مختبرات "التمكين" الهادئ: لماذا تخشى فرنسا نفوذ الإخوان في قطاع التعليم؟

مختبرات "التمكين" الهادئ: لماذا تخشى فرنسا نفوذ الإخوان في قطاع التعليم؟

مختبرات "التمكين" الهادئ: لماذا تخشى فرنسا نفوذ الإخوان في قطاع التعليم؟


31/05/2026

في العقيدة السياسية للجمهورية الفرنسية تُمثل المدرسة" المركز التنويري" الذي تُصاغ فيه عقول المواطنين بعيداً عن المؤثرات الدينية والإيديولوجية. لكن بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين، فإنّ قطاع التعليم يُعدّ "المختبر المركزي "لمشروع التمكين طويل الأمد؛ حيث لا تهدف الجماعة إلى مجرد تقديم خدمات تعليمية، بل إلى رعاية جيل من المواطنين" المنفصلين  شعورياً "عن قيم الدولة الوطنية.

لذلك تأتي المخاوف الفرنسية المتصاعدة، التي تُوجت بسلسلة من القوانين والإجراءات الأمنية في منتصف العام الجاري، ليست مجرد هواجس عابرة، بل هي استجابة لعملية" تسلل ناعم "استهدفت مفاصل المنظومة التربوية، محولةً الفصول الدراسية إلى محاضن لإنتاج هوية موازية تتصادم بنيوياً مع قيم العلمانية والجمهورية.

استراتيجية "التغلغل "عبر الثغرات القانونية

اعتمد تنظيم الإخوان في فرنسا لسنوات طويلة على مبدأ "التغلغل الهادئ "في قطاع التعليم، مستفيداً من قوانين حرية التعليم التي تتيح إنشاء مدارس خاصة خارج التعاقد مع الدولة، وتكمن خطورة هذه الاستراتيجية في أنّها تخلق فضاءات تعليمية شبه مغلقة، حيث يتم اختيار المعلمين ووضع المناهج الإضافية بعيداً عن رقابة وزارة التربية الوطنية.

بالنسبة إلى الإخوان، تمثل هذه المدارس" قلاعاً إيديولوجية" يتم فيها غرس مفاهيم الانعزالية تحت ستار الحفاظ على الخصوصية الدينية، في المقابل تعتبر التحليلات الأمنية الفرنسية  أنّ الجماعة لا تسعى بالضرورة إلى تحريض الطلاب على العنف المباشر، بل إلى ممارسة" عنف رمزي "ضد قيم الدولة، عبر تصوير المجتمع الفرنسي كبيئة" جاهلية" أو "معادية للإسلام"، ممّا يؤدي في النهاية إلى خلق جيل يدين بالولاء للتنظيم وقيمه العابرة للحدود أكثر من ولائه للدولة التي يحمل جنسيتها.

"ثانوية ابن رشد" والتقية التعليمية

تظل قضية" ثانوية ابن رشد "في مدينة ليل النموذج الأبرز للصراع بين الدولة والتنظيم، فبينما تُقدّم المدرسة نفسها كنموذج للنجاح الأكاديمي والاندماج، كشفت التقارير الاستخباراتية والإدارية عن وجود "مناهج خفية" تروج للفكر الإخواني.  ولم يكن الجدل حول تدريس نصوص دينية قديمة، مثل نصوص الإمام الغزالي، نقاشاً لاهوتياً، بل كان يدور حول  الرسائل الضمنية التي تُمرر للطلاب حول دور المرأة، والموقف من الآخر، وسمو الشريعة على القانون الوثني الوضعي.  

تستخدم الجماعة في هذه المؤسسات ما يمكن تسميته بـ "التقية التعليمية"؛ حيث تلتزم بالمناهج الرسمية في العلن لضمان استمرار التمويل الحكومي، بينما تخصص حصصاً" للتربية الأخلاقية "أو الأنشطة الموازية لتمرير أدبيات حسن البنا وسيد قطب بأسلوب ناعم. هذا الازدواج الخطابي هو ما يجعل الدولة الفرنسية في حالة استنفار؛ إذ ترى في هذه المدارس "حصان طروادة" الذي يستخدم موارد الدولة لهدم أسسها الفكرية من الداخل.

"المدارس الموازية" وخطر التعليم المنزلي

مع تشديد الرقابة على المدارس المتعاقدة، انتقل نفوذ الإخوان إلى جبهة أكثر  خطورة وهي "التعليم المنزلي" والجمعيات التربوية الصغيرة التي تعمل في الأحياء الشعبية. وتدرك السلطات الفرنسية أنّ الجماعة تستخدم الدروس الخصوصية ومراكز "تحفيظ القرآن "غير المرخصة كبديل للمدرسة الرسمية، حيث يتم حث الآباء على سحب أبنائهم من المدارس العامة بحجة حمايتهم من" العلمانية المتطرفة".

هذه المدارس الموازية تُمثل التهديد الأكبر للسلم الاجتماعي؛ فهي تنتج أفراداً يعيشون في "غيتوهات معرفية"، حيث يتم تشويه الحقائق التاريخية والعلمية لتتلاءم مع الرؤية الإخوانية للعالم. إنّ المخاوف الفرنسية تنبع من أنّ هذا المسار التعليمي البديل يقطع خيوط التواصل بين الدولة وأبناء الجاليات، ويجعل من الجماعة "المرجعية الوحيدة" للطفل، ممّا يمهد الطريق لنشوء مجتمعات منفصلة تماماً ترفض الاندماج وتعتبره "ذوباناً في الكفر".

التمويل المشبوه وارتهان السيادة التربوية

لا ينفصل ملف التعليم الإخواني في فرنسا عن ملف التمويلات الخارجية، وتحديداً القادمة من مؤسسات مرتبطة بقطر وتركيا. وتشير التقارير الرسمية إلى أنّ الضخ المالي الضخم لهذه المؤسسات التعليمية لم يكن يهدف إلى دعم  التميز الأكاديمي  فحسب، بل كان ثمناً لضمان ولاء هذه المؤسسات للأجندة السياسية للتنظيم الدولي.

إنّ ارتهان المدارس لتمويلات خارجية يجعل من الصعب على الدولة ممارسة سيادتها التربوية. وعندما تكتشف فرنسا أنّ "صناديق الوقف" التي تمول هذه المدارس تدار من قبل شخصيات مرتبطة بقيادات التنظيم الدولي في لندن أو إسطنبول، فإنّ القضية تتحول من ملف تعليمي إلى ملف" أمن قومي". التدفقات المالية تُستخدم هنا كأداة" قوة ناعمة" لفرض سردية إخوانية معينة على الساحة الفرنسية، وهو ما تصفه باريس بـ" التدخل الأجنبي "في شؤون السيادة الفكرية للجمهورية.

"قانون الانفصالية" كمصدٍّ أمني فكري

جاء "قانون تعزيز احترام مبادئ الجمهورية "في عام 2021 وما تبعه من إجراءات في عامي 2025 و2026، كاستجابة مباشرة لهذا التغلغل، وقد منحت القوانين الجديدة للدولة صلاحيات واسعة لإغلاق المدارس التي يثبت تورطها في خطاب يحرض على الكراهية أو يرفض القيم الجمهورية.

النجاح الفرنسي في عام 2026 يتمثل في الانتقال من "المراقبة" إلى "الفعل الاستباقي"؛ حيث يتم التدقيق في السير الذاتية للمعلمين، ومراقبة الحسابات البنكية للجمعيات التعليمية، وحظر "التعليم المنزلي "إلا في حالات الضرورة القصوى. هذه الإجراءات تهدف إلى تجفيف المنابع البشرية والمالية التي يعتمد عليها الإخوان لإدامة نفوذهم في القطاع التعليمي. إنّها محاولة لاستعادة "المواطن" من براثن "العضو التنظيمي"، وإعادة الاعتبار للمدرسة كأداة للدمج وليس كمنصة للتقسيم.

 استعادة الفصول من براثن" التمكين"

إنّ الصراع الفرنسي مع نفوذ الإخوان في قطاع التعليم هو صراع وجودي بين نموذجين: نموذج الجمهورية الذي يقوم على الفرد الحر والمواطنة المشتركة، ونماذج الإخوان التي تقوم على" الجماعة "والانعزالية الإيديولوجية. لقد أدركت باريس، وإن كان ذلك متأخراً، أنّ التسامح مع" التعليم الموازي "كان خطيئة كبرى أدت إلى تآكل النسيج الوطني في الضواحي الكبرى.

المخاوف الفرنسية مبررة تماماً؛ لأنّ السيطرة على التعليم تعني السيطرة على "المستقبل". وإذا نجح الإخوان في إعداد جيل من المهندسين والأطباء والمعلمين الذين يؤمنون بـ" جاهلية المجتمع"، فإنّهم يكونون قد كسبوا المعركة دون إطلاق رصاصة واحدة، لذلك فإنّ الحرب المالية والقانونية والأمنية التي تخوضها فرنسا اليوم ضد الشبكات الإخوانية التعليمية هي ضرورة لحماية" العقل الجمهوري"  من الاختطاف. 

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية