ما هي إستراتيجية ألمانيا لمواجهة خطر جماعة الإخوان؟

ما هي إستراتيجية ألمانيا لمواجهة خطر جماعة الإخوان؟

مشاهدة

13/07/2021

يؤكد عدد من الباحثين في الإسلام السياسي في أوروبا على أنّ ألمانيا أضعف دول القارة في فهم ظاهرة الإسلام السياسي والإرهاب، وأنّ مقاربتها الأمنية ضعيفة في مواجهة خطر الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تهيمن على المساجد والمراكز الدينية الإسلامية، حتى أنّ لدى برلين قائمة من 24 ألف فرد من المشتبه بدعمهم للإرهاب.

كانت الحكومة الألمانية اتهمت منظمة "ديتيب" التركية بتشجيع العنف ضدّ المعارضين لسياسات الرئيس أردوغان، خصوصاً الأكراد، وذلك بدعمها لمنظمة الذئاب الرمادية القومية المتطرفة

وسمح الوضع السابق لأحزاب وجماعات اليمين المتطرف، خصوصاً النازيين الجدد، بكسب شعبية أوسع اعتماداً على خطاب متطرف مضاد للإسلام والمهاجرين، مستشهدين بعشرات العمليات الإرهابية التي شنها أفراد مسلمون، فضلاً عن الممارسات الرجعية بين المجتمعات الإسلامية بسبب سيادة خطاب ديني متطرف، يروج له منظمات لها علاقة وطيدة بالإخوان المسلمين والهيئات الدينية التركية.

مقاربة جديدة

لكنّ الوضع السابق أخذ في التحول نحو فعالية ألمانية أكبر في مواجهة خطر التطرف الديني بعد الاقتصار على مواجهة الإرهاب، ولم يعد الأمن الجنائي هو الشاغل الوحيد للألمان، بل صار الحفاظ على قيم المجتمع من ديمقراطية وحريات وحقوق إنسان أولوية، بعد إدراك المسؤولين الخطر الذي تمثّله جماعات الإسلام السياسي على حياة ملايين المسلمين، وملايين من غيرهم من الذين يقعون في فخ اليمين المتطرف باسم حماية المجتمع.

المستشارة الألمانية ميركل ووزير الداخلية زيهوفر

وبدأت هذه التحوّلات مع تولي هورست زيهوفر وزارة الداخلية الاتحادية في آذار (مارس) 2018، وهو سياسي عريق، وله مقاربة مختلفة عن المستشارة أنجيلا ميركل تجاه اللاجئين، ويتبني زيهوفر مقاربة علمية لمكافحة التطرف تقوم على عدّة محاور، بالإمكان التعرف عليها من خلال القرارات التي صدرت في عهده في هذا الشأن، وهي؛ مكافحة جذور التطرف الديني عبر تخريج جيل جديد من الأئمة داخل ألمانيا، ومنع استقدام الأئمة من الخارج خصوصاً تركياً، والتدقيق في الحسابات المالية للمراكز والجمعيات الدينية، والتعامل القانوني الحازم مع أية مخالفات مالية أو تمويل لجماعات متطرفة، وأخيراً تأسيس وحدة بحثية تختص بالإسلام السياسي وتتبع وزارة الداخلية الاتحادية لرصد الجماعات الإسلامية، وتقديم الاقتراحات حول تطوير مقاربة الوزارة في مواجهة خطر الإسلام السياسي على المجتمع.

مجموعة خبراء الإسلام السياسي

وتعتبر المجموعة التي دشنت أول اجتماعاتها بحضور وزير الداخلية، في 15 حزيران (يونيو) الماضي، هي العنوان الأبرز للمقاربة الألمانية لمواجهة خطر الإسلام السياسي، وليس الإرهاب فقط، وهي مقاربة استباقية تهدف إلى قلع جذور التطرف من المجتمع، وكما وصفها زيهوفر بأنّها مقاربة تتصدى بحزم "لكل أيديولوجية موجهة ضد قيم النظام الأساسي الحر والديمقراطي".

اقرأ أيضاً: كيف سيتكيف الإخوان مع الحصار الأوروبي؟

وكشف الوزير عن معالم سياسته لمواجهة الإسلام السياسي بقوله؛ "علينا اتخاذ إجراءات حاسمة ضدّ أي أيديولوجيا تعادي قيم ومعايير النظام الأساسي لمجتمعنا الديمقراطي الحرّ، ولا يقتصر ذلك على التطرف العنيف، بل كل أيديولوجيا تهدد قيم ومعايير المجتمع".

وحول مجموعة الخبراء، قال زيهوفر؛ "هي جزء من المقاربة لمكافحة التطرف والإرهاب، التي تعزز جهود الشرطة في وقاية المجتمع".

يستهدف الإسلام السياسي النساء كخطوة أولى نحو تعزيز انعزالية المسلمين

وتضم المجموعة عشرة خبراء من تخصصات علمية متعددة، توفر دراسة شاملة وأعمق عن الإسلام السياسي من مناظير مختلفة، وهي؛ الدراسات الإسلامية، واللاهوت الإسلامي، والقانون العام، والعلوم السياسية والاجتماعية، إلى جانب ممثل عن كل مركز من مراكز البحوث في مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية (BKA)، وفي المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF).

الإسلام السياسي من منظور علمي

وتضطلع المجموعة بتحليل الموقف الراهن والتغيرات لظاهرة الإسلام السياسي من منظور علمي، وتطوير مقترحات تعزز عمل الأجهزة الأمنية من منظور علمي وسياسي واجتماعي، إلى جانب تحديد الفجوات في المقاربة العلمية للظاهرة، والعمل على ملئها بدراسات وأبحاث علمية، وذلك بحسب بيان وزارة الداخلية الألمانية.

اقرأ أيضاً: الخريف يعصف بالتنظيم في أوروبا: تشريعات نمساوية لحظر أنشطة الإخوان

وكان الوزير زيهوفر أعلن عن تأسيس مجموعة بحثية لمواجهة الإسلاموفوبيا في شباط (فبراير) العام الماضي، عقب هجوم من يميني متطرف على مجموعة من المهاجرين، ويأتي تدشين مجموعة خبراء الإسلام السياسي كتكملة لرؤية زيهوفر وقطاع واسع من السياسيين الألمان الذين يرون في الإسلام السياسي واليمين المتطرف وجهان لعملة واحدة، وتربطهما علاقة طردية، ولذلك تعتمد الوزارة على مكافحة الفريقين ضمن مقاربتها لمكافحة التطرف في المجتمع.

الباحث في الأمن الدولي جاسم محمد لـ"حفريات": تدشين المجموعة البحثية بالتوازي مع فتح كلية الدراسات الإسلامية نقلة نوعية في عمل الحكومة الألمانية في مواجهة الإسلام السياسي

وجاء تدشين مجموعة الخبراء بعد تبني الكتلة البرلمانية للتحالف الحاكم، CDU/ CSU ورقة تقدير موقف حول الإسلام السياسي في نيسان (أبريل) الماضي، ودعت الورقة إلى قطع كلّ العلاقات والتمويل بين الحكومة الاتحادية والمراكز والمؤسسات الدينية التي تشرف عليها جماعات الإسلام السياسي، مثل المجلس المركزي للمسلمين، والمجلس الإسلامي، والاتحاد التركي الإسلامي للتعاون الثقافي والاجتماعي (ATIB).

وقال البرلماني الألماني، والمتحدث باسم لجنة الشؤون الدينية، كريستوف دي فريس، والذي اضطلع بدور كبير في إعداد ورقة تقدير الموقف، أنّ؛ تدشين مجموعة خبراء الإسلام السياسي "هي رسالة واضحة أنّه لا تساهل مع خطر الإسلام السياسي على مجتمعنا الحر والديمقراطي".

كلية الدراسات الإسلامية

وإلى جانب ما سبق وضعت وزارة الداخلية الألمانية تدريب الائمة في البلاد على رأس برامجها لمكافحة التطرف، وانتقلت الوزارة من التدريب في برامج تعدها المراكز الإسلامية إلى برامج تدريبية تعدها كلية الدراسات الإسلامية، التي دُشنت خصيصاً كأول كلية ألمانية متخصصة في الدراسات الإسلامية، وبدأت أول برامجها في 16 حزيران (يونيو) الماضي، بهدف تخريج جيل مؤهل من الأئمة من الناطقين بالألمانية، للحلول محل الأئمة الوافدين خصوصاً من تركيا.

البرلماني الألماني، والمتحدث باسم لجنة الشؤون الدينية، كريستوف دي فريس

وتعليقاً على ذلك، يرى الباحث في الأمن الدولي والإرهاب، ورئيس مركز "ECCI" البحثي في ألمانيا وهولندا، جاسم محمد، أنّ تدشين المجموعة البحثية بالتوازي مع فتح كلية الدراسات الإسلامية هي نقلة نوعية في عمل الحكومة الألمانية في مواجهة خطر التطرف والإرهاب وخاصة جماعة الإخوان المسلمين.

اقرأ أيضاً: إمبراطورية الإخوان المالية تهتز في أوروبا.. ما القصة؟

وأضاف محمد في حديثه لـ"حفريات"؛ أنّ هذه النقلة النوعية نتيجة جهود كبيرة بذلتها الحكومة منذ أعوام في أعقاب موجة الإرهاب التي ضربت البلاد منذ عام 2015، وخلصت إلى أنّ الأئمة الوافدين من الخارج خصوصاً تركيا هم المسؤولين بشكل أساسي عن تنامي التطرف بين المجتمعات المسلمة، بسبب رؤيتهم الدينية المتطرفة، ودعمهم أجندة الإسلام السياسي والحكومة التركية، إلى جانب دعمهم اللوجستي للجماعات إرهابية.

وأردف؛ أنّ هناك ثلاث فئات تهيمن على الإسلام السياسي في ألمانيا، وهم؛ المؤسسات التركية، والإخوان المسلمين من أصول مصرية وسورية، وهؤلاء يدفعون نحو تزايد الانعزالية بسبب عدم إجادة الأئمة للغة الألمانية، ولتكوين مجموعات نفوذ داخل المجتمع الألماني.

الباحث في الأمن الدولي والإرهاب، ورئيس مركز "ECCI" البحثي في ألمانيا وهولندا، جاسم محمد

وكانت الحكومة الألمانية اتهمت منظمة "ديتيب" التركية بتشجيع العنف ضدّ المعارضين لسياسات الرئيس أردوغان، خصوصاً الأكراد، وذلك بدعمها لمنظمة الذئاب الرمادية القومية المتطرفة. وتعتبر ديتيب النسخة الألمانية من منظمة مللي غروش التركية، التي تدمج بين القومية التركية المتطرفة والإسلام السياسي، وعارضت المنظمة برامج الحكومة الألمانية لتدريب الأئمة، وشرعت في الالتفاف عليها عبر إعداد برامج خاصة بها للتدريب.

ويعيش في ألمانيا أربعة ملايين مسلم، جاء معظمهم إلى البلاد عقب الحرب العالمية الثانية في إطار سياسة استقدام العمالة من أجل التنمية، ومعظمهم من تركيا وشرق أوروبا والمغرب وغيرها من البلدان الإسلامية.

الصفحة الرئيسية