مصر وتركيا ومصير "الإخوان"

مصر وتركيا ومصير "الإخوان"

مشاهدة

11/05/2021

محمد صلاح

جاءت المحادثات المصرية - التركية التي جرت في القاهرة نهاية الأسبوع الماضي كتطور طبيعي لإجراءات وقرارات وسياسات تبناها الحكم في تركيا لإزالة أسباب الصدام مع مصر، قد يحتاج الأمر الى بعض الوقت كي يحدد الطرفان قواعد التعامل في المستقبل. لكن المطالب، أو قل الشروط، المصرية معروفة: سحب المعدات العسكرية والإرهابيين من ليبيا، ووقف دعم تنظيم "الإخوان" الإرهابي، وتسليم الإرهابيين المقيمين في المدن التركية، ورسم ملامح لترسيم الحدود البحرية بين البلدين بما لا يخل بالاتفاقات والتعهدات المصرية مع دول أخرى كقبرص واليونان. أما أسباب التقارب التركي تجاه مصر فمعروفة ولا تحتاج الى كثير من التنقيب او البحث، فيكفي قراءة أحوال الاقتصاد التركي في ظل ارتماء الرئيس رجب طيب أردوغان في سراديب المخططات "الإخوانية"، ناهيك بفشل كل الوعود التي أطلقها الرجل ولـ"الإخوان" وغيرهم من المتأسلمين في العالم بقرب سقوط الحكم وعودة "الإخوان" الى رأس السلطة في مصر.

ورغم التجاوزات التركية في حق مصر على مدى سنوات لم يرد اسم تركيا على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وهو دائماً يكتفي بالإشارة إلى "أهل الشر" حين يتحدث عن "الإخوان" والدول والجهات التي تدعمهم، فالرجل من الأساس لا يفرق كثيراً بين "الإخوان" و"داعش" وما بينهما من جماعات وتنظيمات، كلها تستخدم الدين لتحقيق أغراض سياسية وتلجأ إلى الإرهاب إذا فشلت في تحقيق الأغراض السياسية، وكل من يسمع حديثه عن دول تؤوي الإرهاب وتمول قادته وتدرب عناصره يدرك أن الرجل يقصد تركيا ... فهو لم يذكرهما وإن قصدهما مراراً حين تحدث في محافل دولية او مؤتمرات للقمم العربية او الإقليمية.

من الواضح أن اللعب صار على المكشوف وأن المواجهة بين مصر التي تستند إلى موقف دولي في قلبه أوروبا، وعربي على رأسه المملكة العربية السعودية والإمارات، وبين دول ساندت الإرهاب على رأسها تركيا، صارت على المحك، وأن أي خطط للمصالحة مع تركيا لا بد من أن تأتي بقرار مصري يستند الى إرادة شعبية تتجاوز مراحل الخصام أو المناكفة السياسية أو التراشق الإعلامي إلى الفعل العملي. وتدرك مصر أن تركيا يتزعمها رئيس "إخواني" يتصرف بما تمليه التزاماته التنظيمية، وأطماعه الإقليمية معروفة وموروثة ثبت أن مصر هي حائط صد ضدها، وأن "الإخوان" في تركيا استغلوا "أخونة" الدولة هناك، وأن السلوك المؤذي كان رد فعل لسقوط "الإخوان" في مصر وهزيمتهم في تونس وحصارهم في ليبيا، والمؤكد أن أنقرة كانت تمني نفسها وتحلم باللعب والتأثير إقليمياً إلى درجة كبيرة، فلو كان "الإخوان" استمروا في حكم مصر وانطلقوا منها ليحكموا دولاً أخرى، يكون قد منح المتأسلمون عموماً و"الإخوان" خصوصاً أردوغان الدور الذي يبحث عنه حتى وإن كانت تصرفات تلك الجماعة تضر بتركيا، لكن الحلم "الإخواني" ضاع بانكسار الربيع العربي وسقوط دولة الجماعة التي تعيش الآن كابوساً مخيفاً. أما حلم اردوغان، فتحول إلى كابوس كبير!

يدرك المصريون أن الحكم في تركيا يمكن أن يبيع حلفائه، أو قل أتباعه، من "الاخوان" المصريين اذا رأى أن مصالحه تتعارض مع وجودهم على أراضيه، ولم ينسَ المصريون عندما وقف اثنان من الفارين من مصر في ميدان تقسيم التركي وسط الجموع التي احتشدت استجابة لدعوة الرئيس التركي أردوغان بعد سقوط الانقلاب العسكري هناك أمام الكاميرا ليعدا فقرة جرى بثها عبر برنامج تلفزيوني لفضائية "إخوانية" تبث من هناك، واحد من الاثنين ينتمي إلى "الإخوان" بينما الآخر ليس إخوانياً لكنه "يحترمهم". تبادل الاثنان تلاوة عبارات كان واضحاً أنها معدة سلفاً، ووجَّها الكلام لجمهور المشاهدين ليبشراه في النهاية في أن فشل الانقلاب التركي مقدمة لسقوط كل الانقلابات في العالم، بعدما شددا على أنهما ليسا فقط ضد العسكر في تركيا ولكنهما نذرا نفسيهما لمقاومة حكم العسكر في كل مكان، ولم يفوتا الفرصة للتأكيد أن الانقلاب "يترنح" في مصر، وأن حكم الشرعية سيعود كما عاد في تركيا!".

المؤكد هنا أن الاثنين نفسيهما، ومعهما آخرون من المصريين ممن لجأوا إلى تركيا ضمن موجة الزحف "الإخواني"، صاروا جميعاً الآن يضربون أخماساً بأسداس بسبب التقارب التركي - المصري الوشيك، لكن الأهم أن المشهد التلفزيوني الركيك عكس إلى أي مدى كانت مصر حاضرة في عقول الكثيرين في تركيا. المهم أن الشهور الأخيرة مرت على تركيا وكان لدى أردوغان صراعات مع قوى متعددة حاول رأب الصدع معها، ومكانته تعرضت لخسائر فادحة. صحيح أنه حقق ارتفاعاً للقاعدة الصناعية والسياحية والتشييد والتنمية عموماً، وكان على مشارف دولة متقدمة لكنه بكل تأكيد فشل في الإدارة السياسية، إذ دخل في صدامات كثيرة، وهو الذي كان يُصور للعالم أن شعبه حوله وجيشه كذلك.

مصر أسقطت "الإخوان" كجماعة فاشية وأبعدتها عن الحكم بعد سنة واحدة من الحكم "الإخواني"، أما في تركيا، فأردوغان حكم منذ عام 2002 وحزبه منظم جداً وممول جيداً وعقائدي بالدرجة الأولى، إلا أن أردوغان لم يتعامل بتواضع في محيطه الداخلي والإقليمي والدولي، خصوصاً أن انتخابات قاعدته الشعبية تهتز من تحته، ومن الواضح أن حزب "العدالة والتنمية" عيّن كثيرين من الموالين له في مفاصل الدولة تحت زعم الديموقراطية، وسلوكه كان ضدها كالإجراءات ضد الإعلام والصحافة التي طاولت أيضاً صحافيين أجانب... إنه الكتالوغ "الإخواني" في الحكم رغم الفوارق بين تجربة أردوغان وتجربة محمد مرسي.

في كل الأحوال فإن تركيا دخلت مشهداً جديداً، كان أردوغان يتصرف كرئيس دولة عظمى، وظهر أن حكمه هش والشعب منقسم، وبدا كحاكم تتملكه غريزة البقاء، يصالح ويخاصم حتى يحافظ على حكمه. لا ننسى هنا أن المؤسس للدولة التركية الحديثة عسكري، والجيش ظل له ثقل كبير، وأردوغان له مؤيدون وحزب منظم، وتجربة "الإخوان" في مصر ثم ما جرى في ساعات الانقلاب في تركيا أُثبت أنهم يتحولون إلى شخصيات عنيفة. هم عقائديون ويناصرون أردوغان وكأنهم سيدخلون الجنة، إلى درجة أن فشل الانقلاب أدى إلى انقلاب الحكم على غالبية مؤسسات الدولة. إنه "كتالوغ" "الإخوان" نفسه في مصر رغم الفوارق بين الحالتين، لكن لكل مرحلة حساباتها ويبدو أن أردوغان أيقن أن المرحلة المقبلة تلزمه تغيير هؤلاء الحلفاء... بل التضحية بهم.

عن "النهار" العربي

الصفحة الرئيسية