مصنع الحيل (2-2).. دراسة في مسارات التحايل في التأويل الفقهي والشعبي

مصنع الحيل (2-2).. دراسة في مسارات التحايل في التأويل الفقهي والشعبي

مصنع الحيل (2-2).. دراسة في مسارات التحايل في التأويل الفقهي والشعبي


26/02/2026

 

"لو كان الحشيش حلالاً، أدينا بنشربه، ولو كان حراماً، أدينا بنحرقه". 

تعرّضنا في المقال السابق لحيل الفقهاء، أو الحيل الشرعية، وكيفية استخدامهم لطرق مشروعة في ظاهرها للوصول إلى نتائج مقصودة، أو للالتفاف على حكم شرعي مُعيّن، وهو أمر تكرر كثيراً في التاريخ الإسلامي. غير أنّ السعي لتأويل النص الديني واستنباط أحكامه لم يقتصر على أروقة الفقهاء والمتخصصين فحسب؛ بل امتد ليشمل العامة الذين يمثلون الحقل الواقعي لتطبيق تلك الأحكام. فقد عمد الناس، من جانبهم، إلى مواءمة تلك الأحكام لتتلاءم مع ظروفهم المعيشية واحتياجاتهم اليومية، في عملية تطويع واعية تهدف إلى حل إشكاليات الواقع مع الحفاظ على التبجيل الكامل لقدسيّة النص. لقد أوجد العقل الجمعي الشعبي مساحة من المرونة، يعاد فيها تمثل الأحكام بما يضمن بقاءها فاعلة في حياتهم دون أن تصطدم بضرورات العيش.

يختلف تحايل العامة على النص الشرعي، في جوهره، عن "حيل الفقهاء"؛ فبينما يبحث الفقيه عن مخرج قانوني من داخل أدوات أصول الفقه، يميل العامة غالباً إلى التواءات تمليها العاطفة أو الرغبة في التوفيق بين نمط حياتهم ومنظومة الحلال والحرام، وهو ما يمكن اعتباره نوعاً من "الفقه الشعبي". ويمكن تحليل هذه الظاهرة وفق ثلاثة أبعاد رئيسة؛ فعلى الصعيد النفسي نجد أنّ الشخص يريد أن يفعل المعصية دون أن يلاحقه شعور "العاصي"، فيخترع غطاء شرعياً يمنحه راحة الضمير. أمّا على الصعيد الثقافي الديني، فنحن نعثر على تصور مفاده أنّ الدين عبارة عن "شيفرات" أو "ثغرات" إذا عرفت كيف تدخل منها نجوت من العقاب. ويتمثل البُعد الثالث في ضغط الواقع؛ أي صعوبة الالتزام ببعض النصوص في ظل ظروف اقتصادية أو اجتماعية ضاغطة، فيلجأ الناس إلى الحيلة كآلية دفاع.

وتعود حيل الفقراء إلى تاريخ قديم قدم المجتمعات الطبقية، فبالنسبة إلى المجتمعات الإسلامية ظهرت مبكراً حيل الاستجداء "الكدية"، فقد انتشرت في العصور العباسية وما بعدها طائفة تُسمّى "بنو ساسان"، وهم جماعات من الفقراء والمهمشين الذين احترفوا الحيل للحصول على المال، ومن أشهر حيلهم: حيلة "التمارض"، حيث يقوم المحتال بتمثيل الإصابة بعاهة أو بمرض مُعدٍ لاستدرار عطف المارة. كذلك حيلة "الرسالة المزورة"، وتتمثل في ادعاء أنّ الشخص غريب انقطعت به السبل (ابن سبيل)، ومعه رسالة من قاضٍ أو عالم (مزوّرة) توصي به خيراً، وهناك الحيلة التي استمرت طويلاً وما زالت تستخدم إلى الآن، وهي حيلة "الأطفال المستعارين"، أي استئجار أطفال للوقوف بهم في الأسواق لإظهار كثرة العيال والحاجة.

أمّا في العصر الحديث، فإنّ أكثر هذه الحيل رواجاً لدى العامة هي حيلة الاستبدال اللغوي، وتقوم على تغيير اسم المحرَّم لجعله مقبولاً نفسياً واجتماعياً؛ والهروب من الإدانة الأخلاقية عبر التلاعب بالمسمّيات، فالرشوة تسمّى "إكرامية" أو "شاي" أو "حلاوة" لإخراجها من دائرة اللعن الوارد في النص "لعن الله الراشي والمرتشي". كذلك في القمار والرهان؛ فتسمّى المراهنات في الألعاب الشعبية بـ "المشارطة"، حيث يتم إقناع الضمير بأنّ المال المدفوع ليس قماراً وإنّما هو "تحدٍّ" أو "اتفاق ودّي" لإضافة الحماس. أمّا اللجوء إلى النوايا للعثور على مخرج من مأزق شرعي، فنعثر عليه بسهولة في ملايين الأيمان والحلف بالطلاق في كل شاردة وواردة (عليّ الطلاق لتاكل)، وعندما تقع الفأس في الرأس كما يقولون، يجري الادعاء فوراً بعدم القصد، ثم البحث عن فتوى تدّعي أنّ هذا "لغو يمين" أو "تهديد" فقط، للهروب من وقوع الطلاق الفعلي.

ولمّا كانت الأمثال مرآة لروح الشعب كما يقولون، فإنّ مسحاً سريعاً لحضور الدين فيها يكشف عن نوع من الذكاء، أو الدهاء، في استخدام النصوص الدينية لتبرير سلوكيات معينة. فهناك نماذج لأساليب التحايل على الرزق باستخدام ثيمات دينية تبرر ممارسات قد تتعارض جوهرياً مع تعاليم الدين، وذلك عبر انتقاء آية أو حديث يخدم الموقف مع تغييب السياق الكامل. هذا ما نراه في استخدام عبارة "إنّ لبدنك عليك حقاً" لتبرير التكاسل، أو "الرزق يحبّ الخفيه" (وهو ليس نصاً دينياً لكنّه يُعامل كقاعدة شرعية) لتبرير التنافس المحموم. ولو غصنا أكثر في "الفهلوة" الشعبية، فسوف نرى بوضوح كيف نجح العقل الجمعي في صياغة أمثال تبدو في ظاهرها "حكيمة" أو "دينية"، لكنّها في جوهرها مبررات ذكية للالتفاف على الالتزامات. ولعل أبرز الأمثال تعبيراً عن ذلك "اللّي يحتاجه البيت، يحرم على الجامع"، و"اليد اللّي ما تقدر تقطعها، بوسها وادعي عليها بالقطع"، ويُعدّ هذا المثل قمة في "التلاعب النفسي"؛ فهو يبرر النفاق (التقبيل) ويؤجل الصراع (الدعاء)، مع إعطاء شعور زائف بالرضا الديني. كذلك تبرز الأمثال الشعبية كمرجعية بديلة تبرر السلوك، ومنها مثال "ساعة لقلبك وساعة لربك"، ويستخدم عادة لتبرير القيام بمحرمات في "ساعة القلب"، وكأنّها منطقة معزولة عن الرقابة الإلهية.  

 

سوسيولوجيا الوجدان الشعبي: القرآن بين القداسة الأيقونية والتوظيف النفعي

يعشق المصريون القرآن سماعاً ويتبرّكون به كتاباً، لكن، كما ذكرنا سلفاً، فإنّ النص قد يستعصي على فهم الكثيرين بسبب انتشار الأمّية. ومع ذلك، فإنّ عدم فهم النص لا يعني إهماله أو إهانته؛ إذ يثور المسلمون بشدة عند إهانة القرآن، ويحرصون على حرق الأوراق المهملة بدلاً من إلقائها في النفايات خشية أن تحتوي على اسم الله أو النبي محمد، فهم يتعاملون مع المصحف كـ "أيقونة" مقدّسة، في تحويله إلى تميمة أو وسيلة تكسب، ومن أبرز مظاهر ذلك: الحماية والرقية باستخدامه كحرز ضد الحسد، أو تعليق المصحف في سلاسل ذهبية وفضية، والقسم والقدسية المادية بالمصحف بوضعه على العينين، (قدسية "الخبز" نفسها في الموروث الشعبي)، والتكسب الاجتماعي باستخدامه وسيلة للرزق كما يفعل الفقراء من فاقدي البصر في المقابر.

ونرى هذا الربط بين "النص" و"الرزق فيما رصده مصطفى مشرفة بدقة في روايته العظيمة "قنطرة الذي كفر"، التي توثق حياة المصريين إبّان ثورة 1919. يصور مشرفة في جزء من الرواية مشهداً بليغاً تلتقي فيه امرأة عجوز تُدعى "أم كمال" بمتسول يُدعى "أبو السبح"، لتستشيره في كسب عيشها من "كار الشحاتة"، تسأل أم كمال: "طب والكار يبقى فيه حرف تانية إيه كمان؟"، فكّر أبو السبح قليلاً وقال: "ياما الكار فيه حرف... تعرفي تقري قرآن؟ "أجابت :"لا، والنبي يابني"، نظر إليها باحتقار، وقال: "بقى يا سبحان الله ما تعرفيش تقعدي ع الرصيف وتزعقي "قل يا أيّها الذين..."،  وبعدين تقولي في سرّك: "حتتك بتتك شرك برك شرم برم"، وبعدين تزعقي تاني: "إنّ الله يحب المحسنين". إنّ هذا المشهد يعكس جوهر التوظيف النفعي؛ حيث يتم اختزال النص في كلمات افتتاحية وختامية لجذب الجمهور، بينما يتم حشو "المتن" بتمتمات فارغة، ممّا يؤكد أنّ القيمة في هذا السياق ليست في فهم المعنى، بل في "سلطة النص" الوجدانية التي تُستغل كبوابة لجمع المال.

أمّا أطرف نماذج استخدام القرآن في التسول، فقد تمثل في اختراع قرآن جديد ملائم لاحتياجات المتسول الجائع، ورد ذلك في إحدى الأسطوانات الفكاهية التي كانت رائجة في مطلع القرن العشرين. في هذه الأسطوانة يقدّم لنا "سيد قشطة" المونولوجيست الشهير آنذاك والمعنونة بـ "السيدة والفقيه"، يدور فيها حوار بين سيدة تسكن طابقاً مرتفعاً، وبين شخص يبدو متسولاً صفيقاً لا أكثر. يبدأ الحوار بهمهمة غير مفهومة وكلام غير واضح من قشطة، فتسأل المرأة عمّن يبرطم في هذا الوقت أمام منزلها، فيجيبها قشطة: أنا القستاذ. واستخدام القاف بدلاً من الهمزة يشير إلى تقعر يدّعي الثقافة والعلم، حيث دأب عامة المصريين على عكس ذلك بقلب القاف إلى همزة تخفيفاً للنطق. ولمّا أجابها قشطة بأنّه القستاذ، أي "الأستاذ"، تفهمها هي بمعنى "الفقيه" باعتبار أنّ الفقهاء يتحدثون الفصحى التي هي لغة القرآن. من هنا تدعوه السيدة إلى قراءة سور من القرآن لتتبارك بها: "اتفضل اقرأ سورة"، يقع قشطة في حيص بيص، فهو أمّي ولا يحفظ من سور القرآن شيئاً، وفي الوقت نفسه يعلم جيداً أنّ قراءة القرآن هي المدخل لتحنين قلب السيدة عليه والخروج منها بحسنة معتبرة، فيبدأ بتلاوة سورة قرآنية من اختراعه تمتلئ بما يسيل له لعابه من الحسنات المرجوة.

يبدأ قشطة سورته مرتلاً ما يحفظه بالفعل وما هو منتشر لدى عامة الناس: "أعوذ بك من الخبث والخبائث... إلخ"، فتتجاوب السيدة معه بحماس: "الله الله يا سيدنا"، ويستأنف قشطة: "إن كنت جعاناً أو عطشاناً"، ويبدأ في تعداد ما يشتهيه فعلاً من مأكولات: من المهلبية صحنين، ومن الرز صحنين، ومن البقلاوة صحنين، ومن العدس والبصل صحناً واحداً، باعتبارهما طعاماً معتاداً لدى الفقراء، بل يستأنف مستدركاً: "فقلت أنا لا آكل العدس ده أبداً..."، المهمّ أنّ السيدة يتسرب إليها الشك في هذا الرجل الذي يفرض ما يريده على القرآن فتنشب بينهما معركة، يحاول هو فيها التطاول عليها والتحرش بها وتقبيلها، فتستدعي العسكري وينتهي الأمر باقتياده إلى مخفر الشرطة. ورغم كل ما يحتويه الاسكتش المذكور من تجاوزات، لم يكن هناك من اعترض، أو فتش في ثناياه بحثاً عن كفر أو تجاوز، بل استمتع الجميع بمشهد كوميدي يصف حالاً يعيشونه يومياً في أرجاء المدينة.   

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية