفريقي - يمثل نموذجًا حيًّا على إمكانية تدجين الجماهير لعقود عبر المؤسسات الإعلامية والتعليمية، لتحمل مشعل اللافتة السياسية الوطنية، التي تقدّم نموذج مواطن ينصهر، بشكل مبالغ فيه، في الرفع من الأنا الوطنية، وهو ما يشكل سلبًا لمقومات الفرد السياسية.
وبهذا يمكننا القول إنّ الأنظمة الثورية التي ما تزال تعيش على موروث المقولات التحررية، استطاعت أن تجدد عهدها مع شعوبها، لتصبح الشعوب حاملة لواء شعار الثورية بالمنطق نفسه للأنظمة التي حاولت تغيير دول الجوار دون أن تسمح لمواطنيها بتحقيق المطلب نفسه؛ فكأننا أمام هندسة جماعية لوعي الجماهير، ممّا يجعل هذا الوعي هو المحرك السياسي للأنظمة نفسها، وهو ما يربك أيّ توجه للوحدة الإقليمية راهنًا. فالجمهور ضمن هذه الهندسة فاعل ومفعول به، إذ العلاقة الجدلية بين ما تتلقاه لعقود من شحن إيديولوجي وعملية إفراغه خارج المدار الوطني ولدت فراغًا داخل الدولة الوطنية نفسها، حيث سحب دور الفاعلية السياسية النقدية من المثقفين لصالح الجماهير التي تتحرك بعاطفة الانتماء والإعلاء من الأنا الوطنية على حساب الفاعلية الوطنية.
العدو القريب
من المتعارف عليه أنّ القرب الثقافي هو منطلق لترجمة وحدة المصير العربي، غير أنّه تحول إلى شكل مغاير ومخيف. فالأحداث الأخيرة التي رسمت صورة التنابز بالمنجزات والإخفاقات والتحيزات القطبية بين دول الجوار، تبين أنّ الإيديولوجية السياسية التي رفعتها الأنظمة الثورية التحررية استطاعت أن تجدد عهدها مع شعوبها عبر توليد ما يمكن أن يصطلح عليه "العدو القريب". الذي يشبهني ثقافيًا ويجاورني جغرافيًا لكنّه بالمقابل يختلف معي سياسيًا وإيديولوجيًا، الأمر الذي يطرح هنا مسألة اختزال العلاقة مع الدول العربية في طبيعة أنظمتها السياسية. هذا الاختزال معناه عملية تصنيفية مسبقة تحجب أيّ إمكانية لتقبل هذا القريب، بل يتم تصنيفه بخانة العدو، لأنّه خرج عن النموذج السياسي الذي اعتبر لعقود النموذج العادل والأصلح للشعوب. ومن هنا اكتسبت هذه الأنظمة الثورية - إن جاز القول - نوعًا من الوصاية على الشعوب بدعوى أحقيتها بتقرير المصير، دون أن تسمح لبنيتها الشعبية أن تمارس الأمر نفسه بشكل ديمقراطي.
مفهوم الذهنية هنا يحيل على نمط من التعاطي مع مفهوم الثورة في السياق العربي؛ فقد مثلت العقود الخمسة ما بعد الحركات التحررية العربية مرحلة للرفع من الفكر الثوري المرتبط بتغيير الأنظمة السياسية العربية.
الجماهير تحولت بفضل سهولة تعميم الرأي العام عبر العالم الافتراضي إلى أبواق لدعم هذه السردية المتهالكة، والعمل على تجديدها بأغلفة جديدة. وبما أنّ هذا التوجه الثوري اعتبر نفسه النموذج الأصلح لتحقيق العدالة، فإنّ رؤيته تظل حبيسة هذا التصور، وهو ما منحه شعورًا بضرورة مساعدة الشعوب على تقرير مصيرها، وتصنيفها بمرتبة أقلّ منها. فأيّ خروج عن هذا التصنيف يُنذر بزعزعة استقرار السلم السياسي الداخلي، ممّا أدخلنا في نهج وصاية سياسية تتغاضى عن أحقية هذه الشعوب في التعاطي مع أنظمتها وفق رؤيتها الذاتية.
إشكالية هذه الذهنية أنّها استطاعت، إلى حد ما، التوسع خارج جغرافياتها، ممّا جعل من الشعوب مشعلًا للقيادات الثورية بشكل متعصب يتجاوز قادتهم. لقد أصبح المجال الافتراضي فرصة لبعثرة حسابات العدو القريب بما يتوافق وتوليد أزمات القرب وتضخمها، ليظل الجميع في بركة التجاذبات القطبية التي لا تسمح بخروج نموذج خارجي مخالف، لكنّه قريب، أن يخلق باب المقارنة والمساءلة السياسية الداخلية.
بالختام، جدير بالقول إننا لن نصل إلى مرحلة حسن الجوار والتفاعل الإقليمي الإيجابي، إلا عندما يحصل اكتفاء ذاتي من الشعور الوطني، ونواجه الداخل بمنطق نقدي يقود ثورة تنموية حقيقية ترفع من قيمة تفاعل الشعوب مع أنظمتها السياسية بشكل ديمقراطي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)