مع نهاية 2019.. هل العالم بصدد انحسارات خادعة للإرهاب في 2020؟‎

بانوراما 2019

مع نهاية 2019.. هل العالم بصدد انحسارات خادعة للإرهاب في 2020؟‎

مشاهدة

26/12/2019

يعالج هذا التقرير ظاهرة الإرهاب العالمي بأشكاله وأنواعه المختلفة، ويشمل كافة الأفراد والجماعات والمنظمات التي تمارس الإرهاب والعنف السياسي، لتحقيق أهداف سياسية، مهما كانت أيديولوجيتها أو أفكارها، وهو يعتمد في الأرقام والإحصائيات على "مؤشر الإرهاب العالمي" الذي يصدره سنوياً "معهد الاقتصاد والسلام" (Institute for Economics & Peace (IEP)   (المؤشر المنشور لعام 2019 يقيس الإرهاب للعام المنتهي 2018).

شهدت خريطة الإرهاب العالمي العام 2019 كثيراً من المؤشرات والاتجاهات الإيجابية، بعد أعوام الجمر والرماد التي واكبت انطلاقة موجة إرهاب تنظيم داعش، الذي وصل ذروته العام 2014.

لقد انخفض العدد الكلي لقتلى العمليات الإرهابية بنسبة 52%، مقارنة بذروته العام 2014، وذلك للعام الرابع على التوالي؛ حيث بلغ العدد الإجمالي لعدد العمليات الإرهابية 15952 ضحية، ويعود سبب الانخفاض بشكل رئيس لانخفاض العدد الكلي لقتلى الإرهاب في العراق ثم الصومال.

شهدت خريطة الإرهاب العالمي العام 2019 كثيراً من المؤشرات والاتجاهات الإيجابية

فقد شهد العام 2019 أهمّ حدثَين في مسيرة الإرهاب العالمي الإسلاموي على صعيد تنظيم داعش؛ الأول: هزيمة تنظيم داعش في معاقله الرئيسة في سوريا وتشتته وذوبانه في العراق، والثاني: مقتل زعيم التنظيم وعدد من القياديين المهمين فيه.
وقد تجلّى هذا في انخفاض عدد قتلى العمليات الإرهابية التي تنسب إلى داعش بنسبة 69%، كما انخفض عدد عمليات التنظيم بنسبة 63%، عام 2019، وانخفض العدد الكلي لأعضاء التنظيم في سوريا والعراق؛ من 70000 مقاتل إلى 18000 مقاتل عام 2019.

اقرأ أيضاً: هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟
في المقابل؛ مع أنّ ظاهرة الإرهاب العالمي شهدت بعض الانحسار؛ فقد شهدت خريطة الإرهاب بعض الاتجاهات السلبية، وعلى رأسها أنّه رغم انخفاض عدد القتلى نتيجة العمليات الإرهابية، إلا أنّ نطاق العمليات الإرهابية توسعّ وتعولم أكثر؛ حيث طال الإرهاب (عملية إرهابية واحدة على الأقل) ما مجموعه 103 دول في العالم، وهو ما يعني حاجة المجتمع الدولي إلى استمرار التعاون في مكافحة الإرهاب.

أحد أهم الاتجاهات السلبية والخطيرة للإرهاب هذا العام، 2019، (أشرت إليه في تقرير السنة الماضية 2018)، وفي العقد القادم؛ هو زيادة خطورة إرهاب "جماعات اليمين المتطرف" في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا والجزر، ودليل ذلك ارتفاع نسبة عمليات "اليمين المتطرف" بنسبة هائلة بلغت 320% خلال الأعوام الخمسة الماضية، وقد بلغ عدد قتلى العمليات الإرهابية التي تنسب لليمين المتطرف 77 قتيلاً، حتى أيلول (سبتمبر) 2019.

اقرأ أيضاً: ذئب جسر لندن.. كيف أربك عثمان خان إستراتيجية مواجهة الإرهاب؟

مع الإشارة إلى أنّ هذا النوع من الإرهاب كان أكثر خلال الأعوام العشرة الماضية؛ حيث سجل 322 عملية إرهابية تنسب إلى جماعات اليمين المتطرف، مقارنة بما مجموعه 1,677 عملية خلال الأعوام العشرة، بين عامَي 1980-1970، كما أنّ 60% من عمليات اليمين المتطرف خلال الفترة بين 1970-2018، نفّذها أفراد ليس لهم ارتباطات تنظيمية محددة مع جماعات اليمين المتطرف، مقارنة ما نسبته 10% فقط نفذها أفراد ينتمون تنظيمياً لجماعات اليمين المتطرف.

رغم تأكيدات الأمم المتحدة رفضت عدّة دول أوروبية بشدة عودة مقاتلي داعش وزوجاتهم وأراملهم

ويلاحظ أنّ الولايات المتحدة والدول الأوروبية والأجهزة الاستخبارية فيها بدأت، ومنذ بداية العام 2019 تحديداً بالتحذير من خطورة هذا النوع من الإرهاب والاهتمام به على كافة الصعد، خاصة البحث والدراسة الأكاديمية، خاصة بعد العملية الإرهابية التي جرت في المساجد في نيوزيلندا، الجمعة 15 آذار (مارس) 2019؛ حيث أُطلقت النيران من قبل (برينتون تارانت) متطرف من اليمين البديل، داخل مسجد النور، ومركز لينود الإسلامي في مدينة كرايستشرش، ونتج عنهُما العديد من الإصابات و50 من الوفيات.
ومن الاتجاهات السلبية الجديدة هذا العام؛ تزايد مشاركة النساء في العمليات الإرهابية والعمليات الانتحارية، وتشير البيانات إلى أنّه خلال الفترة بين 1985- 2018؛ كانت هناك 300 عملية إرهابية، شاركت فيها النساء (امرأة واحدة على الأقل) تسبّبت بمقتل 3000 شخص في العالم.

وزاد هذا الاتجاه خلال الأعوام الخمسة الماضية (2013-2018) بنسبة كبيرة جداً، بلغت 450%، ويلاحظ أنّ 80% من هذه العمليات نفذتها النساء في تنظيم بوكوحرام في نيجيريا والدول المجاورة لها، على العكس؛ فقد انخفضت مساهمة الرجال في العمليات الانتحارية بنسبة 47% خلال الفترة نفسها.
التوزيع الجغرافي للإرهاب العالمي 
حول التوزيع الجغرافي للعمليات الإرهابية، بحسب "مؤشر الإرهاب العالمي"، فقد شهدت أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المعروفة بـــ(MENA)، اتجاهات إيجابية؛ حيث انخفضت العمليات الإرهابية في أوروبا بنسبة 70%، كما انخفض عدد القتلى للعام الثاني على التوالي من 200 قتيل العام 2017 إلى 62 العام 2018، وقد انعكست هزيمة تنظيم داعش إيجابياً على أوروبا؛ حيث لم تشهد أية عملية لتنظيم داعش العام 2018.

اقرأ أيضاً: "الرايات السوداء".. كيف فوّتت الحماقة الأمريكية إجهاض داعش؟

وفي (MENA) انخفض عدد العمليات الإرهابية بنسبة 65%، باستثناء ثلاث دول في المنطقة عانت من اتجاهات سلبية بزيادة عدد قتلى العمليات الإرهابية فيها، وهي على الترتيب: إيران والمغرب والأردن.
للمرة الأولى منذ العام 2003، لم يعد العراق من أكثر الدول المتأثرة بالإرهاب، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي الصادر عن "معهد الاقتصاديات والسلام"، وأظهر المؤشر أنّ عدد الوفيات بسبب الإرهاب في العراق، قد انخفض بنسبة 75 % بين عامَي 2017 و2018.

شهد 2019 أهمّ حدثَين بمسيرة الإرهاب العالمي على صعيد داعش بهزيمته في معاقله الرئيسة ومقتل زعيمه

إلا أنّ تحسن الوضع في العراق نسبياً لم يساعده في الخروج من قائمة أكثر عشر دول كانت عرضة لخطر الإرهاب في العام 2018، والتي ضمت ثلاث دول عربية أخرى، هي: سوريا والصومال واليمن، وفيما يلي عرض مختصر لأكثر عشر دول عانت من الإرهاب العالمي في عام 2018؛ حيث نلاحظ أنّ من بينها أربع دول عربية.
1- أفغانستان: تدهور الوضع في أفغانستان، خلال العام 2018، حيث تمّ تسجيل نحو 1443 عملاً إرهابياً، أدّت إلى مقتل نحو 7379 شخصاً، وأصيب 6514 غيرهم، ما جعلها أسوأ البلاد على مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2019، وقد شهدت أفغانستان العام الماضي 16 عملية إرهابية تعدّ الأسوأ من بين أبرز عشرين عملية وقعت حول العالم، وقد نفذت طالبان وتنظيم خراسان المتفرع من تنظيم داعش، القاسم الأكبر من هذه العمليات.

اقرأ أيضاً: الإرهاب والسياحة: ذئاب تفترس الاقتصادات الوطنية
2- العراق: كما أسلفنا؛ فقد شهد العراق تراجعاً في نسبة العمليات الإرهابية؛ حيث حلّ في المركز الثاني، العام 2018، بعد أن كان في المركز الأول على القائمة العام 2017، وقد وصلت نسبة الوفيات بسبب العمليات الإرهابية إلى 1504 أشخاص، فيما وصلت الإصابات إلى 1723 ضمن 1131 عملية إرهابية نفذت العام 2018، وقد نفذ تنظيم داعش القسم الأكبر من هذه العمليات.

3- نيجيريا: بلغت نسبة قتلى العمليات الإرهابية في نيجيريا نحو 13 % من إجمالي العمليات حول العالم؛ حيث ارتفعت نسبة الوفيات بمقدار 33%، العام 2018، مقارنة مع العام 2017، وقد وصل عدد القتلى بسبب العمليات الإرهابية، العام 2018، إلى 2040 شخصاً؛ حيث أصيب نحو 772، ضمن 562 عملية إرهابية، وقد تسببت جماعة "بوكوحرام" في سقوط النسبة الأكبر من تلك الوفيات، بجانب المجموعات المسلحة التي يغلب عليها عرقية "الفولاني".

اقرأ أيضاً: هل حسمت عملية البغدادي الصراع الاستخباري بين التكنولوجيا والبشر؟

4- سوريا: رغم هزيمة تنظيم داعش في سوريا، إلا أنّه كان المتسبب الأكبر في العمليات الإرهابية بسوريا، خلال عام 2018، وقد وصلت العمليات الإرهابية بشكل عام في سوريا خلال العام الماضي إلى 131 عملية، أدت إلى مقتل نحو 662 شخصاً، وإصابة نحو 725 آخرين.
5- باكستان: قتل في باكستان نحو 537 شخصاً خلال العام 2018، فيما أصيب نحو ألف و16 شخصاً في 366 عملية إرهابية، وقد نفّذ القسم الأكبر من العمليات تنظيم ولاية خراسان المتفرع من تنظيم داعش الإرهابي، يليها حركة طالبان بباكستان.

أصبحت مشكلة عودة "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" من أهمّ وأخطر اتجاهات الإرهاب العالمي العام 2019

6- الصومال: معظم الهجمات الإرهابية في الصومال خلال العام 2018 نفذها تنظيم الشباب بنسبة وصلت إلى 91 بالمئة من إجمالي الهجمات الإرهابية، بالإضافة إلى هجمات أخرى نفذتها جماعة جبهة شرق أفريقيا، وقد قتل في الصومال خلال العام 2018، نحو 646 شخصاً، وأصيب نحو 638 شخصاً، ضمن 286 عملية إرهابية.
7- الهند: شهدت الهند نحو 748 عملية إرهابية، سقط فيها ما لا يقل عن 350 قتيلاً، و540 جريحاً في العام 2018، وتشهد الهند تنوعاً في مصادر الإرهاب مقارنة بأيّة دولة أخرى في القائمة؛ حيث شنّت هجمات إرهابية من قبل جماعات دينية متطرفة وشيوعية وانفصالية، مثل الحزب الشيوعي الهندي وحزب "المجاهدين" وجيش الإسلام والانفصاليين السيخ.

اقرأ أيضاً: من المستفيد من الغزو التركي لسوريا؟
8- اليمن: يلاحظ أنّ معظم القتلى في اليمن بسبب العمليات الإرهابية التي تنفذها ميليشيا الحوثي، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة، نظراً إلى أنّ تنظيم داعش ما يزال ضعيفاً مقارنة مع تنظيم القاعدة في اليمن؛ حيث قتل نحو 301 شخص، وأصيب نحو 325 ضمن 227 حادثاً إرهابياً في العام 2018، وبهذا ينخفض معدل الوفيات بالمقارنة مع العام 2015، الذي سجل نحو 1500 حالة وفاة على صلة بحوادث إرهابية.

9-الفلبين: تسبّبت حركة "جيش الشعب الجديد" التابعة للحزب الشيوعي الفلبيني، في معظم العمليات الإرهابية، وفي سقوط 36 % من ضحايا الإرهاب؛ حيث قتل نحو 297 شخصاً خلال هجمات الحركة ضمن 424 حادثاً، تجدر الإشارة إلى أنّ الصراع بين الحكومة الفلبينية وعناصر حركة "جيش الشعب الجديد" الجناح المسلح للحزب الشيوعي الفلبيني، بدأ العام 1969 مسفراً عن مقتل نحو 40 ألف من المقاتلين والمدنيين، كما أدّى هذا التمرد الشيوعي إلى تقويض جهود التنمية الاقتصادية في البلاد لأعوام، وكان له أيضاً تأثير سلبي على المناطق الريفية الفقيرة بالفلبين، كما ساهمت بعض الحركات الدينية المتطرفة مثل "حركة بانغسامورو للحرية الإسلامية"، إضافة إلى فرع تنظيم داعش هناك، في سقوط نحو 12 شخصاً.

مع أنّ ظاهرة الإرهاب العالمي شهدت بعض الانحسار إلا أنّ نطاق العمليات الإرهابية توسع وتعولم أكثر

10- الكونغو الديمقراطية: شهدت دولة الكونغو الديمقراطية، العام 2018، نحو 135 عملية إرهابية أدت إلى مقتل نحو 410 أشخاص، وإصابة 145، وذلك بسبب الهجمات التي شنتها جماعات كلّ من "القوات الديمقراطية المتحالفة"، والجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا، وميليشيات "مايي مايي".
وكانت أقل دول عرضة للإرهاب: كوريا الشمالية وبيلاروسيا وغينيا بيساو وعمان وغامبيا.
هذا يدل على أنّ الصراعات بأشكالها المختلفة هي المحرك الرئيس للإرهاب العالمي؛ حيث تبين أنّ 95% من قتلى العمليات الإرهابية كانوا مواطنين من دول تعاني من الصراعات السياسية والمسلحة، و99% من العمليات الإرهابية وقعت في الدول التي تعاني من الصراعات.


ونلاحظ من البيانات أنّ هناك علاقة إيجابية بين الإرهاب والصراعات المسلحة، فكلّما تزايد تواجد الصراعات المسلحة تزايد تواجد الإرهاب وطال أمده، كما نلاحظه في الشرق الأوسط مثلاً.  
مشكلة المقاتلين الإرهابيين الأجانب
أصبحت مشكلة عودة "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" من أهمّ وأخطر اتجاهات الإرهاب العالمي العام 2019، وهي مرشحة للاستمرار خلال الأعوام القادمة، ورغم أنّ الظاهرة ليست حديثة إلا أنّها أصبحت مشكلة عالمية، خاصة بعد هزيمة تنظيم داعش الإرهابي في سوريا.

من الاتجاهات السلبية الجديدة هذا العام تزايد مشاركة النساء في العمليات الإرهابية والعمليات الانتحارية

ويلاحظ أنّ كافة الدول الأوروبية المعنية بالأمر خائفة من عودة هؤلاء إلى أراضيها؛ لذلك تماطل في إيجاد حلول للمعضلة وتحاول بشتى الطرق نقلها للخارج، كمقاربة إقامة محاكم شبه دولية في العراق، وبعد الغزو التركي لشمال شرق سوريا دخلت تركيا على الملف، وبدأت باستخدامه لمصالحها السياسية الأمر الذي عقد من المعضلة أكثر، ومن المرجح أن تستمر أكثر خلال الأعوام المقبلة.
لقد ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية، في 2 حزيران (يونيو) 2016؛ أنّ مجتمع الاستخبارات التابع لها يقدّر أنّ "ما يزيد على 40،000 مقاتل أجنبي قد ذهبوا إلى النزاع في سوريا ومن أكثر من 100 بلد"، في حين قدرت وزارة الدفاع الروسية؛ أنّ هناك حوالي 25،000–30،000 من المرتزقة الإرهابيين الأجانب يقاتلون من أجل داعش وحدها.

وتثير هذه الظاهرة المخاوف في البلدان الأصلية للمقاتلين الأجانب، وهذه الظاهرة ليست جديدة، لكنّ الحجم والأصول الواسعة النطاق في هذه الحالة غير عادية، خاصة بعد هزيمة تنظيم داعش في سوريا ومقتل زعيم التنظيم، ودخول تركيا على خطّ المشكلة، واستخدامها كورقة مساومة وابتزاز سياسي للدول الأوروبية المعارضة لسياسات أردوغان.

اقرأ أيضاً: "الإرهاب: مقدمة نقدّية".. كيف نفهم الظاهرة بعيداً عن السائد؟

وقد كان من شأن اتخاذ القرار 2178 (2014) في الاجتماع رفيع المستوى لمجلس الأمن، الذي تولى رئاسته الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في أيلول (سبتمبر) 2014، أن جعل مسألة المقاتلين الإرهابيين الأجانب في صدارة جدول الأعمال الدولي.

زادت خطورة إرهاب "جماعات اليمين المتطرف" في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا والجزر

وفي حين يؤكد هذا القرار التاريخي أنّه ما من دولة تستطيع التصدي بمفردها لظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، فإنّه يحدّد عدداً من الالتزامات على الدول الأعضاء. 
وتهدف الخطة التنفيذية لفرقة العمل المعنية بالتنفيذ التابعة للأمم المتحدة لبناء القدرات من أجل التصدي لتدفق "المقاتلين الإرهابيين الأجانب"، إلى دعم الدول الأعضاء في الوفاء بالتزاماتها، بموجب قرار مجلس الأمن 2178 (2014)، بالتصدي للدورة الحياتية الكاملة للمقاتلين الإرهابيين الأجانب، بدءاً بتطرفهم، وسفرهم، وتدريبهم، وتشغيلهم، وتمويلهم، ثم عودتهم واحتمالات استئنافهم العنف في بلدانهم الأصلية.
وبهذا القرار؛ أكّد المجتمع الدولي الحاجة الملحَّة إلى اتخاذ تدابير على نحو كامل وفوري، فيما يتعلق بالمقاتلين الإرهابيين الأجانب، لا سيما أولئك المرتبطين بتنظيم داعش، وجبهة النُصرة وغيرهما، فضلاً عن الجماعات الأخرى المرتبطة بتنظيم القاعدة، وسلّم بوجوب التصدي أيضاً للعوامل الأساسية بطريقة شاملة، بطرق منها منع التطرف، ووقف تجنيد المقاتلين الإرهابيين الأجانب، وإعاقة سفرهم، وقطع ما يقدم لهم من دعم مالي.

وقد اتُّخذ القرار بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يعني أنّه ملزم قانوناً لجميع الدول الأعضاء، البالغ عددها 193 دولة، وهو يدعو إلى العمل مع المجتمعات المحلية والجهات الفاعلة غير الحكومية لوضع إستراتيجيات لمكافحة التطرف العنيف، وينبغي تمكين الشباب والأُسر والنساء والقيادات الدينية والثقافية والتعليمية والمجتمع المدني من معالجة الظروف التي تفضي إلى انتشار التطرف العنيف.

من المتوقع أن يشن داعش سلسلة من الهجمات الإرهابية الخاطفة والسريعة خاصة من خلال "الذئاب المنفردة"

وقد واصلت الأمم المتحدة الأخذ بنهج شامل للمنظومة برمّتها لتقديم المساعدة في مجال بناء القدرات إلى الدول الأعضاء من أجل مكافحة تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب، وتتناول خطة الأمم المتحدة التنفيذية لبناء القدرات من أجل وقف تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب دورة الحياة الكاملة للمقاتلين الإرهابيين الأجانب.
وتهدف مبادرة المكتب المعني بالمخدرات والجريمة العالمية لمكافحة المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى تعزيز تنفيذ تدابير العدالة الجنائية بشأن المقاتلين الإرهابيين الأجانب، تدمج بشكل كامل بين سيادة القانون ونهج احترام حقوق الإنسان، ويقوم المكتب حالياً بتقديم مبادرة رئيسة لتعزيز الأطر القانونية وقدرات العدالة الجنائية وقدرات مسؤولي إنفاذ القانون على الصعيد الوطني للتصدي للتهديد الذي يشكله المقاتلون الإرهابيون الأجانب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب شرق أوروبا.

بلغ عدد قتلى العمليات الإرهابية التي تنسب لليمين المتطرف 77 قتيلاً حتى أيلول 2019

لكن رغم تأكيدات الأمم المتحدة أعلاه؛ نلاحظ أنّ عدّة دول أوروبية رفضت بشدة عودة مقاتلي داعش وزوجاتهم وأراملهم، الذين تحتجزهم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد، وحذّرت تلك الدول من إعادة مواطنيها، الذين ذهبوا للقتال من أجل "خلافة" داعش في سوريا والعراق، خوفاً من ردود الفعل السياسية وصعوبة جمع الأدلة لإدانتهم وخطر الهجمات المتطرفة في الداخل.
وإضافة إلى المعتقلين في تركيا، تحتجز القوات الكردية السورية حوالي 11000 مقاتل من داعش في السجون في شمال شرق سوريا، إضافة إلى عشرات الآلاف من النساء والأطفال من أفراد أسرهم، حوالي خُمس مقاتلي داعش، الذين تعتقلهم القوات الكردية في شمال شرق سوريا يُعتقد أنّهم أوروبيون، ووفق وزارة الداخلية الألمانية؛ تمّ سجن أكثر من 80 عضواً من داعش في سوريا والعراق.

عقب الغزو التركي لشمال شرق سوريا؛ أكّد وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو (4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019)؛ أنّ بلاده ستعيد أسرى تنظيم داعش إلى دولهم، حتى إذا ألغيت جنسياتهم، منتقداً نهج الدول الأوروبية بشأن القضية.
وكان وزير الداخلية التركي قد ادّعى أنّ بلاده "ليست فندقاً لعناصر داعش من مواطني الدول الأخرى"، وأضاف في تصريحات في أنقرة؛ أنّ تركيا نقلت عناصر داعش الأجانب الذين جرى ضبطهم في رأس العين وتل أبيض، خلال عملية "نبع السلام"، إلى سجون محصنة بمنطقة عملية "درع الفرات"، شمال سوريا، وتابع أنّه بعد احتجاز هؤلاء لفترة في تلك السجون، سيتم إرسالهم إلى البلدان التي ينتمون إليها.

ارتفعت عمليات "اليمين المتطرف" بنسبة هائلة بلغت 320% خلال الأعوام الخمسة الماضية

وإجمالاً؛ تريد تركيا إرسال ما يصل إلى 1300 "جهادي" أجنبي إلى بلدانهم الأصلية، كثيرون منهم إلى أوروبا، خاصة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وفنلندا وغيرها، وقد قامت تركيا، حتى الآن، بإعادة 11 فرنسياً، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، دون التنسيق مع فرنسا، ودعت ألمانيا لاستعادة مقاتليها؛ حيث يُعتقد أنّ 100 من أعضاء داعش المعتقلين مواطنون ألمان.
وتشير البيانات من مصادر إعلامية ألمانية إلى أنّ "1050 ألمانياً سافروا إلى سوريا منذ 2013، انضم أغلبهم لداعش، وقتل ثلثهم في المعارك التي دارت في الأراضي السورية، وعاد الثلث بالفعل لألمانيا، فيما ترى السلطات الألمانية أنّ عناصر الثلث الأخير إما محتجزون في سوريا والعراق وتركيا أو مفقودون"، وتعتقل تركيا حالياً 14 بالغاً ألمانياً، على الأقل، لانتمائهم لـداعش في سوريا، بواقع 8 نساء و6 رجال، إضافة إلى 15 طفلاً، ومن المنتظر أن تقوم أنقرة بترحيلهم على دفعات خلال الفترة المقبلة، بحسب صحيفة "بيلد" الألمانية.
توقعات لعام 2020
رغم هزيمة تنظيم داعش عسكرياً في العراق وسوريا، وإحباط كثير من العمليات الإرهابية للتنظيم خلال عام 2019، خاصة في أمريكا وبريطانيا والنمسا والمغرب والأردن، إلا أنّ التنظيم لم يهزم تنظيمياً وأيديولوجياً.
ولذلك؛ فمن المتوقع أن يشن تنظيم داعش سلسلة من الهجمات الإرهابية الخاطفة والسريعة، خاصة من خلال "الذئاب المنفردة" في العالم، لا سيما في أوروبا، والعالم العربي والدول الإسلامية، وفي مناطق لم تكن عرضة للإرهاب من قبل، وذلك بهدف إثبات الوجود وتدشين بداية جديدة مع بداية عام 2020 للتنظيم مع زعيمه الجديد.

فرغم هزيمة تنظيم داعش عسكرياً وتشتت التنظيم، ومقتل زعيمه نهاية العام 2019، والحملة الدولية ضدّ دعاية التنظيم على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة حملة حذف وإلغاء حسابات التنظيم على موقع "تلغرام" الذي يبلغ عدد مستخدميه في العالم 200 مليون مستخدم، والتي بدأت في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2019، إلا أنّه تمّ رصد حملة واسعة للتنظيم على بعض المنصات الخاصة بالتنظيم، مثل صفحة مجلة "النبأ"،  و"التقوى"، ووكالة "أعماق" الخاصة بالتنظيم، ومجموعة تطلق على نفسها "بنت الأمجاد"، تدعو صراحة، باللغات العربية والإنجليزية والألمانية والفرنسية، إلى شنّ هجمات إرهابية "ضدّ الأعداء الصليبين" في فترة أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية، في كافة الدول، خاصة الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً من خلال هجمات "الذئاب المنفردة"، من خلال نشر بوستر بعنوان صريح "كن ذئباً منفرداً".

اقرأ أيضاً: أين سيُحاكم المعتقلون من تنظيم داعش في سوريا؟

هذا إضافة إلى تهديد مؤسس موقع "تلغرام"، بافل دروف (Pavel Durov)، بالقتل والتصفية الجسدية، ونشر بوستر له على صفحة "بنت الأمجاد"، بتاريخ 3 كانون الأول (ديسمبر) 2019، لدوره في حذف حسابات أعضاء ومؤيدي التنظيم.
ومن المتوقع أن يشنّ اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا سلسلة من الهجمات الإرهابية العنصرية، سواء ضدّ المسلمين أو اليهود، نظراً للأجواء المشحونة سياسياً في الدول الأوروبية، خاصة في النمسا والدول الإسكندنافية، مثل؛ السويد والنرويج وفنلندا، ضدّ الهجرة والمهاجرين من الشرق الأوسط.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية