ما هي البيئة الحاضنة والمنشئة للكراهية والإرهاب؟

ما هي البيئة الحاضنة والمنشئة للكراهية والإرهاب؟

مشاهدة

11/03/2018

تفسير الكراهية والتطرف بالبيئة الاقتصادية الاجتماعية والنفسية، هو ليس ملاحظة العلاقة الفردية بين التطرف والحالة الاقتصادية؛ بمعنى ملاحظة المتطرفين كأفراد، إن كانوا أغنياء أو فقراء، يعيشون أزمات اجتماعية أو ظروفاً عادية وملائمة، ليس ذلك هو المقصود، وإن كانت دراسة الحالات الفردية وملاحظة العلاقة بين حالتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وبين الاتجاهات والميول نحو الكراهية والتطرف، هي أيضاً أسلوب صحيح من الناحية المنهجية، لكن من المؤكد أنّ ثمة علاقة بين البيئة الاقتصادية الاجتماعية على نحو عام، وبين الاعتدال والتطرف والجريمة والسلوك السوي والشعور بالرضا أو التعاسة.

إنّ السلوك الاجتماعي ليس عملية واعية، أو قراراً يتخذه الفرد على نحو واضح، أو استجابة للظروف المحيطة، أو ردة فعل مباشرة، وإن كان ذلك يحدث ذلك. الحال أنّ التطرف والكراهية والقسوة، إن لم تكن فشلاً، فإنّها تعكس الفشل في إدارة وتنظيم الموارد والسياسات. وبطبيعة الحال، فإن مواجهة التطرف هي الازدهار والتقدم والتنمية الإنسانية، أو هي (المواجهة) محصلة تلقائية للأداء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السليم والإيجابي.

التطرف والكراهية والقسوة، إن لم تكن فشلاً، فإنّها تعكس الفشل في إدارة وتنظيم الموارد والسياسات

يساعدنا ديفيد باتريك هوتون؛ أستاذ علم النفس السياسي في جامعة وسط فلوريدا في الولايات المتحدة الأميركية، في كتابه "علم النفس السياسي"، في استيعاب الدراسات والنظريات التي اشتغلت بعلم نفس الإرهاب. ويشير هوتون إلى مجموعة من الكتب والدراسات التي صدرت في هذا المجال، مثل؛ كتاب ريكس هدسون "علم نفس الإرهاب"، 1991؛ وكتاب جون هورغان "شخصية الإرهابي". ويقول هدسون: "الذين يدرسون الإرهاب يتناولون الفرد الإرهابي أو الجماعة الإرهابية على مستوى جزئي من الدراسة، ذلك لأن المقاربة النفسية تركز على دراسة الإرهابيين بحد ذاتهم؛ كيف يتم تجنيدهم، وكيف يتم دمجهم في الجماعات الإرهابية، إضافة إلى أنّه يبحث في نوعية شخصياتهم واعتقاداتهم واتجاهاتهم ودوافعهم ومهنتهم كإرهابيين".

وجهة النظر السائدة، ترى الإرهاب بالطريقة التي يرى بها ستانلي ملغرام القتل الجماعي؛ أيّ كنتاج للظروف البيئية المحيطة بالفرد من حيث الأساس، وليس كنتاج للخصائص الشخصية للإرهابي، آخذاً بذلك وجهة نظر موقفية صرفة. ويعتقد معظم المحللين اليوم، أنّه ليس هناك شخصية إرهابية ذات طابع واحد، فضلاً عن أنّ هناك قبولاً متزايداً للرأي القائل: إنّ المتطرفين سياسياً "أسوياء" بشكل عام في العديد من الوجوه (ليسوا مجانين)، على الرغم من أنّهم يظلون، دون شكّ، موجهين بأيديولوجيا "تبرر" أفعالهم.

مواجهة التطرف هي الازدهار والتقدم والتنمية الإنسانية وهي محصلة تلقائية للأداء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السليم

وحاول هورغان تطوير "نموذج العملية" في فهم الإرهاب، محاولاً التوفيق بين النظريات السياسية النفسية الموقفية التي تردّ الإرهاب إلى البيئة المحيطة، وبين النظريات السياسية النفسية النزوعية التي تردّ الإرهاب إلى اتجاهات فردية شخصية لدى الإرهابي، مثل؛ النرجسية والميل إلى الاكتئاب والتجارب السيئة التي مرّ فيها الإرهابي في حياته، خاصة في طفولته، مثل التعرض للاعتداء والإهانة. ويقول هورغان: إنّ الإرهاب ظاهرة معقدة لا يمكن ردّها حصرياً إلى عوامل نزوعية أو عوامل موقفية، ويجب أن يأخذ تفسير الظاهرة بدمج كلا النوعين من العوامل، ويرى أنّ الاعتقادات التي يحملها الفرد وتنشئته الاجتماعية، وتجاربه الحياتية، وإحساسه بعدم الرضا، وقدرته على تخيل بدائل أخرى لحياته، تؤدّي جميعها دوراً في مشاركته في الإرهاب.

ما يميّز الإرهاب عن غيره من أشكال العنف، هو أنّ الإرهاب يتضمن أفعالاً ترتكب بطريقة دراماتيكية لجذب الانتباه العام، وخلق مناخ من الرعب يتجاوز الضحايا الذين تعرضوا له، وتكون هوية الضحايا ثانوية أو غير مهمة للإرهابيين؛ لأنّ عنفهم يتجه إلى الناس الذين يشاهدون ذلك العنف. والتفريق بين الضحايا الواقعيين، والجمهور المستهدف هو المعلم الرئيس للإرهاب الذي يميزه عن الأشكال الأخرى من النزاع المسلح؛ فالإرهاب مسرح، وبذلك يختلف الإرهاب عن القتل الجماعي أو الإبادة الجماعية؛ فالقتل أو الإبادة تهدف إلى قتل جماعة بالكامل، لكنّ الإرهاب يقتل عدداً من الناس بهدف التأثير على جمهور أوسع.

ما يميّز الإرهاب عن غيره من أشكال العنف، هو أنّ الإرهاب يتضمن أفعالاً ترتكب بطريقة دراماتيكية لجذب الانتباه العام

كما أنّ التفسير السوسيولوجي للكراهية والتطرف، ليس مشغولاً بالعلاقة المباشرة بين المتطرفين وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، لكن بالعلاقة بين البيئة الاجتماعية والاقتصادية والتطرف والكراهية، فإنّ الحديث عن العلاقة بين الأفكار والمعتقدات والنصوص الدينية والتعليمية، والكراهية والتطرف، ليس مشغولاً بالأوامر والنواهي والدعوات والفتاوى لأجل الاعتدال أو التطرف، الكراهية أو المحبة، التعصب أو التقبل؛ بل تتشكل منظومة الاعتدال أو التطرف والكراهية في البيئة الفكرية والتعليمية والثقافية على نحو أقرب إلى المنهج الخفي. والحال أنّ مواجهة التطرف والكراهية لن تكون عمليات مباشرة لإحلال أفكار أو نصوص محلّ أخرى، لكنّها في "النسبية وعدم اليقين" التي تشكّل العقل الحرّ والناقد والمتقبل للآراء والأفكار والمستعد للتغيير والمراجعة. لذلك، فإنّ أفضل النصوص والأفكار التنويرية، إذا قدمت على أساس من الوصاية واحتكار الصواب والتعصب، فإنّها ستنشئ أيضاً الكراهية والتطرف، فلا فائدة أو أهمية لأن تُفرض أجمل الأفكار والمعاني على الناس فرضاً، أو تُلقّن للتلاميذ بوصاية على عقولهم وضمائرهم وأرواحهم؛ الاعتدال -ببساطة- هو محصلة للحريات والإبداع.

يمكن للتوضيح تقديم أمثلة كيف تتشكل الكراهية (ويتبعها التحريض والتعصب والعنف بطبيعة الحال) في الأفكار والثقافة والمناهج: الامتلاء بالشعور بالصواب والحق، وأنّ الآخر مخطئ وباطل، وعدم القدرة على إدراك وملاحظة معقولية/ احتمال معقولية الآخر، وخطأ/ احتمال خطأ الذات؛ إذ ليس المطلوب أن يقدّم الصواب والاعتدال للناس على أنّهما كذلك، لكن في ظل الاعتقاد بأنّ أحداً لا يحتكر الصواب ولا يعرفه على وجه اليقين، وبذلك تظلّ جميع الأفكار والمعتقدات محتملة الصواب، وتظلّ جميع الأفكار والمعتقدات قابلة للمراجعة واحتمال التغيير، والخلط بين الأفكار والمعتقدات وبين تطبيقها على الآخرين، فأن يعتقد أحد اعتقاداً أو فكرة، فهذا أمر يخصّه وحده، ولا يحق لأحد أن يُلزم غيره باعتقاد أو يمنعه من اعتقاد، ولا أن يطبق التعاليم والمفاهيم التي يؤمن بها على غيره؛ لأنّ الأفكار والمعتقدات ليست هي القانون، ويبقى الحكم بين الناس هو القوانين والتشريعات، وحين تتعارض أو يفهم تعارض بين الأفكار والمعتقدات وبين التشريعات، فالحلّ والحكم للمؤسسات التشريعية والسيادية، وليس بيد كلّ مؤمن بفكرة يرى أنّه ملزم بتطبيقها على غيره، وغيره يعني كلّ من عداه، بمن في ذلك الأبناء والتلاميذ.

مواجهة التطرف لن تكون عمليات مباشرة لإحلال أفكار أو نصوص محلّ أخرى لكنّها تشكّل العقل الحرّ والناقد والمتقبل للآراء 

وصواب أو خطأ فكرة أو اعتقاد لا يغير شيئاً في هوية الناس، ولا في الموقف منهم، والنظر إليهم؛ فالإنسان مستقل بكيانه واعتباره عن أفكاره ومعتقداته، هو إنسان أولاً، ومواطن ثانياً، ولا يغير في ذلك شيئاً من أفكاره ومعتقداته. الحكم على الناس وتقييمهم وتصنيفهم حسب أفكارهم ومعتقداتهم، ثم بناء المشاعر تجاههم على هذا الأساس، ينشئ -بطبيعة الحال- حالة من الكراهية للآخر، بمن هو المخالف في الفكر والاعتقاد، وينشئ أيضاً الشعور بالتميز والاستعلاء والأفضلية، وببساطة، هذا هو التطرف.

وتنشئ مبادئ الاحتساب "الحسبة" اعتقاداً بحقّ كلّ صاحب فكرة؛ أن يتحرك لفرضها على الناس، أو محاسبة الناس على أساسها، من دون اعتبار لاحتمالات الصواب والخطأ لدى الذات أو لدى الآخر، ومن دون اعتبار لدور المؤسسات والقوانين الناظمة لحياة الناس وعلاقاتهم.

الأكثر أهمية من تعليم الاعتدال والتنوير؛ هو تعلم مظنّة تعدّد الصواب واحتمال الخطأ دائماً

ماذا عن تعدد الأفكار والمفاهيم واختلافها؟ ففي سعي صاحب كل فكرة لتطبيقها على الآخرين ومحاسبتهم على أساسها، يتحول الفهم الديني والاجتماعي إلى صراع وعنف اجتماعي، يمتدّ إلى الأسر والزملاء والأصدقاء والجيران والأقارب، خاصة مع مفاهيم وأفكار ومقولات، دون تمييز في أهميتها وصحتها ومستواها ومعناها، تشجع على الغضب والمفاصلة والكراهية بسبب الاختلاف في الرأي والفكر والمعتقدات. ويضاف إلى ذلك؛ تقديس التراث والتاريخ والتجارب الحضارية والفقهية، بلا تمييز بين الأصول والفروع واحتمال الخطأ، أو من دون تمييز بين الدين والخطاب الديني، وبين النصوص وفهمها ومعانيها المتعددة المحتملة.

الأكثر أهمية من تعليم الاعتدال والتنوير؛ هو تعلم مظنّة تعدّد الصواب واحتمال الخطأ دائماً.

الصفحة الرئيسية